تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أبو عامر :

آه! كيف حصل على ميلها إليه وتعويلها بإخلاص محبتها عليه؟ وهل وصلت حبل رجائه، وأسعفته بإسعاد وفائه؟

أبو عامر :

بالله عليك، استعمل الإيجاز، ودع الاستعارات في سلوك هذا المجاز.

حسان :

لا بد من ذكر مقدمة أمام المقصود، يطيب بعدها لمن يشرع في بيان القضايا ورود.

حسان :

اعلم أنهم اختلفوا في حد العشق ورسمه، وكشف حقيقته وما يعرب عن وسمه، فقال فيثاغورس: العشق طمع يتولد في الفؤاد، ويتحرك وينمو ثم يتربى وتجتمع له دواد، وكلما قوي وهاج؛ زاد صاحبه في اللجاج، وتمادى في الطمع والحرص على المطلب، حتى يؤدي به إلى الهم المقلق واحتراق الدم المفضي إلى العطب، وقال أفلاطون: العشق قوة غريزية متولدة من وسواس الطمع، وأشباح التخيل ممن إليه نزع محدث للشجاع جبنا وللجبان شجاعة، يكسو كل إنسان ما يباين طباعه، وقال ابن سينا: العشق مرض وسواسي شبيه بالماليخوليا لمن فيه نظر يجلبه المرء في نفسه بتسليط فكرته على استحسان بعض الصور، وقال بعض الأدباء الظرفاء مخالفا لهذه النصوص، العشق عبارة عن طلب ذلك الفعل المخصوص من شخص مخصوص، وقيل: العشق من الجنون، وهو - على ما قيل - فنون.

أبو عامر (عروض البدر أضحى خدامك) :

خرجت في هذ القصد

عما يرى الصب المغبون

وجزت حدا بالحد

على فتى عان مفتون

فدع أحاديثا يعدي

سماعها القلب المحزون

وكيف عمالي تبدي

مما به أغدو مجنون

حسان (منه) :

لا بد من طول الشرح

بما به يبدو المحدود

إن رمت ترقى للصرح

بالعشق والوجد المورود

هيئ فؤادا للجرح

بحد صمصام محدود

وسوف من بعد الصبح

للخلد تغدو في أخدود

أبو عامر :

كفى ما ذكرته أيها الخليل من هذا الشرح الطويل، فإن العشق معلوم عند كل إنسان لا ينتطح بعدم معرفته فذان، وهو يحرك الساكن ويسكن المحرك، ويسبر غوره بالذوق ويدرك، فعرفني تلك الحبيبة وحال الحبيب، وداو قروح فؤادي أيها الطبيب.

حسان :

أبيت إلا التصريح، وأغضيت عن التلويح والتلميح، إن عشق الوزير ابن زيدون جره السمع والنظر بالاتفاق، وهما إلى الآن لم يحصل بينهما تلاق، وتلك الغزالة التي سهام عينيها تبري ولا تشفي هي ملكة المحاسن في الأندلس ولادة بنت المستكفي، وهي أشهر من أن تذكر، ولها أحسن مخبر وأجمل منظر، وقد أوقعت نفسك بعشقها للأخطار، ولسوف تقضي في محبتها دون قضاء الأوطار، وقد عرضت لك بما أطلت من الشرح، أن لا تصعد بأمانيك إلى الصرح، فأصم الهوى سمعك أن يلج ذلك فيه، وعددت ما قلته لك من زخرف التمويه، فها أنا ذاهب لمعاطاة أشغالي أيها الوزير، ودم أنت هنا لأباطيل الأماني نجيا وسمير.

العشق يورد من وافى موارده

من العنا والأسى ما يمنع الصدرا

وربما قد قضى دون المنى أسفا

وليس يقضي بلا مال له وطرا (عروض يا أهيل الحبش):

هكذا قد حكم

في البرايا حكم

حكمه في الأمم

ليس بالمنكر (ويتهيأ للذهاب.)

أبو عامر :

قف قليلا هنا

وأنلني المنى

بعد هذا العنا

والبلا الأكبر

حسان (منه) :

أنت عاني خطر

دون نيل الوطر

فارتقب للقدر

والردى الأحمر (ويذهب.)

الواقعة الخامسة (أبو عامر)

أبو عامر :

لم تخرج عن عادتك بالذهاب بعد أن تغلق دون فتح مطالبي الباب، قد اشتد علي خطب الغرام بعد تلك الخطبة التي أطال بعرضها الكلام، فكيف الحال يكون مع الوزير ابن زيدون والمحبوبة ولادة التي تصيد الصيد، ولدى محاسنها الأحرار من جملة العبيد؟ ولم يفدني تجاهل العارف لذة خطاب، ولم أحصل على ما يبري جواي من سلسبيل جواب، وقد ملأ هوى ابن زيدون فؤادها فلم يبق فيه مكان تفرغ فيه صبابة من صبابة إنسان، فما تكون الحيلة لاستعطاف تلك الجميلة، أرى من الصواب الذي يفتح الباب أن أرسل لها جارتنا العجوز أم رحمة، التي هي أموه من ظلمة، فلعلها تفك طلسم ذلك الكنز برقياها، فتصل النفس من روضة حسنها إلى مشتهاها، ينبغي المبادرة لهذا الأمر، بدون تأخير وكم يسر ناله المرء بعدما حال دونه كل عسر.

الوزير ابن زَيْدون مع وَلَّادة بنت المستكفي · الصفحة ٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الوزير ابن زَيْدون مع وَلَّادة بنت المستكفيص ٧