تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولادة :

كلا ليس لك إلا أقبح رد، ولا يجمعني بك مكان من بعد، فإنك كثير الكلام قليل الحياء، تستعمل زخرف القول بإبهام أنك من الشعراء، سيري بنا فقد أضعنا الزمان مع حيوان، بهيم في صورة إنسان.

أبو عامر :

مهلا يا راحة الأرواح، حتى يطلع الصباح، يا ذات البرد المذهب عودي وأنا أذهب.

الواقعة الثالثة (أبو عامر)

أبو عامر :

هيهات أن تعود! ويثمر لأملك في رياض قربها عود، فلا تغترر برقة خدها المورد، فإن في الياقوت طبع الجلمد.

يا ويح صب يعنيه الهوى أبدا

بمن يجد بقتلي حسنها عبثا

رقيا عزائم سحر القول أبطلها

جفن لها فيه هاروت لقد نفثا

أين صاحبي حسان، فأطلعه على ما كان، وإن كان يستعمل إطالة الشرح ويزيد الفؤاد قرحا على قرح، وقد فهمت من تلك الفتانة أنها تسامر ذكر حبيب، له من سهام محاسن عينيها أوفر نصيب، فهي مشغولة به عن الميل إلى سواه، مشغوفة دون ذكر أحد بذكراه، فمن يكون ذلك الحبيب، الذي أصبح هواه لقلبي أنكى من الرقيب؟ وها حسان مقبل فأسأله عنه، وآخذ حديث أحواله منه.

الواقعة الرابعة (أبو عامر - حسان)

حسان :

عم مساء أيها الوزير الجليل، والكامل الفاضل النبيل.

أبو عامر :

أهلا وسهلا بك أيها الخليل، جئت في وقت يتمنى فيه الطبيب العليل؛ فقد تفاقم خطب ما أطلنا به الخطاب، وأغلق دون فتح أمانينا الباب، وضل العقل في تيه الغرام ولا طريق إلى السلوى، ولم أذق المن لما مر علي من علقم البلوى.

حسان :

ماذا حدث بعد ذلك المقام، مما أضل فؤادك في أودية الغرام؟

أبو عامر :

قد عدت إلى هذا المكان بعدك ثانية، متبعا أثر من لها القلب مملوك والعين جارية؛ فألفيت جواريها تنشد من الأوج ما يطرب العراق، طال ليلي وغرامي لا يطاق، فأخبرتها أني كليم غرامها والذبيح، وسألتها أن تمن علي بما يرتاح إليه فؤادي الجريح، فصرحت بأن ذلك لا يكون، وكلمت قلبي بسيف الجفون فاستعملت بمراجعتها زخرف الكلام، وطفت في حرم احترامها لأفوز من ركن وصلها بالاستلام، فلم أنل منها إلا شدة النفار، وتضحية آمالي بعد رمي الجمار، وسألتها بلسان الضراعة عن اسمها الكريم؛ فاستجهلتني وقالت: من ينكر البدر في الليل البهيم، وكلامها الجامع بتوجيه المراجعة متشابه الأطراف، لم تخرج به عن القول بالموجب في مقابلة استخدام الاستعطاف، وقد استعملت بإشارتها الإبهام عند تحريك الأصابع، بما فهمت منه بالتلميح أن لها حبيبا هواه لفؤادها رائع، ولم ينجح لديها حسن البيان بعد براعة المنزع، واستعمل سيف جفنها مع عدم مراعاة النظر براعة المطلع، فراجعت تعطف أعطافها بانسجام المدامع؛ لم تلتفت إلي ووارت من إشراق محياها تلك المطالع.

حسان :

ما شاء الله لك معرفة بفن البديع، تطلع منه في كلامك أزهار الربيع! فهل عانيت مع ذلك علم المعاني، ووصلت إلى أبيات الوصل بعد الفصل من أبواب تلك المغاني، وقرعت باب الإنشاء للدخول إلى القصر، وفزت عند استعمال الإيجاز والإطناب من أفنان الفنون بالهصر، وعرفت أحوال الإسناد وحصلت من متعلقات الفعل على غاية المراد؟ عجل بتتميم الفائدة واشتغل عن النساء بما يقرى من المائدة.

أبو عامر :

بالله عليك أيها الخليل لا تتعمل العبث عند الجد بفؤادي العليل، واستمع تمام حديثي مع تلك الرعبوبة، والمهاة التي يطلب باز جفونها فؤادي وهي له مطلوبة، فإنها بعد إطالة المجادلة بما لا يقوى عليه الحديد تركت مرسلات دموعي ما عليها مزيد، وخرجت تجر ذوائبها على مران القوام، وخلفتني مسلسلا بسلاسل الوجد والغرام، فعرفني من هي ومن حبيبها، وانشر لدي نوافج أخبار عنها يضوع ولا يضيع طيبها.

حسان :

أعجل لك بفائدة إحدى القضيتين أيها المغبون، إن حبيبها الذي تشبب به هو أبو الوليد الوزير ابن زيدون؛ فتهيأ أيها الأعزل لكفاح من رمحه الأصم، واستعد لنطاحه وإن كنت في الحقيقة أجم.

الوزير ابن زَيْدون مع وَلَّادة بنت المستكفي · الصفحة ٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الوزير ابن زَيْدون مع وَلَّادة بنت المستكفيص ٦