تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

النديم :

الخطب أيها الوزير الجليل وإن كان عظيما إذا نظر إليه بطرف غير كليل، يهون إذا تلقيته بدرع الحجا، وأعددت لدفعه جنة حسن الرجا، وإني أحدثك بحديث يغنيك عن القديم، ويوضح لك طريق الأنس في الليل البهيم، وهو أن ولادة لها بك هوى شغلها عن طيب الوسن، وشرع لها معاطاة كئوس الوله وسن، وكلفها بك غدا لها طبعا بدون تكلف، ولا يرى لعطفها بغير نسيم ذكرك تعطف، حتى إن ناديها الذي هو جامع الأنس وقبلة المتأدبين، وحلبة جياد الأدب بعصابة الشعراء المجلين، لا ترتاح إليه بدون ذكر آدابك، ولا تخطب فيه إلا بإظهار اشتياقها إلى خطابك، وحيث عرفت ولهك بها فسوف أطلعها على حقيقة الحال، وأتلو عليها فصل غرامك للدخول من باب الوصال، وأصنع يدا عندها بسعي القدم، وأفوز بشكرك إذا فزت من نعيم وصلها بالنعم.

أبو الوليد :

أحسنت أيها النديم برفع هذا الخبر، وخففت عني بعض ما أجده من معاناة الفكر، فتمم مشروعك الحسن، ومن على خليلك بإسداء المنن؛ فقد قوي أملي بإدراك المنى، وأنارت ليل رجائي من محياها بأبهى سنا، غير أنه رفع إلي خبر بالابتداء، جر علي بعامل القلق أنواع البلاء، وهو أن الوزير أبا عامر الملقب بالفار، أصبح بحب ولادة عاني القلب مسلوب القرار، وقد طلب منها ما لا تصل إليه مناه، ولا تخيله له الأحلام الباطلة في كراه؛ فقوبل منها بأقبح رد، وكاد سيف ناظرها يقيم عليه الحد، ونفرت منه أشد نفار، وتركته وقد فاض دم قلبه وفار، فهو الآن ينصب لصيد تلك الغزالة شراك الاحتيال، ويفوق لإصابة غرض وصلها نبال الآمال، فلذلك أتأرق حرقا، وأتحرق أرقا.

النديم :

هيهات أن يصل إلى الشمس من تعلق بحبالها، أو تشرق في أفق آماله من طمع بخيالها، وحجا ولادة وهي ذات حزم يمنع أن يخطر في خاطر ذلك الوهم، وحيث ردت رسائل دمعه بالنهر، ومنعت عن يتيم ثغرها بصده يد القهر، فما يرومه منها أمر لا يكون، ودون وروده من محياها ورد حياض المنون، ولا تتوهم أنه يصدق على ولادة وإن كانت من ربات الخدور، ما أنشده بشار بن برد وهو عنه مأثور:

لا يؤيسنك من مخدرة

قول تغلظه وإن جرحا

عسر النساء إلى مياسرة

والصعب يركب بعدما جمحا

أبو الوليد :

نعم إن ولادة أجل من أن تنقاد بخداع، أو تميل بهصر أعطافها يد الأطماع، ولكن ربما كان أبو عامر يريد استعمال العجائز، ليستبيح بطوافها في حرم المنى ما هو لمثله غير جائز، ولا يخفى أن العجوز تؤلف بين الضب والحوت، وتقود الجمل الصعب بخيط العنكبوت، فربما أثر بولادة تشديد عزائم رقياها، فانقادت بحبائل خداعها لإجابة دعواها.

النديم :

علاقة ولادة بك تبطل رقيا سحرها وترد سهام كيدها في نحرها، فلا تدرك أثرا من إصابة العين، ويرجع مسعاها بخفي حنين، فأزل ذلك الجزع من فؤادك فستجري الأمور بمشيئة الله وفق مرادك، وها أنا ذا على عزم المسير إلى ما فيه سرورك أيها الوزير.

الوزير :

الآن سكن روعي والبال، وخف ما أقاسيه من البلبال. (عروض أيها المجاوز بالأسل، حجازا كرك):

أيها النديم لذا الأمر سر بلا توان

وارفع الحديث بما تدري محسن البيان

واردعن ولادة بالجهر منعش الجنان

واشرح الفؤاد مع الصدر رغم من لحان

نديم :

أمرك المطاع بلا مين أيها الوزير

والصباح بان لذي عين مشرقا منير

وانجلى لديك سنا العين والهنا يدير

خمرة السرور بلا عين في حما الأمان (عروض عنق المليج الغالي.)

الوزير :

القلب بالأفكار

لقد غدا يصلى بنار

هل ينطفي أواري

حان الردى مما أداري

نديم :

فسل مراما فيه الهنا

مولى تسامى يدني المنا

وزير نديم :

اسبل لنا أنعاما

يا ربنا حسن الستار

| الفصل الثاني

الواقعة الأولى (ولادة - جواريها - مهجة)

ولادة :

أسامر في ليلي سنا طلعة البدر

لبعدك عن عيني وإن كنت في صدري

هواك له شغل بقلبي شاغل

به ضقت ذرعا وهو - إن حققوا - عذري

الوزير ابن زَيْدون مع وَلَّادة بنت المستكفي · الصفحة ٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الوزير ابن زَيْدون مع وَلَّادة بنت المستكفيص ٤