حسان :
كيف تم لك رؤية الشمس في الأرض، وعرضت نفسك للعناء بما يطول به العرض، ووقعت من أجفان ظبية الأندلس في أشراك، وألقيت فؤادك من غاب أهدابها في براثن كل فتان فتاك، وتركته من وجناتها يصلى بنار تلظى فكان بها الأشقى، ولم تتق بكف النظر مرامي سهام عينيها كما يفعل الأتقى، كيف كان حالك وقد أتلعت نحوك جيد ريم رامه، وما شأن صبرك وقد شهدت شهد مبسمها ولم تذق منه المدامة؟ وأين ذهب لبك وهي ببرد المحاسن تميل، وأنى تكحلت بالكرى وقد أبصرت كحل أجفانها بدون ميل؟ ومن ثبت فؤادك على ما ألقي عليه من وحي العيون وهل بقي لك عقل وأنت مصاب بسهام هاتيك الجفون؟ لله محاسن تلك الأحداق، وتعطف ذلك القوام الذي أقام حرب الهوى على ساق! وتفتح ورود تلك الوجنات الشهية بكف الحياء، ونفحات هاتيك الأنفاس الزكية بما يكبو من عرفه الكباء! ماذا أقول بوصف تلك الغيداء الحوراء اللعساء اللمياء الهيفاء الوطفاء الحسناء؟! وخلاصة ما أقول في نعتها بإجمال الكلام: إن الشمس تشرق من غلالتها ويمتد من سناها بدر التمام.
الوزير :
فصمت عرى اصطباري، وأعدمتني قراري، وأضعت مني الحواس، وأسكرتني بلا كاس، وتركت فرائصي ترتعد ولظى مهجتي تتقد، وجعلت قلبي يخفق كقرط تلك الحسناء البهية، وصيرت حظي أسود كنقطة خالها المسكية، ونبهتني على ما خفي عني من بدائع صفاتها؛ إذ لم أستطع أن أثبت نظري في جنان وجناتها، فمن تلك الرواح الرود، والغادة التي حسنها مشهود، أفصح بالتعريف، وأحسن بيانها بالتلطيف.
حسان :
تلك التي ثلث محياها النيرين، وأبان فرقها ضياء الفرقدين، وسرى النسيم يقض في الرياض المسك من أخلاقها، وفاقت بلقيس على عرش الجمال وإن لم يطمع أحد بكشف ساقها، واستحوذت بقرطيها على ملك الخافقين، وطلعت الشمس والقمر من وجنتيها في المشرقين، مع أدب غض نضير، وطبع تعبر عن لطفه أنفاس العبير؛ وبالجملة لا يرى مثلها على الإطلاق، ولا يطرب الحجاز بغير وصفها في شام ولا عراق.
الوزير :
كفاني ما دار على سمعي من كئوس تلك الأوصاف، وحسبك ما أسلفته من محاسن نعتها التي أسكرتني ولا سكر السلاف، فمن تكون صرح باسمها الكريم، وأنقذ فؤادي بعذب ذكرها من العذاب الأليم.
حسان :
ذكرت أمرا تلذ مني المبادرة إليه بدون توان، فاعذرني عن إطالة الشرح من غير تبيان، وسيظهر الصبح لذي عينين، وتسمع أذناك ما تعض به اليدين، ويرتفع ببنان الإشارة الإبهام، لمن كان ينظر بعين البصيرة والسلام.
الوزير :
رويدك أيها الخليل! أثرت الغليل بقلب عليل.
الواقعة الخامسة (الوزير أبو عامر)
الوزير أبو عامر :
وضع في أحشائي جزل الغضا، وأضرم فيه النيران ومضى، فليتني لم أطلعه على أسراري، وأعرب له عما في طي إضماري، فكيف يكون الخلاص من حبائل القناص مع أني لم أقف على الحقيقة في ذلك المجاز، وحال بيني وبين الدخول إلى حرم التلاقي حجاز، فهل أحد يكشف لي ذلك الأمر، ويوقفني على معرفة من تركت فؤادي على الجمر، الصواب أن أذهب بنفسي لاستطلاع خبرها، والوقوف على تميز الحال باقتصاص عين أثرها، وبعد ذلك يكون إدراك الوطر، وقضاء حاجة النفس بمواتاة القدر، وسأحلق في السعي بدون تقصير، وأبذل وسعي لوقوف عرفات الوصل من غير تأخير.
والله يقضي ما يشا
فأخضع لأحكام القضا
وأضرع إليه مقابلا
أفعال ربك بالرضا
الواقعة السادسة (الوزير أبو الوليد ابن زيدون - ونديمه أبو المحاسن)
أبو الوليد :
عيني إلى الحين قادتني بلمحة من
رمت فؤادي بسهم قد أصاب غرض
ولفتة الجيد تبدي جوهرا عرضت
قلبي على سيف جفن للنفوس عرض (عروض بر ملك نغمه حجاز همايون):
لمحة الطرف بتفريق البال
تيمتني في هوى عيني غزال
ساحة القصر جلته سانحا
يتهادى بين عجب واختيال
يا نظرة أثر سهمها بالفؤاد تركتني أهيم من الغرام في ألف واد، جنتها على القلب العين بلمح محيا الشمس بدون غين، تلك التي أسرت فؤادي وسرت، وجارت علي لما أجرت دموعي وجرت، وليس لي صبر على حلو حديثها الشهي، والنظر إلى طلعة وجهها البهي، ومطارحتها نوادر الآداب ومغازلة عينيها بما يفتح لمحاسن أغزالي الباب، فأشنف آذاني بلآلئ إنشائها وإنشادها، ويتعبد طرفي في زوايا أصداغها إذا أسعفت أشواقي بمرادها، فأنشدها ما يطيب في السمع ويعذب في الأذواق، ويترنم به ركب الحجاز إذا راعت النوى قلوب العشاق ... إن عشق ولادة أيها النديم ليس بقلبي المعنى سواه غريم، فكيف يكون الطريق إلى طروق حماها، ووصول النفس من أنس وصالها إلى مناها، وقد أحدقت بها سمر الرماح، وحفت بخبائها بيض الصفاح، وأذن السمهرية مصغية للسمع وجفن الحسام منتبه لتفريق الجمع، فهل من حيلة تفتح باب النجاح، فأحمد سراها إن رأيت من فرق تلك العقيلة الصباح، أشر علي بما هو الصواب، وسدد بخطابك الجواب.