وإن الصلح بين بكر وتغلب تم برسالتك، والحمالات بين عبس وذبيان أسندت إلى كفالتك، وأن احتيال هرم لعلقمة وعامر حتى رضيا كان ذلك عن إشارتك، وجوابه لعمر وقد سأله عن أيهما كان ينفر وقع عن إرادتك، وأن الحجاج تقلد ولاية العراق بجدك، وقتيبة فتح ما وراء النهر بسعدك، والمهلب أوهى شوكة الأزارقة بيدك وفرق ذات بينهم بكيدك، وأن هرمس أعطى بلينوس ما أخذ منك، وأفلاطون أورد على أرسطاليس ما نقل عنك، وبطليموس سوى الإصطرلاب بتدبيرك وصور الكرة على تقديرك، وبقراط علم العلل والأمراض بلطف حسك، وجالينوس عرف طبائع الحشائش بدقة حدسك، وكلاهما قلدك في العلاج، وسألك عن المزاج، واستوصفك تركيب الأعضاء، واستشارك في الداء والدواء، وأنك نهجت لأبي معشر طريق القضاء، وأظهرت جابر بن حيان على سر الكيمياء، وأعطيت النظام أصلا أدرك به الحقائق، وجعلت للكندي رسما استخرج به الدقائق، وأن صناعة الألحان اختراعك، وتأليف الأوتار والأنقار توليدك وابتداعك، وأن عبد الحميد بن يحيى باري أقلامك، وسهل بن هارون مدون كلامك، وعمرو بن بحر مستمليك، ومالك بن أنس مستفتيك، وأنك الذي أقام البراهين ووضع القوانين وحد الماهية وبين الكيفية والكمية وناظر في الجوهر والعرض وميز الصحة من المرض، وفك المعمى وفصل بين الاسم والمسمى، وصرف وقسم وعدل وقوم وصنف الأسماء والأفعال، وبوب الظرف والحال، وبنى وأعرب، ونفى وتعجب، ووصل وقطع، وثنى وجمع، وأظهر وأضمر، واستفهم وأخبر، وأهمل وقيد، وأرسل وأسند، وبحث ونظر، وتصفح الأديان، ورجح بين مذهبي ماني وغيلان، وأشار بذبح الجعد وقتل بشار بن برد، وأنك لو شئت خرقت العادات، وخالفت المعهودات، فأحلت البحار عذبة، وأعدت السلام رطبة، ونقلت غدا فصار أمسا، وزدت في العناصر فكانت خمسا، وأنك المقول فيه: كل الصيد في جوف الفرا.
وليس على الله بمستنكر
أن يجمع العالم في واحد
والمعني بقول أبي تمام:
فلو صورت نفسك لم تزدها
على ما فيك من شرف الطباع
والمراد بقول أبي الطيب:
ذكر الأنام لنا فكان قصيدة
كنت البديع الفرد من أبياتها
فكدمت في غير مكدم، واستسمنت ذا ورم، ونفخت في غير ضرم، ولم تجد لريح مهزا ولا لشفرة محزا، بل رضيت من الغنيمة بالإياب وتمنيت الرجوع بخفي حنين؛ لأني قلت: لقد هان من بالت عليه الثعالب، وأنشدت:
على أنها الأيام قد صرن كلها
عجائب حتى ليس فيها عجائب
ونخرت وبسرت وعبست فكفرت، وابتدأت وأعدت وأبرقت وأرعدت، وهممت ولم أفعل، وكدت وليتني، ولولا أن للجوار ذمة وللضيافة حرمة لكان الجواب في قذال الدمستق، والنعل حاضرة إن عادت العقرب، والعقوبة ممكنة إن أصر المذنب، وهبها لم تلاحظك بعين كليلة عن عيوبك، ملؤها حبيبها، حسن فيها من تود، وكانت إنما حلتك بحلاك ووسمتك بسيماك ولم تعرك شهادة، ولا تكلفت لك زيادة بل صدقت سن بكرها فيما ذكرته عنك، ووضعت الهناء مواضع النقب بما نسبته إليك، ولم تكن كاذبة فيما أثنت به عليك، فالمعيدي تسمع به خير من أن تراه، هجين القذال أرعن السبال، طويل العنق والعلاوة، مفرط الحمق والغباوة، جافي الطبع سيئ الجابة والسمع، بغيض الهيئة، سخيف الذهاب والجيئة، ظاهر الوسواس منتن الأنفاس، كثير المعايب مشهور المثالب، كلامك تمتمة وحديثك غمغمة، وبيانك فهفهة وضحكك قهقهة، ومشيك هرولة، وغناك مسألة، ودينك زندقة، وعلمك مخرقة.
مساو لو قسمن على الغواني
لما أمهرن إلا بالطلاق
حتى إن باقلا موصوف بالبلاغة إذا قرن بك، وهبنقة مستوجب لاسم العقل إذا أضيف إليك، وطويسا مأثور عنه يمن الطائر إذا قيس عليك، فوجودك عدم، والاغتباط بك ندم، والخيبة منك ظفر، والجنة معك سقر، كيف رأيت لؤمك لكرمي كفاء، وضعتك لشرفي وفاء؟ وأنى جهلت أن الأشياء إنما تنجذب إلى أشكالها، والطير إنما تقع على آلافها؟ وهلا علمت أن الشرق والغرب لا يجتمعان، وشعرت أن المؤمن والكافر لا يتقاربان، وقلت: الخبيث والطيب لا يستويان، وتمثلت: