تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أيها المنكح الثريا سهيلا

عمرك الله كيف يلتقيان؟!

وذكرت أني علق لا يباع ممن زاد، وطائر لا يصيده من أراد، وغرض لا يصيبه إلا من أجاد، ما أحسبك إلا كنت قد تهيئت للتهنية، وترشحت للترفية، لولا أن جرح العجماء جبار للقيت من الكواعب ما لاقى يسار، فما هم إلا ببعض ما به هممت، ولا تعرض إلا لأيسر ما له تعرضت، أما ثاب إليك قول الشاعر:

بنو دارم أكفاؤهم آل مسمع

وتنكح في أكفائها الحبطات

وهلا عشيت ولم تغتر وما أشك أنك تكون وافد البراجم، أو ترجع بصحيفة المتلمس أو أفعل بك ما فعل عقيل بن علفة بالجهني إذ جاءه خاطبا فدهن استه بزيت وقربه من قرية النمل، ومتى كثر تلاقينا واتصل ترائينا، فيدعوني إليك ما دعا ابنة الخس إلى عبدها من طول السواد وقرب الوساد؟ وهل فقدت الأراقم فأنكح في جنب؟ أو عضلني همام بن مرة فأقول: زوج من عود خير من قعود؟ ولعمري، لو بلغت هذا المبلغ لارتفعت عن هذه الحطة، ولا رضيت بهذه الخطة؛ فالنار ولا العار، والمنية ولا الدنية، والحرة تجوع ولا تأكل بثدييها.

فكيف وفي أبناء قومي منكح

وفتيان هزان الطوال الغرانقة؟

ما كنت لأتخطى المسك إلى الرماد، ولا أمتطي الثور بعد الجواد، فإنما يتيمم من لم يجد ماء، ويرعى الهشيم من عدم الجميم، ويركب الصعب من لا ذلول له، ولعلك إنما غرك من علمت صبوتي إليه، وشهدت مساعفتي له من أقمار العصر وريحان المصر الذين هم الكواكب علو همم والرياض طيب شيم.

من تلق منهم تقل: لاقيت سيدهم

مثل النجوم التي يسري بها الساري

حن قدح ليس منها، ما أنت وهم؟ وأنى تقع منهم؟ وهل أنت إلا واو عمرو فيهم؟ وكالوشيظة في العظم بينهم؟ وإن كنت إنما بلغت قعر تابوتك، وتجافيت عن بعض قوتك، وعطرت أردانك، وجررت هميانك، واختلت في مشيتك، وحذفت فضول لحيتك، وأصلحت شاربك، ومططت حاجبك، ورققت خط عذارك، واستأنفت عقد إزارك؛ رجاء الاكتنان فيهم وطمعا في الاعتداد منهم، فظننت عجزا وأخطأت استك الحفرة، والله، لو كساك محرق البردين، وحلتك مارية بالقرطين وقلدك عمرو الصمصامة، وحملك الحارث على النعامة ما شككت فيك ولا سترت أباك ولا كنت إلا ذاك، وهبك ساميتهم في ذروة المجد والحسب، وجاريتهم في غاية الظرف والأدب، ألست تأوي إلى بيت قعيدته لكاع؛ إذ كلهم عزب خالي الذراع، وأين من انفرد به ممن لا غلب إلا على الأقل الأخس منه، وكم بين من يعتمدني بالقوة الظاهرة والشهوة الوافرة والنفس المصروفة إلي واللذة الموقوفة علي، وبين آخر قد نضب غديره ونزحت بيره، وذهب نشاطه ولم يبق إلا ضراطه، وهل يجتمع لي فيك إلا الحشف وسوء الكيلة، ويقترن علي بك إلا الغدة والموت في بيت سلولية.

تعالى الله يا سلم بن عمرو

أذل الحرص أعناق الرجال

ما كان أخلقك بأن تقدر بذرعك، وتربع بذلك على ظلعك، ولا تكن براقش الدالة على أهلها، وعنز السوء المستثيرة لحتفها، فما أراك إلا سقط بك العشاء على سرحان، وبك لا بظبي أعفر أعذرت أن أغنيت شيا، وأسمعت لو ناديت حيا «إن العصا قرعت لذي الحلم، والشيء تحقره وقد ينمي» وإن بادرت بالندامة ورجعت على نفسك بالملامة؛ كنت قد اشتريت العافية لك بالعافية منك، وإن قلت: جعجعة ولا طحن، ورب صلف تحت الراعدة، وأنشدت:

لا يؤيسنك من مخدرة

قول تغلظه وإن جرحا

فعدت لما نهيت عنه، وراجعت ما استعفيت منه، بعثت من يزعجك إلى الخضراء دفعا ويستحثك نحوها وكزا وصفعا، فإذا صرت إليها عبث أكاروها بك، وتسلط نواطيرها عليك، فمن قرعة معوجة تقوم في قفاك، ومن فجلة منتنة يرمى بها تحت خصاك؛ ذلك بما قدمت يداك لتذوق وبال أمرك وترى ميزان قدرك.

فمن جهلت نفسه قدره

رأى غيره منه ما لا يرى

الوزير ابن زَيْدون مع وَلَّادة بنت المستكفي · الصفحة ٢٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الوزير ابن زَيْدون مع وَلَّادة بنت المستكفيص ٢٣