تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

نديم :

أرى أن وجودي هنا جملة معترضة لغير فائدة، ولا يليق بالذي خف طبعه أن يثقل على المحبين عند صلة عائده، فألتمس الإذن بالذهاب، وإن كان ليس دوني في حضرة سيدي حجاب.

مهجة :

وأنا كذلك لا حاجة إلى وجودي هنا، وربما كان عائقا عن إدراك المنى، ولا يحسن وجود ثالث عند اجتماع المحبين، وهذا المعنى بديهي التصديق برأي العين، فعين واحدة تمنع لذة الاجتماع فكيف بنظر عيون وإصغاء أسماع؟ فسر أمامي يا أبا المحاسن ليبقى معين اللقا بينهما غير آسن.

وزير :

لا يبرح منكما أحد من مكانه، ولا يتصور شيئا غير ما رأته العين في جنانه، فلا يكون مني في مقابلة هذا الوجه الجميل إلا ما كان عند اجتماع بثينة وجميل، وإني أجل هذا الجمال أن يوصف بشين وهو لأوجه المحاسن برأي العين أجمل زين، ووجودكما شاهدين على ما يكون، يمنع حسن لقائنا أن تسيء به الظنون، فإذن كونا براحة أفكار، أن يكون لنا وراء ما رأيتماه وسمعتماه أوطار.

ولادة :

ما كان ظني بك يا مهجة أن يقع في فكرك ما ظنه أبو المحاسن أو تتخيلي ما يدع ماء جمالي بدنس الشين شراسن، وقد علمت حقيقة حالي ومنتهى قصدي وآمالي، وأن ما يجنه جناني من العفاف بدون مين، لا يزيله ما فاه به لسان الإنشاد ذينك البيتين، ولا أجتمع دون ثالث مع أحد، ولا يمد إلي بريبة ضمير يد، وأمر ما يكون بين النسا والرجال قد قطعت منه جميع الآمال، وأرى الحب به يدركه الفساد كما يشوه بقبحه محاسن الوداد، خلافا لما قاله أبو العبر، وكان فيه لمتأمليه العبر، وغاية ما في الباب من محاضرت الرجال مطارحة نوادر الأدب بما لا يحول بيني وبين الحلال، وشكوى أيام النوى، وبث أخبار الوجد والجوى، وإدارة راحة الأنس بأحاديث العشاق، وهيهات أن يطمع أحد - وإن قامت الحرب - بكشف الساق، فابقيا علينا في هذا المكان شاهدين وإن كان ثم أعظم شاهد لا تراه العين.

نديم :

اقبلي أيتها السيدة عثرة لساني، وإن كان لم يذعن لتصديقها جناني، وإن ضميري صحيح الاعتقاد أن لا يدرك هذا الجمال انتقاص ولا انتقاد، وإني قصدت بذهابي التخفيف وليس لنحو أفكاري فيما وراء ذلك تصريف.

مهجة :

وهكذا أنا يا راحة الأرواح، لا يخطر في خاطري أن تكتسبي ما فيه جناح، وها نحن في هذه الحضرة نمتع النواظر والأسماع بما يحلي أجياد اللطائف بعقود الإبداع، فخذا في حديثكما الأول، فلا ألطف منه ولا أحلى ولا أجمل! ولا تهملا في موضوعه حديث أبي عامر، ذاك الذي خرب بيت أنسه فهو غامر.

وزير :

ذكرتني يا مهجة ما شغل أفكاري زمانا، وجرعني معاناة القلق ألوانا، لكن صفا خاطر ولادة من كدر الخيانة، وانعقاد ضميرها على حفظ الأمانة أراحني من عنا الأفكار، وأزال ما كان يخطر في فكري من تسلط الفار، وقد بلغني أيتها السيدة حديثه معك من المطلع إلى المقطع، وسمعت خبر ردك له بما حلا وقعه في كل مسمع، وأدركت ما فاهت به تلك العجوز مما لا يدخل في سمع ولا يجوز، وقد أنشأت بسبب ذلك رسالة بديعة المقاصد، حللت بها بدائع أبيات من الشعر حلت أجياد القصائد، وجعلتها على لسانك جوابا لخطبته، ولما تجرأ عليه مما هو فوق رتبته، وقد بلغني أنها أخرسته بنطقها أن يفوه لك بذكر، أو يخلد أن يناجي خلده لوصلك بفكر، والنعل حاضرة إن عادت العقرب إلى الدبيب، وهيهات أن يكون لمثله في غرض هذه المحاسن سهم مصيب!

ولادة :

لا فض الله فاك أيها الوزير على إنشاء تلك الرسالة! وما أظهرته في كفاح ذلك المعتدي من البسالة، والحمد لله على تصديق برائتي لديك من الميل إليه، أو تعويلي بمقدار ذرة من المحبة التي خطبها عليه، فلا عاش من يصل حبل رجائه، ويفي إلى ظل وفائه.

وزير :

قد كفى ما أوردناه من ذكر ذلك الخاسئ الخاسر، فهاتي ما ترتاح إليه الأرواح وتستريح الخواطر؛ فإني لحديثك الحلو مشتاق، لا تنقضي مني إليه - وإن طال - أشواق، وعباراتك الشهية راحة آداب المحاضرة، وألفاظك الدرية زينة الدنيا وبهجة الآخرة.

الوزير ابن زَيْدون مع وَلَّادة بنت المستكفي · الصفحة ٢٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الوزير ابن زَيْدون مع وَلَّادة بنت المستكفيص ٢٠