تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولادة :

يا حبذا ذاك القران في حرم الصفا! إذا رمينا جمرات الهم بعد عرفات الوفا، وتمتعنا بلذة النظر بلا فسوق وعصيان، وجنينا ثمار الأدب في روض اللطائف من أفنان الافتنان، غير أن الأفكار تنازعني بأن يكون نمى إلى أبي الوليد، حديث خطبة العجوز لأبي عامر الكنود المريد، ويكون الراوي حرف الكلم عن مواضعه فوضع في سمعه خلاف ما حمل إلى مسامعه، فإن كان ذاك فقد ذهب العمر سدى، ورجعت بدون أن أجد على النار هدى.

مهجة :

لا أظن أن اعتقاد أبي الوليد بحسن طويتك، وصفا سريرتك في حبه وخلوص نيتك، يخامر أقل ريب بوهم شيطان يرجم بالغيب، وهذا أبو المحاسن يخطر في مشيته، ويباعد بالتقريب عند نقل خطوته، فلعله يريد القرب ورسول الحب.

الواقعة السادسة (الحاضرات - نديم)

نديم :

لك الهنا قد دنا غرس المنى ووفا

لك الزمان بإسعاف وإسعاد

أبو الوليد ابن زيدون على أثر

آت ليحظى بمجلى وجهك النادي

ولادة :

دامت مساعيك بالبشرى ولا برحت

آثار سعيك تحيي مهجة الصادي

وفيت كل الوفا فاسعد بطيب ثنا

مني يجود بريا طيبه الجادي

نديم :

إني بعدما نقلت خطاي من حضرتك الكريمة، وقد وعدتك أن أصنع يدا عندك بجميل الوفا وسيمه، ووافيت حضرة الوزير أبي الوليد، وأبديت لديه حديث الوعد دون الوعيد؛ فوجدته حريصا على زيارتك ومصغيا بالتدبير لمعاني عبارتك، وقد تهيأ للحضور إلى هذا المكان، وقريبا إن شاء الله يفرح الجنان، وقد نمى إليه خبر العجوز التي أرسلها أبو عامر لخطبة وصالك، واستثمار غرس آماله من رياض جمالك، وعلم إخفاق سعيها بردك الشديد، وسد باب مطالبها بسور من حديد؛ فاشتغل بإنشاء رسالة صكت وجهه وصفعت قفاه ومنعته أن يخطر له بخاطر ما كان به فاه، وبهذا السبب تأخر بعض التأخير، وهو الآن لأجل الحضور إلى هنا على قدم المسير.

ولادة :

شكرا لله أيها النديم صنعك، ولا فرق من وصل الأحبة جمعك، والحمد لله على نقل حديثي مع العجوز كما هو مسطور، ولم يحدث بحمله ما يحول موضوعه بيني وبين السرور، وقد أحسن أبو الوليد صنعه مع ذلك الفاجر الذي لبس برد الصغار من خطبتي، وما زال باستعمال الحيل يكابر، فالآن قطعت آماله وساءت أقواله وأفعاله، ولا تصنع عندي بشدة كراهته بدون مراء؛ لأن الحب في القلب والقلوب بيد الله يقلبها كيف يشاء، وقد خاطبته بذلك من أول الأمر، فلم يرعوي وبقي يتجرع دون حلو القرب مر الصبر ، حتى كان ما كان وذاق الهوان.

نديم :

ذاك قدر بأمر القضا سجل عليه الذل والشقا، فما عليك أيتها السيدة بذلك عار، وإن قيل تجرأ على خطبة الشمس الفار، وهذا أبو الوليد قد حضر، وقد أسعفك بقربه القدر.

الواقعة السابعة (الحاضرون - ابن زيدون - غلام 3)

ابن زيدون :

أقدم إخلاص الضراعة والثنا

لمن من إسعافا ولطفا بقربنا

وجاد على طرفي بمرآك بعدما

عدا كيد خطب بالأسى راع سربنا

ولادة :

وإني أجيد الشكر للمالك الذي

علينا قضى بعد المساءة بالهنا

وأهلا وسهلا بالحبيب الذي خطا

لوصلي على هام الأسنة والقنا

هات أيها السيد الكريم حديث الأشواق، وما جرت به عند صلة القرب عوائد العشاق، فقد طالت بيننا شقة البين، وقرح أثر البكا بماجرى محاجر العين، فكيف عهدك بإنشاد بيتي المعالي والقبلة؛ ذينك الذين غرسا في فؤاد كل منا حب الحب وأنبتا سنبله، فالآن نجني بيد السرور ذلك الغرس، وينجلي محيا القمر بإشراق عين الشمس.

وزير :

حديث الأشواق أيتها السيدة طويل الشرح، وهو بقدح الزناد العفاف بري من القدح، وبعد رؤيتي هذا المحيا الحسن، لا يحسن إلا ذكر المنح دون المحن وإن راعتنا بالأهواء أهوال ووقعنا من الأحوال في أوحال، وعهدي بإنشاد ذينك البيتين حديث وإن أدرت بهما القديم، ولا يزال بسمعي عذب نعيمهما وإن حدث بعد ذلك عذاب أليم، وفؤاد كل منا بما في ضمير الآخر أعرف، وشرط العارف بعد تعريف ذاك النشر لا يعرف.

الوزير ابن زَيْدون مع وَلَّادة بنت المستكفي · الصفحة ١٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الوزير ابن زَيْدون مع وَلَّادة بنت المستكفيص ١٩