تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

مهجة :

إني آمنة عليك من رقيا سحرها، وحريصة على حفظك من كيد شرها.

عجوز :

نصحتك مهجة بإخلاص نية، وأحسنت إليك بصفاء الطوية فامتثلي إشارتها بموصول الكلام، واسمعي ما أقوله ولا تعارضيني قبل التمام.

ولادة :

إن كان لا بد من ذلك فلا تتجاوزي الحد، واعلمي أنني قاصرة الطرف أن تمد مني نحو محاسن الرجال يد، وإن كنت أحاضر الأدباء وأطارح الشعراء فغرضي لديهم اكتساب الأدب، وليس لي في ما وراء ذلك أرب.

العجوز :

أجبتني قبل السؤال، وقطعت قبل وصل الرجاء الآمال ... أمرك أيتها الواضحة الجبين، لست أميل عما قلت أو أمين.

ولادة :

إذن؛ هات ما عندك من النصح، قبل أن يسفر الصبح.

عجوز :

إن جمالك الغض باهر، ومحاسن محياك لم يشعر بمعانيها شاعر.

ولادة :

ما قلت حقيق، وهو بديهي التصديق.

عجوز :

نعم، ووجنتك الوردية شوكة جناها على القلوب قوية، وثناياك اللؤلئية شائقة شهية، وقوامك غصن البان، ثماره الجلنار والرمان.

ولادة :

ما قلت محقق برأي العين، لا نزاع فيه بين اثنين.

العجوز :

نعم، وإذا قيس فرعك بالليل ففرقه كالصبح واضح، وغمز جفنك إذا حكاه السيف فالقول فيه شارح.

ولادة :

فهت بما العلم فيه يقين، لا مجال فيه للظن والتخمين.

عجوز :

نعم، وكل شيء لك تم معناه، ودنا لمستحقيه جناه، والثمر متى أدرك وجب أن يجنى، وإلا أدركه الذبول لمن أمعن النظر في المعنى، فهل لك أيتها الشمس المضية أن تدركي نتيجة القضية.

ولادة :

عادت إلى نفثاتها السمية، ورقياها السحرية ... أخذت مني الجواب قبل هذا الخطاب.

العجوز :

نعم، وإني لك خاطبة من قبل أكمل فاضل، ومولى تقف في بابه لنيل الفواضل الأفاضل، وهو ألمعي أريب، وزكي أديب، له المقام الجليل، والقدر النبيل، والوجه الجميل، والمجد الأثيل، نسيج وحده، وعريق أصله وجده، تتهافت زليخا وبوران وشيرين على وصله، وتتمنى المتجردة أن تلتحف برداء فضله، وقد رددت رجاءه لما خطب منك الوصال، حين إنشاد بيتي القبلة والمعال، قبل أن تقفي على حقيقة أمره، وإيضاح معاني سره.

ولادة :

لعله الوزير أبو عامر الموسوم بالفار، ذاك الذي عري من كل فضل وتردى برداء العار، فإن كان ذاك؛ فيا ضيعة تلك الأوصاف التي فهت بها بدون إنصاف! كيف يستحق ذلك الفدم الثقيل أن يوصف بحسن أو ينعت بالجميل؟

العجوز :

نعم، هو الوزير أبو عامر، ذاك الذي منزل الفضائل به عامر، فقابلي غرامه بالرقة واللين، ولا تنهري سائل دمعه المسكين، وهو لك خير كفو وسمير، وهل يكون كفو الشمس إلا البدر المنير.

ولادة :

قد أخذت مني الجواب بما يتعلق بعموم الرجال، وفهمت ما أجبتك به في ابتداء السؤال، وخذي الآن الجواب بخصوص صاحبك المذكور، الذي حديث لؤمه مأثور ومشهور، وهو أني لا أرغب أن يكون لي من أقل العبيد، فضلا عن إجابة إرادته بما هو من نيله أبعد بعيد، ويكفيني شينا ما يلحقني من العار إذا قيل بين الناس: لحس الإناء الفار، فألقميه حجرا أن يفوه بذكري عند أحد، أو أن يعود لطلب ما لا يمكن أن تمتد إليه منه يد، وإني كنت أنزل بك الوبال، وأذيقك النكال لولا احترام الرسول الذي ينقل حديث مرسله بما يقول، فاذهبي من أمامي أيتها الداهية، واهوي بسوء فعلك إلى الهاوية، وكوني لصاحبك قواده، واستعملي الحيل المطلوبة عند غير ولادة، وأنتن نبن عني بصدها وزيادة ردها.

الجواري (عروض شادن صاد قلوب الأمم من العجم) :

إن قلبي دونه في شغل

وفؤادي في كمد

فاقطعي عنك دواعي الأمل

أن يراني للأبد

عجوز :

ارحمي لطفا محبا قد بلي

بهواك ذا نكد

جواري :

قد كفى ما قلت ذات الحيل

ورقاك في العقد

هل ترى الشمس لفار تنجلي

وهي في برج الأسد

عجوز :

دور

قابلي قولي برفق وارحمي

دمع صب لك جار

جواري :

اذهبي عني لقد فار دمي

لا ينال الشمس فار

كيف أعرى من معالي هممي

عند لبسي برد عار

عجوز :

خاب قصدي مع سعي القدم

الوزير ابن زَيْدون مع وَلَّادة بنت المستكفي · الصفحة ١٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الوزير ابن زَيْدون مع وَلَّادة بنت المستكفيص ١٦