تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولادة :

خففت عني بعض ما أجد أيها النديم، وأرحت فؤادي من معاناة العذاب الأليم، حيث وصل الحبيب إلى بر الأمان، ونجا مما نصبه له العدا من شرك العدوان، وإن عروة ودي له لا تحل بيد سلوى، ولا يأنس ضميري بخاطر إذا لم يكن له به بنجوى، ولعل ساعد الأماني يساعد بجمع الشمل، فيدرج همزة القطع لبعدنا بضرورة الوصل، وإلا فاتصال أسرار الضمائر، وصفا القلوب والسرائر، وإعمال حركة الفكر بمناجاة الذكر يعلل فؤادي العليل، ويطفي بعض ما أجد من حر الغليل. (لحن عروض أيها المجاوز بالأسل بياتي):

أيها النديم صفا سري في هوى الحبيب

واحتوى سناه حما صدري؛ فهو لا يغيب

والحشا حواه فهل يدري حالي العجيب

والهوى يديم به أسري سائر الزمان

نديم :

ها أنا أسير لتدبيري باللقا سرور

أشرح الحديث بتقريري واضح الظهور

والهنا يطيب بتبشيري، والصفا يدور

والمنى يكون بتقديري في سما الآمان

وها أنا ذاهب أيتها السيدة الجليلة، لأصنع يدا لديك على قبح الزمان جميلة، فألتمس منك الأذن بالذهاب، وسيكون بمشيئة الله - تعالى - فوق ما ترومين الإياب.

ولادة :

سر محفوظا بعين العناية، مشكور المساعي في البداية والنهاية.

الواقعة الثالثة (ولادة - جواريها - مهجة)

ولادة :

أحمد الله على تخفيف بعض ما أعاني، وراحة أفكاري مما كان يجنه من الهموم جناني، وحيث نجا الوزير من توقع ذلك الخطر، وأسفعه القضا في إشبيلية بمواتاة القدر، فسوف يقضى بمشيئة الله - تعالى - اجتماعنا بالأشباح، وإن كنا دائما في اجتماع بتلاقي الأرواح.

الواقعة الرابعة (الحاضرات - امرأة عجوز)

العجوز :

مساء السيدة الجليلة سعيد، وقتيل عشقها وإن ألقى بيده إلى التهلكة شهيد، وخاطب وصلها نال فوق ما يتصوره الخاطر، إذا كان وزير جليلا كالوزير أبي عامر.

ولادة :

ومساؤك كما قلت أيتها العجوز الشوهاء، التي هي كثيرة الفضول قليلة الحياء، تجاوزت حد أداء التحية، وخرجت بدون مناسبة من قضية إلى قضية، وأكثرت من القول قبل الاستئناس، وتلبست بشر الوساوس الخناس، وكان الأولى بك أن تقتصري على الفقرة الأولى، ولا تبدي بلا فضل فوق الحاجة فضولا.

العجوز :

أرجوك السماح عما فهت به من الفضول، فإنه جرى على لساني لما شاهدت هذا الجمال الذي تعقل به العقول؛ فكان الكلام يجري على لساني بدون اختيار، فهو كما ترين من حركات أعضاي بالاضطرار، وإني لك أيتها السيدة رسول من عند من يسبق فعله بالمكارم ما يقول.

ولادة :

رجعت إلى ما ابتدأت به الكلام مما يعود عليك بالملام، فدعي وأنت جاثية زخرف المقال، فليست ولادة ممن يعلق بحبائل الاحتيال.

العجوز :

قطعت علي كلامي قبل أن أجيء لمبتدئه بخبر، وما علمت أن الذي يخطب الشمس يشرق من محياه القمر.

ولادة :

حسبك أيتها العجوز أن تذكري لدي ما لا يجوز، أين الشمس من القمر وهي في السماء الرابعة؟ وليس لسناه إشراق إذا تجلت طالعة، وهو يستمد النور من طلعة محياها، وهي متقدمة عليه وإن تلاها في دجاه بضحاها، فأهملي ذكر مرسلك لدي، ولا تضعي أحاديث الزور بين يدي؛ فإني لا أتصور تصديق رسالتك، ولا أتدبر بعين الفكر مباحث مقالتك.

العجوز :

كسرت قلبي أيتها السيدة بكلامك، وما تعديت بكلامي واجبات احترامك، وما عليك أن تسمعي ما أقول وإن لم تقبلي على تصديقه بالقبول، وإن اعتراض المتكلم قبل إتمام الكلام لا يليق بأدب المناظرة عند الجهابذة الأعلام، وقد أتيت إليك ناصحة، ولصدرك بآيات السرور شارحة، فتفضلي باستماع كلامي ولا تعجلي قبل استيفائه بملامي.

مهجة :

قد أنصفت بما قالت، وما تعدت عليك واستطالت، وما ضرك أن تسمعي ما تبديه، وتتدبري ما تقوله بدون تمويه، فتختاري منه ما يحلو دون ما يمر، وتدعي ما يسوء وتأخذي ما يسر.

ولادة :

إن للعجائز رقى تبطل كيد السحر؛ فأخاف أن تؤثر بي رقياها فيضيع السر.

الوزير ابن زَيْدون مع وَلَّادة بنت المستكفي · الصفحة ١٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الوزير ابن زَيْدون مع وَلَّادة بنت المستكفيص ١٥