| الفصل الخامس
الواقعة الأولى (ولادة - مهجة - الجواري)
ولادة :
إلام ألقى بأحكام النوى ترحا
ولا أرى بدلا يوما له فرحا
وأشتكي والصدى مما أحاوله
أرى جوابا إذا ناديت من سنحا
يا غائبا حضرت من بعده محن
نفت من الأنس في نادي المنى منحا
خلفت ولادة ثكلى الفؤادي لها
وجد أقام ودمع بالجوى ترحا
وورد وجنتها الزاكي استحال بما
بها ألم بهارا للجوى فضحا
وثغرها مر فيه الشهد بعدك من
صبر على حسن أيام مضت قبحا
فدم على الود واحفظ عهد من حفظت
لك العهود وإن ضاعت بما نضحا
لعل دهرا علينا بالفراق قضى
يلقى القضا بتلافينا إذا سمحا
فأعن على لسان الفؤاد بإعراب ألحان الإنشاد.
الجواري (عروض أخا الأنس عج بي) :
دور
إلى كم أنادي وما لي مجيب
ويذكو فؤادي، بحر اللهيب
وقدح الزناد، لبعد الحبيب
غدا في فؤادي وحالي العجيب
زاد شوقي فوق طوقي
بعد ذاك البين
فاعذروني وارحموني
حان حين الحين
ملئت النواحي بفرط النواح
وما القلب صاحي لمن كان صاح
وخاب اقتراحي صفا وقت راح
وعني صباحي نأي بالصباح
أين بدري، راح يسري
بالتجلي أين
هل يعاني ما أعاني
بالعنا والأين
ولادة :
يا مهجتي عيل اصطباري، واضطربت أفكاري، واستحوذ على فؤادي الياس وأصبح صدري في وسواس، وقد استحالت صبغة وجنتي الوردية بلون البهار، وحالت طلعة وجهي القمرية وكانت دونها شمس النهار، فيا ليت شعري أين أبو الوليد الآن؟ وماذا جرى عليه من الحدثان؟ آه! ما يكون العمل وقد كلح في عيني وجه الأمل؟ والقلب جريح، والجسم طليح، والدمع بعدل الغرام لبعد جيرتي جار، وركن الرجا بما فاض من نهره أنهار.
مهجه :
يا روحي ما هذا القلق الشديد؟ والجزع الذي يبيد، تصبري وإن لم يحل صبر، وكلي الحكم لمالك الأمر؛ فلا يدوم للدهر حال، ولا يبقى بدون أن يمر له حال، فالترح كالفرح بلا مين، وكل منهما عرض لا يبقي زمانين، والعسر واليسر ضدان لا بد أن يتصف بهما الإنسان، فتسلي بمذاكرة بدائع الأدب، ومطارحة نوادر العرب، وإنشاد رقائق الأشعار، واستماع أعراب الألحان من نغمات الأوتار، واحفظي بذلك ما بقي من صحتك، وأطفئي ببرد التسلي لهب حرقتك وإلا وردت الحين وصرت أثرا بعد عين.
ولادة :
إن ولهي بأبي الوليد حال دون كل مطلوب، وشغل أفكاري بما يمر عليها لم يحل به في عيني محبوب، فلا تكلفيني ما هو فوق طوقي، ولا تحمليني ما ينافي موضوع شوقي، أشعر بقادم يتأنى بمشيته، ويهمس بنقل خطوته، فلعله نديم أبي الوليد جاء يبدي لنا خبره ويعيد.
مهجة :
هو ذاك جاء يخاطر في هذا الدجا، فإن شاء الله - تعالى - تلقي بحضوره فرجا.
الواقعة الثانية (الحاضرات - أبو المحاسن)
نديم :
أحترم حضرة السيدة الجليلة المقام، بخضوع وثناء وسلام.
ولادة :
وعليك السلام وبكل احترام من فؤاد ذاب وجدا وهيام، أفدني خبر أبي الوليد بالتفصيل، واشف من فؤادي ببرد حديثك الغليل.
النديم :
إن خبر أبي الوليد غريب، وشرح حديثه عجيب، فقد مرت عليه أهوال، وحالت دون آماله أحوال؛ وذلك أنه بعدما انفصل من هذا المكان وقد غلب التوله على فؤاده وران، وطمس أمام عينه المذهب، ولا يدري أين يذهب، لقيه عدة من أعوان السلطان الذين انتشروا للبحث عليه في كل مكان، فقبضوا عليه وبسطوا يد العدوان لديه، ثم أودعوه في السجن بأمر سلطانهم، وضيقوا عليه الحرس فوق إمكانهم، ووضعوا في ساقه الأدهم بعد الأشهب، وحملوه على خطة خسف، وتركوه بها يعذب، فبقي يتعلل بذكراك في عامة أوقاته، ويجلو كئوس الغرام بمحاسن وصفك في جلواته، وهو مشفق على فؤادك بعد ذلك الموقف، ومتحرق على ما جرى من تلك الأهوال ومتأسف.
وما زال كذلك تحول دون مطالبه المهالك حتى حضرت لديه، وتمثلت بين يديه، وأعنته على الفرار، والخروج من ذلك السرار، وحسنت له الذهاب إلى إشبيلية مقر المعتضد عباد، حيث ينجو من ذلك الأسر الشديد ومعاناة غلاظ شداد، وبعدما استعملت شيئا سقط به الحرس، فك قيوده وخرج مع البازي برداء الغلس، وقد فاز بحضرة ذلك الملك الكريم، وتقلد وزارة دولته بكل تعظيم، وهو الآن يخطر بلباس الإجلال، ويجيب النداء بتوقيع الندى لفريق الآمال. إلا أنه مع ذلك فاتر النشاط يعاني حر الأوار ، ولا يستطيب برد الصفا بمعاقرة العقار؛ إذ كان اشتغال فؤاده بهواك حال دون راحته بتعب الفكر، فلذلك لا يفتر لسانه مع تلك الحرق لك من ذكر، وقد أرسلني إليك لاستدامة ودادك، واستمطار سقيا عهده بصوب عهادك، وأنه لا يحول عن وجده بك ولو بعد حين، ولا يتغير حبه وإن غير النأي المحبين.