دور
كم أنادي، وفؤادي
بالجوى، مكمد
وغرامي، بازدياد
والحشا، يوقد
دور
ولمن أهوى ودادي
لم يكن ينقد
وله بعد البعاد
بالأسى مفرد
الواقعة الثانية (أبو الوليد - أبو المحاسن)
أبو المحاسن :
أحترم حضرة الوزير في هذا المكان، وإن كان يستشعر فيه الهوان.
الوزير :
أهلا بالنديم الجليل، والصديق النبيه النبيل، جئت في وقت ضقت به ذرعا؛ لاتساع الأفكار التي فرقت من شمل أنسي جمعا، وقد تمنيت حضورك أيها النديم؛ لأهتدي بسراج رأيك في هذا الليل البهيم، وأستطلعك أخبار ولادة بعدي، وما تعانيه من عناء بعدي، فأفدني ما به يستريح كليم وجد فؤاده ذبيح، وأنر أمامي من مشكاة رأيك مصباحا، وابدأ لفك أسري من مقفل هذا السجن مفتاحا، وعلل فؤادي الكليل بذكر الجميلة ذات الجميل.
النديم :
تجلد أيها الوزير الكريم، واصبر على ما ألم بك وإن كان فيه العذاب الأليم، ولا ترع بالسجن الذي أنت به مكمد، فأي حسام مطرور الحدين لا يغمد؟! ولك أسوة أيها الهمام بمن سجن قبلك من الكرام، وكم ملك وأمير وشريف وخطير، تعنى كل منهم بالقيود والأغلال، وعضت ساقه الأداهم بأنياب النوائب الثقال، وأما ولادة لا تفتر من ذكرك بألسنة الشكوى، ولا ترى سوى حديثك في خلدها إذا أخلدت إلى النجوى، والرأي عندي أن تستعمل الفرار، وتخرج أيها البدر من هذا السرار، وتجعل مطمح نظرك إشبيلية، مقر المعتضد عباد ذلك الملك الذي ينال مريد حضرته أقصى المراد، وتستديم وداد ولادة بإنشاء الرسائل، وتستدعي وفائها من رقائق الأشعار بأعظم الوسائل؛ فيخف ما بك من أثقال الغرام إذا لم تنل مرامي رجائك من وصلها المرام، فتدبر ذلك بعين التحقيق، والله - تعالى - ولي التوفيق.
الوزير :
أحسنت أيها النديم بما أشرت وأعدت قراري لنجاح الأمل بما قررت، لكن كيف يكون الخلاص والحرس شديد، وهم أيقاظ باسطون أكف الفتك في الوصيد، لا يغفل أحدهم عني طرفة عين، وهم آناء الليل وأطراف النهار من مضايقتي في أين. (لحن حجاز ضربه أبون هوسى):
عظمي وهن من فرط الحزن
والبين لي أنذر
ولا حسن ألقى في السجن
بقربه أعذر
ومدمعي القاني
بالويل ألقاني
فهل فتى يهدي للأمن
يكفي الذي أحذر
النديم :
صبرا يا مولى ذو قدر
لأمر من قدر
ليل المنى أبدى عن فجر
يبد لنا أسفر
الوزير :
هذا الحرس حاضر
لحالنا ناظر
كل لنا يرنو بالشذر
ووجهه منكسر
النديم :
لا بأس عليك أيها الوزير، إن الخطب - إن شاء الله - يسير؛ لأني أحضرت معي ما يهوي به كل أحد منهم إلى الهاوية، ويدعهم أعجاز نخل في المراقد خاوية، وهو شيء يغيب من شمه عن الحواس، ولا يبقى له سوى ضيق نفس كمن هو من حياته في درجة الباس، فاجعل يدك على أنفك حتى لا تغيب، واعجب بما تراه من الفعل العجيب.
وزير :
عجل أيها النديم بذلك، وخلص نفسي من هذه المهالك. (النديم: يخرج علبة بها شيء له رائحة ويشعله فيرتعد الحراس ويرقد.)
الوزير (عروض غصن بان جبينه يدر) :
يا إلهي ما عاد لي صبر لمتى أصبر؟
إن قلبي أذابه الجمر؛ فهو لا يفتر
نديم :
كن صبورا أمامنا الستر خاب من يضجر، فضل ربي من له الأمر دائما يستر. بادر فك القيود قبل أن يفيقوا؛ فيحولوا دون المراد ويعوقوا.
الوزير :
قد فككت القيد فسر أمامي دليلا واسأل مولاي سترا جميلا.
الواقعة الثالثة (اثنان من الحراس)
أحدهما :
ما الذي أصابنا وأي شيء نابنا؟ أين ابن زيدون؟ وكيف غفلت عنه العيون؟
الثاني :
هذا قيده ملقى هنا، يعرب أنه أفلت من شرك العنا، فما نصنع وأي شيء للحصول عليه ينجع.
الأول :
هيهات هيهات، إن الأمر فات فلا تضيع الزمان في هذا المكان، سر لنبحث عليه، ونجر البلاء إليه، وإلا فما يكون جوابنا لمالك الأمر إذا بلغه أنه أغفلنا وفر؟
الثاني :
أظن أن البحث عليه لا يجدي نفعا، ولا يصل أملنا بالقبض عليه قطعا، ولكن نسير على بركة الله فلعلنا أن نراه، ويكون لنا من أنفسنا عذر بعد ذلك، فسر أمامي في هذا الليل الحالك.