ولادة :
إن حلو الشهد مر في فمي
بعد ما جرعني الصاب المصاب
فإذن؛ كيف أرى الصبر على
ما أعاني من ولوع واكتئاب
أشعر بهينمة بشر ، فماذا يكون من الخبر؟ دفع الله عنا ما نكره، ولا أرانا فيه عبرة.
مهجة :
أرى اثنين يسترقان السمع من وراء الباب، وهما قد وصلا إلينا بلا ارتياب.
الواقعة السابعة (الحاضرات - اثنان سيافان)
أحدهما :
أين الوزير ابن زيدون الذي أهدر دمه وكان منه ما لا يكون؟ فقد بلغنا أنه حضر إلى هذا المكان، بعد ما كان منه ما كان.
الثاني :
نعم، وكان الحامل له على هذا الاجتماع، أن يقضي قبل وقوع ما يسوءه حقوق الوداع.
ولادة :
ليس لحضور ابن زيدون هنا أثر، وما تعرفنا له طيب خبر، كيف يحضر ابن زيدون لوداعي بلا سابقة معرفة، وهل تتحقق قبل وجود موصوف صفة، فمرا من هذا المكان، ولا تخرجا بإطالة الكلام عن حقوق الإنسان.
الأول :
ماذا على السائل حتى ينهر، ويرد بغليظ القول ويقهر، ولم يهمل لك وزن اعتبار، ولا نظر لك بعين احتقار.
ولادة :
مرا بالحفظ والسلام بدون زخرف كلام، ليس لكما طلبة علي، ولا لأميركما غريم لدي، ودخولكما بدون استئناس واستئذان ينافي ما ورد من محكم الفرقان، ومع ذلك ففيه من قلة الأدب ما يقضي لمتأمله بالعجب، والوقت عندي أنفس نفيس، وأجل من أن يضيع في خسيس، فوراءكما أوسع من أمام، فاذهبا بدون خصام.
الثاني :
قد ألزمتنا الحجة بما هو واضح المحجة، نلتمس منك السماح قبل أن نصافح من جفنك الصفاح، فهيا أيها المصون قبل فرار ابن زيدون؛ لأن أمر السلطان بقتله محتوم، جزاء فعله المشوم المذموم.
الأول :
نعم أيها الخليل، غضب مليكنا الجليل على أبي الوليد ما عليه مزيد، فبادر للقبض عليه وإيصال الردى إليه، أو نضعه في السجن مكبل؛ ليعفى عنه أو يقتل.
الواقعة الثامنة (ولادة - مهجة - الجواري)
ولادة :
ما فيه ليت ولا لو فتنقصه
وإنما أدركته حرفة الأدب
يا ويح أهل الأدب! ماذا يحتملون من النصب؟ ... فأرحن قلبي من العناء بما يحسن به ختم مجلسنا من الغناء.
الجواري، مهجة (عروض مجذلي اقتصد نكدي) :
دور
لاعني عنا ترجى بالوجد
والأسى به وجبا
قد مضى لقا فرحي بالبعد
بعدما قد اقتربا
والجفا ظهر من عنا الكدر
مذ نأى القمر بعدما سفر
مبعدا منى منحي بالصد
حينما بها غربا
دور
منيتي ثقي بوفا أوطار
واطرحي به فكرا
وارقبي ورود صفا الأخبار
من فتى حكى القمرا
ربنا صدع للحشا الجزع
من أسى وقع زادنا هلع
فاعطفن لنا بشفا أفكار
منعما بما سترا
| الفصل الرابع
الواقعة الأولى (ابن زيدون في السجن - 2 حرس)
ابن زيدون :
ما جال بعدك لحظي في سنا القمر
إلا ذكرتك ذكر العين بالأثر
وما استطلت زمام الليل من أسف
إلا على ليلة مرت مع القصر
يا ليت ذاك السواد الجون متصل
قد زيد فيه سواد القلب والبصر
لا يهنأ الشامت المرتاح خاطره
إني معنى الأماني ضائع الخطر
هل الرياح بنجم الأرض عاصفة
أم الكسوف لغير الشمس والقمر
إن طال في السجن إيداعي فلا عجب
قد يودع الجفن حد الصارم الذكر
ما عهد ولادة عندي يحل له
عقد وإن كان يقضي بالنوى عمري
فهل أقامت على حفظ الوداد كما
أقمت بعد نواها عاني الفكر (عروض شرفوا حي وزارو):
ليس للقلب قرار
وهو بالوجد بخاطر
وفؤادي فيه نار
شبها ذكر وخاطر
وبه للحب دار
وهو بالأشواق دائر
كيف يحلو لي اصطبار
بعد ما شقت مرائر
حكمت بيض الأيام بسود النوائب، وراع فؤادي منها كتائب، ووضع في رجلي الأدهم بعدما امتطيت صهوة الشهب قدرا، وأودعت في ظلمات السجن وكانت منازلي تنحط عن الشعور بمطالع أقمارها الشعرى، ولا بدع فهكذا عوائد الحدثان وتقلب الأحوال والزمان! لكن في الفؤاد مطارحة أفكار وخواطر، ومنازعة أوهام ينثر عقيق الدمع بتخيلاتها الشاعر بما تعانيه ولادة بعدي، وينازعها من أهوال بعدي، وقد تركتها باكية العين لما وقع الفراق والبين، فهل يصل إلي منها خبر، وأقف لها على أثر، يا ويح قلوب العشاق ماذا تتحمل من المشاق؟ ... أين نديمي أبو المحاسن فيعين على فك أسري، وينقذني من ظلمة هذا السجن، فأسير لما أريده وأسري، وأترك قرطبة التي بها منى النفس، وأذهب مفارقا برغمي طلعة الشمس وإن بعدت الدار ونأى المزار ... (لحن أكرك عشاق بياتي):