تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أبو الوليد :

دعي ذكر ما يعترض في وجه السرور، ويطول في بيانه عتبنا على المقدور، والوقت أنفس من أن يضيع بما لا يضوع نشره، ويجرعنا مر الأسى بغصص التلهف ذكره، فهاتي حديث الأشواق وما تطرب بمعناه العشاق؛ فأشواقي إليك تنازعها الأشجان، وعيني الطائف دمعها في أقصى الوله ليست - وقدس حبك - عين سلوان، وبرد النسيم يذكو منه في فؤادي نار، وحبة قلبي صرفها الغرام من وجهك على دينار، وأنفاسي عند ذكراك تتصعد، وأنا القتيل بلا قود، وإن قتلت من حسام جفنك بمحدد، وطالما بت أناجي بلطائفك الضمير، وأسامر لطلعة محياك البدر المنير وأهيم في جميع النواحي بالنواح، وأرقب الشهب لسنا جيدك باكيا للصباح. (لحن أبكي فتبكي الحمام لكن):

دور

والآن حم اللقا ولكن

بما له سال دمع عيني

وفي فؤادي الغرام ساكن

بما يفاجي بجلب حيني

ولادة :

أثرت وجدي وكان كامن

ورعت لبي من غير مين

فأي شيء له السواكن

تحركت بعد طول بين

أبو الوليد :

لا بأس عليك فالحديث شجون، والمعاني تتفجر لها في أودية الكلام عيون، وأقول يا ذات الخفر وفائقة الشمس والقمر: لا كان الساعي بيننا ببين، وفاجأه في الحين خطب بحين، فاعذريني يا منية القلوب بما يصدع به فؤادي المكروب.

ولادة :

لم تخرج عما ابتدأت به الكلام، وتشابهت أطراف قولك بمراجعة الإبهام، فصرح بما تجد ودع الكناية والتلميح، وبدد استعارة نار الفؤاد بالتصريح، فلا أرى مجلسنا إلا مشوبا بكدر، وقد روعني في استهلاله ذكر القضاء والقدر، ولا أعلم سببا مني يحول دون الأمل، ويفضي إلى ما يعوق عن العلم بإخلاص العمل، وغرامي بك غريمه ألد الخصام، وولهي بك لم يشترك به أحد من الأنام، ولا أستطيب العيش إلا عند ذكراك، ولا أتعرف بنشر إلا إذا عرفت منه شذاك، فماذا حدث أيها الوزير حتى شرعت بتشويش الضمير؟ تفضل بالبيان وأرح يا جنة الروح الجنان.

أبو الوليد :

أسكرت أعضائي بلا جام، وعقلت لبي بهذا الكلام، فماذا أقول والفصيح لديك أبكم؟ وكيف أعرب عن سري والمنطيق عندك أعجم؟ (عروض يا غزالي كيف عني أبعدوك):

لازمة

كم أداري في الحشا حر الأوار

والجوى يذكو بنار فوق نار

دور

إن هذا موقف جر التياع

لمحب لك وافى للوداع

حظه كان بهذا الاجتماع

فرط وجد سالب منه القرار

ولادة، جواري :

آه يا كل المنى وا حربي

ما الذي قد حال دون الأرب

فلقد أوريت نار الكرب

بفؤاد ما له عنك اصطبار

ابن زيدون :

شرح حالي ربة الحسن عجيب

وهو في مغربنا أمر غريب

فاعذري من دمعه يجري صبيب

وعليه حادث الأيام جار

ولادة :

اكشف لي بحقك هذا الأمر، وإلا قتلت نفسي بيدي لا بيد عمرو، وصدري من القلق ضاق، وحاق ببدر سروري المحاق.

ابن زيدون :

إني أشفق عليك من إبداء خبر كان، وشرح ما كلم فؤادي بلسان العدوان.

ولادة :

لا تشفق علي أيها الوزير، وأعرب عما تجنه في الضمير، فقد أثار الجزع في القلب الجمر وفني الصبر ومر.

الوزير :

اعلمي أيتها الروح وعلاج الفؤاد المجروح، أن سعي الفئة الباغية للأذى لدى السلطان؛ روع سربي بمخاوف حالت دون كل أمان؛ إذ نقلت إليه ما اعتقد صدقه بدون تبين وهو محض مين، فأهدر دمي بسيف الظلم إذا بقيت في قرطبة طرفة عين، وقد أيقظ علي العيون في كل الجهات، وجعل حسناتي في وجوه ملكه سيئات، وحيث أخذ لي نديمي منك الضمان أن نلتقي لبث الأشواق في هذا المكان، خاطرت بنفسي لهذا الاجتماع، وأضمرت في سري أنه موقف الوداع، وتخطيت رقاب الخطية، وأشرفت بدرع المخاطر على حدود المشرفية، وحضرت لديك أخوض بدمي المراق، وهذا أيتها المليكة على رغم موقف الفراق، فأستودعك فؤادا هواك كليمه وغرامه بك غريمه، ملئ وجدا بجمالك، وذاب ولها بدلالك، فأكرمي مثواه وارحمي شكواه.

ولادة :

فؤادي أحوج إلى الرحمة مما علاه من الغمة؛ فقد لاعته الكروب، وراعه هول الخطوب.

الوزير ابن زَيْدون مع وَلَّادة بنت المستكفي · الصفحة ١٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الوزير ابن زَيْدون مع وَلَّادة بنت المستكفيص ١٠