@HAD0140 نداك ونجواك، فأفضيت إليه بحاجتك وأنبأته عن ذات نفسك، وشكوت إليه همومك، واستعنته على أمورك، وناجيته بما تستخفي به من الخلق من سرك، ثم جعل بيدك مفاتيح خزائنه، فألحح في المسألة يفتح لك باب الرحمة بما آذنك فيه من مسألته، فمتى شاءت استفتحت بالدعاء أبواب خزائنه فألحح ولا يقنطك إن أبطأت عنك الإجابة، فإن العطية على قدر المسألة، وربما أخرت عنك الإجابة ليكون أطول للمسألة وأجزل للعطية، وربما سألت شيئا فلم تؤته، وأوتيت خيرا منه عاجلا أو آجلا أو صرف عنك لما هو خير لك، فلرب أمر قد طلبته فيه هلاك دينك لو أوتيته، ولتكن مسألتك فيما يعنيك مما يبقى لك جماله أو يبقى عنك وباله، والمال لا يبقى لك ولا تبقى له، فإنه يوشك أن ترى عاقبة أمرك حسنا أو سيئا أو يعفو العفو الكريم.
@HAD0157 واعلم أنك خلقت للآخرة لا للدنيا، وللفناء لا للبقاء، وللموت لا للحياة، وأنك في منزل قلعة ودار بلغة وطريق إلى الآخرة، فإنك طريد الموت الذي لا ينجو هاربه، ولا بد أنه مدركك يوما، فكن منه على حذر أن يدركك على حال سيئة قد كنت تحدث نفسك فيها بالتوبة، فيحول بينك وبين ذلك، فإذا أنت قد أهلكت نفسك. أي بني أكثر ذكر الموت وذكر ما تهجم عليه ويقضى بعد الموت إليه واجعله أمامك حتى يأتيك وقد أخذت منه حذرك لا يأخذك على غرتك، وأكثر ذكر الآخرة وما فيها من النعيم والعذاب الأليم، فإن ذلك يزهدك في الدنيا ويصغرها عندك، وقد نبأك الله عنها ونعت لك نفسها وكشفت عن مساوئها، فإياك أن تغتر بما ترى من إخلاد أهلها إليها وتكالبهم عليها، وإنما أهلها كلاب عاوية وسباع ضارية، يهر بعضها على بعض، يأكل عزيزها ذليلها وكبيرها صغيرها (1)@HAD091 ، فإن تزهد فيما زهدك الله فيها من الدنيا، وتفرق نفسك عنها فهي أهل ذلك، وإن كنت غير قابل نصيحتي إياك فيها فاعلم يقينا أنك لن تبلغ أملك ولن تعدو أجلك، وإنك في سبيل من كان قبلك فاخفض في الطلب وأجمل في المكتسب، فإنه رب طلب قد إلى الحرب، وليس كل طالب بناج، وكل مجمل بمحتاج، وأكرم نفسك عن كل دنية وإن ساقتك إلى الرغبة، فإنك لن تعتاض بما تبذل من نفسك عوضا، وإياك أن توجف بك مطايا الطمع، فتوردك مناهل