@HAD0221 أحي قلبك بالموعظة، وموته بالزهد، وقوه باليقين، وذلله بالموت، وقرره بالفناء وبصره فجائع الدنيا وحذره صولة الدهر وفحش تقلب الليالي والأيام، وأعرض عليه أخبار الماضين، وذكره بما أصاب من كان قبله وسر في بلادهم وآثارهم، وانظر ما فعلوا وأين حلوا وعمن انتقلوا، فإنك تجدهم انتقلوا عن الأحبة وحلوا دار الغربة، وناد في ديارهم: أيتها الديار الخالية أين أهلك؟ ثم قف على قبورهم فقل: أيتها الأجساد البالية والأعضاء المتفرقة كيف وجدتم الدار التي أنتم بها؟ أي بني وكأنك عما قليل قد صرت كأحدهم، فأصلح مثواك ولا تبع آخرتك بدنياك، ودع القوم فيما لا تعرف والخطاب فيما لا تكلف، وأمسك عن طريق إذا خفت ضلاله، فإن الكف عن حيرة الضلالة خير من ركوب الأهوال، وأمر بالمعروف تكن من أهله وأنكر المنكر بلسانك ويدك، وباين من فعله بجهدك، وجاهد في الله حق جهاده ولا تأخذك في الله لومة لائم، وخض الغمرات إلى الحق حيث كان، وتفقه في الدين وعود نفسك التصبر، وألجئ نفسك في الأمور كلها إلى إلهك، فإنك تلجئها إلى كهف حريز ومانع عزيز، وأخلص في المسألة لربك فإن بيده العطاء والحرمان فأكثر الاستخارة، وتفهم وصيتي ولا تذهبن صفحا فإن خير القول ما نفع.
@HAD0126 واعلم أنه لا خير في علم لا ينفع ولا ينتفع، بعلم حتى لا يقال به، أي بني إني لما رأيتك قد بلغت سنا ورأيتني ازداد وهنا بادرت بوصيتي إياك خصالا منهن أن يعجل بي أجلي دون أن أفضي إليك بما في نفسي، أو أنقص في رأيي كما نقصت في جسمي، أو يسبقني إليك بعض غلبات الهوى وفتن الدنيا، فتكون كالصعب النفور، وإنما قلب الحدث كالأرض الخالية ما ألقي فيها من شيء قلبته فبادرتك بالأدب قبل أن يقسو قلبك ويشغل لبك، لتستقبل بحد رأيك من الأمر ما قد كفاك أهل التجارب بغيته وتجربته، فتكون قد كفيت مؤونة الطلب وعوفيت من علاج التجربة، فأتاك من ذلك ما قد كنا نأتيه، واستبان لك منه مأربة الظلم علينا فيه.
@HAD052 أي بني وإني وإن لم أكن عمرت عمر من كان قبلي فقد نظرت في أعمالهم، وفكرت في أخبارهم، وسرت في آثارهم حتى عدت كأحدهم، بل كأني بما انتهى إلي من أمورهم قد عمرت مع أولهم إلى آخرهم فعرفت صفو ذلك من كدره ونفعه من ضره، فاستخلصت لك