فأجاب تنبغي مبادرته للفرض، وليتطف في رضاها، فإن لم ترض فليخرج إن شاء الله. وتنبغي المبادرة بالفرض، فإن التأخير لا يزيد إلا شرا ولا يأتي خير ينتظر. وإنما استحب مالك الاقامة إلى السنة الأخرى في منعه أبواه.
قيل: ظاهر فتوى الشيخ أنه على الفور، وهي رواية البغداديين، وظاهر نقل محرز وابن رشد وابن العربي وغيرهم أنه على التراخي، وأخذه اللخمي من قول مالك: لا تخرج له معتدة وفاة، ومن رواية ابن نافع يؤخرها عامين لاذن الأبوين. وأخذه ابن رشد من سماع اشهب: لا يعجل بتحنيث من حلف إلا تخرج زوجته بخروجها له ولعله يؤخر سنة. ومن قول سحنون: لا تسقط شهادته حتى يصل للستين، وهو أخذه من مسألة المعتدة لوجوبها فورا إجماعا وتقدمها، وضعف ابن بشير أحذه من مسألة الأبوين لوجوب طوعها.
[الحج بالمال الطيب]
وسئل ابن محرز عمن أراد الحج بمال طيب الكسب، وله ضيعة كانت يد السلطان عليها، وشهد عدول على السماع من الثقات وغيرهم أن بني عبيد غصبوها لأجدادهم وصارت لهم الآن بشراء أو ميراث، هل هي شبهة يتحرى لأجلها؟
[438/1] وما تقول في أهل بلد كانوا يجرون مياههم على رسوم معروفة وغيرتها الآن يد غالبة وأفسدتها وساعدهم من له يد، وخاف هذا على فساد ضيعته إن أجراها على ما تقدم على الإستقامة وغرم من ساعده عليها، فدخل مع الناس في السقي على ما آل إليه الأمر، فهل في غلتها حرج على من يحج بها أم لا؟
وما تقول فيمن له نعمة طائلة فقربه السلطان وجعله ناظرا على جهة فاكتسب أموالا أخرى ثم عدا عليه السلطان فأخذ منه مالا فباع ضيعته مما كان له قبل الولاية فاشتراها رجل، فهل عليه جناح أن يتسلف من غلتها ما يحج به؟
الإسكندرية ، وهي التي تسمى قراءة بلاد راية فمكروهة ، ولم يكن ذلك من عمل الناس . قال القاضي أبو الوليد : وإنما كرهه للمجاراة في حفظه والمباهاة بالتقدم فيه .
ومنها ابتداع الكلام والجدل وعلم القياس والنظر ، والاستدلال على سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم بأدلة المعاني والمعقول .
ومنها إيثار العلم الذي ليس بنافع على العلم النافع .
ومنها إيثار علم العقل والتمييز على ظاهر القرآن والآثار .
ومنها إظهار الإشارات بالمواجيد من غير علومها ولا بيان تفصيلها ، وفي ذلك تضليل السامعين وحيرة الغافلين .
ومنها الكلام في أن علم التوحيد مخالف لعلم الشريعة ، وأن الحقيقة تنافي العلم الظاهر وتخالفه ، والحقيقة علم ، وهي أحد طرقات الشريعة . وعلم الشريعة عنها وكيف تنافيه وهي التي أوجبته ؟ وإنما هي عزيمته ومنعه ، وعلم الظاهر الرخصة والسعة ، فذلك من الإلحاد في الشريعة والوليجة بين الكتاب والسنة . وقد كان بعض العارفين يقول : نظرت هؤلاء الشاطحين فما وجدت إلا جاهلا مغرورا أو جسورا مستظهرا بلا شيء .
ومنها الكلام في الدين بالوسواس والخطرات من غير رد مواجيدها إلى الكتاب والسنة .
ومنها التدقيق في القياس والنظر والتبحر في علم العربية والنحو والشعر في علم اللسان . قال بعض العلماء : العلوم تسعة ، أربعة منها معروفة وهي من السنة ، وخمس محدثة لم تكن تعرف فيما سلف ، فأما الأربعة فهي علم الإيمان وعلم القرآن وعلم المعرفة وعلم الإخلاص ، وأما الخمسة فهي علم النحو وعلم العروض وعلم الشعر وعلم الجدل في الفقه وعلم المعقول والنظر .
ومنها السجع والاعتداء في الدعاء . مر بعض السلف بقاض يدعو بسجع في دعائه ، فقال له : ويحك ، أعلى الله تبالغ ! أشهد لقد رأيت حبيبا الفارسي يدعو وما يزيد على قوله اللهم اجعلنا خيرين ، اللهم لا تفضحنا يوم
[465 /2]
وأما كونها عنده أو موقوفة عند ثقة فظواهر نصوصهم أنه لا توقف إلا من فيها مواضعة وضمانها من غيره. أما من هي في ملكه وضمانه فلا يحال بينه وبينها، كالحائض وكالزوجة والجارية في أيام الصيام، فإنه لا يجوز له استمتاع، ومع هذا لم يحل بينهما. وأما من اغتصبت أو زنت وهي ظاهرة الحمل فلا معنى لمنع الزوج أو السيد منها في أيام الوقف، إن لم تكن حاملا لم يكن للوقف فائدة، وإن كانت حاملا فسواء كان الحمل من الفراش أو من الزاني، فالفراش يلحق على كل حال موقوفا كان صاحب الفراش عنها أو مرسلا عليها، فأي فائدة في الوقف؟ وإنما تظهر فائدته لو أتت بالحمل بعد وقف خمس سنين من يوم ترك السيد وطأها. وهذه صورة لا تكاد تقع والله أعلم.
[من هرب بامرأة طائعة فحملت منه ووضعت، تزوجها بعد الاستبراء]
وسئل عمن هرب بامرأة طائعة فغاب بها مدة إلى أن حملت منه ثم بعد أو وضعت حملها أراد هو أو غيره أن يتزوجها، فهل يحل بوضع حملها هذا أم لا؟
فأجاب: إن كانت وضعت الحمل بعد ما عزلت عنه بحيث لا يتمكن منها جاز لها أن تتزوجه أو غيره، وإن كان متمكنا منها حين الوضع فلابد من الاستبراء والله أعلم.
[لا يبرأ الرحم الفاسد إلا بثلاثة قروء لا بالوضع]
وسئل بعض فقهاء بلدنا عن رجل هرب بامرأة رجل فخلا بها فحملت منه ثم طلق تبعد وضع حمل الزنى، فأراد الهارب بها أن يتزوجها بعد وضع حملها. هل يبريها حمل الزنى من العدة كما ذكر الله في كتابه؟ أم لا بل يستاني بها الحيض؟ فأوضح لنا ذلك. فقد كثر فيها الكلام بين طلبة بلدنا فعرفنا بما نعتمد عليه.
[474/4]
[475/4]
من القوادح الفقية، والموانع الشرعية، لا يخلو من وجهين: أحدهما أن يكون فيما يطلب المحجور. والثاني أن يكون فيما يطلب به. فالأول لا يخلو من ثلاثة أوجه: الأول أن يكون بعد ثبوت الحق لهم، بحيث لا خصام فيه ولا دعوى. والثاني أن يكون قبل ثبوته في الحال، ولا يرتجى له ثبوت في المآل. والثالث أن يكون غير ثابت في الحال، لكن يرتجى ثبوته في المآل فالأول لا يجوز باتفاق، لأنه تبرع في مال المحجور، وهو ممنوع عند الكافة والجمهور. والثاني مشروع، والثالث ممنوع. وإن كان فيما يطلب به، فلا يخلو أيضا أن يكون الحق ثابتا في الحال، أو ليس بثابت في الحال، ولا يرتجى ثبوته في المآل. أو ليس بثابت في الحال ولكن يرتجى ثبوته في المآل. فالأول يجوز صلحه عليه فيه بمثل الحق فأقل، ولا يجوز بأكثر. والثاني وهو ما ليس بثابت في الحال، ولا يرتجى له ثبوت في المال. فاختلف المذهب في إجازته ومنعه على قولين. والقول بالإجازة منهما هو قول ابن قاسم في سماع أصبغ نصا، وهو رهون المدونة إقامة وأخذا. والمنع هو قول ابن الماجشون في واضحة ابن حبيب وأحكامه ولفظه في الأحكام المذكورة:
وأما ما طلب به هو أو أبوه في المال الذي ورثه عنه فلا يجوز أن يصالح عنه بأن يعطي بعض ما ادعى عليه من ذلك، ويقطع الدعوى في الجميع قبل استحقاق ذلك على اليتيم أو في المال الذي ورثه عن أبيه، فإذا استحق ذلك أجمع، فعند ذلك يجوز صلحه فيه، بأن يعطي منه بعضا ويحبس بعضا، وبأن يفتكه بالصلح ببعض ماله من غير ذلك. وما لم يستحق مما يطالب له، فلا يجوز له أن يصالح عنه بدرهم انتهى. قلت والقولان متكافئان في نظر كثير من مشايخ المذهب. وصوب بعض متأخريهم كابن وابن رشد قول ابن القاسم، واعتل له، بأن فعل الوصي محمول على النظر حتى يثبت خلافه. فإذا تقررت هذه المقدمة، فنقول بعدها:
الصلح الواقع بين عمر ومحمد المذكورين فيما سوى الربع والعقار من
[545/6]
وسئل عمن أوصى بشراء دار توقف حبسا للمسجد, فامتثل وصية ذلك وزاد من مال نفسه شيئا, وحبس الدار, ثم ظهرت بها بعد أمد عيوب قبيحة مفسدة لكثير من منافعها توجب ردها, هل يفوت هذا التحبيس ويكون كمسألة العبد الموصي بشرائه وعتقه لنصهم أن الحبس مفوت أم ما تراه؟
فأجاب: تصفحت هذا السؤال ووقفت عليه, وليس تحبيس الدار على هذا الوجه الذي وصفت مما يفيت ردها بالعيب, وإنما يكون التحبيس فوتا في الدار يمنع ردها إذا اشتراها الرجل لنفسه ثم حبسها, واما هذا فلم يشترها لنفسه وإنما اشتراها للحبس للإيصاء إليه بذلك, فلم ينتقل الملك بتحبيسه إياها بعد الشراء إنما هو إعلام أنه إنما اشتراها من مال الموصي على ما أوصى به إليه من أن تكون حبسا, فله أن يردها إذا وجد بها عيبا, وإن لم تكن ملكا له من أجل أنه وكيل على شرائها يلزمه الضمان إن اشترى عيبا لا يستحق مثله في مثل ما اشترى, كمن وكل على شراء سلعة فوجد بها عيبا فله أن يردها وإن لم تكن ملكا له لهذه العلة, ولا تشبه هذه المسألة مسألة العتق, لأن العتق حرمة تمنع من رده وهو موارثة الأحرار وجواز شهادته وما أشبه ذلك مما يتبين به الحر عن العبد, وبالله تعالى التوفيق.
[في الحبس المعقب أيضا]
وسئل عن عقد تضمن تحبيس فلان عل ‘بنيه فلان وفلان لجميع الرحى الكذا بالسوية بينهما والاعتدال, حبسها عليهما وعلى أعقابهما حبسا مؤبدا, وتم عقد الحبس على واجبه وحوزه, ومات الأب والابنان بعده وتركا عقبا كثيرا وعقب أحدهما أكثر من عقب الآخر وفي بعضهم حاجة فكيف ترى قسمة هذا الحبس بين هؤلاء الأعقاب؟ هل على الحاجة أم السوية أم يبقى
[462/7] في يد كل عقب ما كان بيد أبيه؟ وجه لنا رأيك في ذلك نعتمد عليه.
462/9] شهد، وإبراهيم بن عبدالعزيز بن إبراهيم بن عبدالعزيز شهد، انتهى. وتوجه بالرسمين المذكورين الوكيل المذكور إبراهيم من سبتة إلى فاس حرسه الله تعالى على ما جرت به العادة في الأعلام بصحة الرسوم فأعمل قاضيها الأعدل، الصالح الأتقى الأفضل، أبوحامد بن الشيخ الفقيه العالم العامل العلامة الشهير، الصدر الكبير، المحقق أبي العباس أحمد بن قاسم الفهدي المعروف بابن البقال حكم الرسمين المذكورين إلا في توكيل المقدمة خوخة المذكورة على المحاجير فإنه توقف فيه حتى يؤخذ الإذن فيه ممن قدمها، إذ ليس لها الاستبداد به حسبما اقتضاه مذهب مالك عند الموثقين ابن لبابة وابن حارث وابن زرب وابن الهندي وابن العطار وابن أبي زمنين وابن كوثر وابن الحاج وغيرهم. فلما وصل الوكيل إبراهيم المذكور إلى سبتة لاستدراك ما فاته من إذن القاضي المقدم أبي عبدالله بن عبدالمهيمن المذكور اعترض توقف القاضي أبي حامد بم البقال عن إعمال رسم التوكيل بعض طلبتها، وقال متى حدث هذا الفقه بالمغرب؟ وكتب بالمسألة طورا(¬1) كبيرا، ورد عليه القاضي الحافل أبوعبدالله محمد بن عمر بن الدراج منتصرا للقاضي أبي حامد بن البقال، ومصححا لتوقفه بما جلب في رده من الأنقال، وسمى رده ذلك تبيان الحكم التام، في توكيل مقدم القاضي على الأيتام * وخلع لباس الألباس، في المقال الذي رد به بعض الناس * على ما ذهب إليه في ذلك قاضي الجماعة بفاس، أبوحامد بن البقال *.
وسئل ابن عتاب عن وصي باع على يتيمه قمحا ثم تخلى عن النظر له وقدم غيره مكانه، وأشهد المقدم أنه قبض من المعزول ما كان عنده لليتيم، فقام على المعزول محتسب عن اليتيم وقال له كان مبلغ القمح الذي بعته عليه كذا وكذا وبعته بغير وجه يوجب بيعه، وقال الوصي إنما بعته لأني خفت فساده إذ كان السوس قد أسرع فيه ولا أقف على مبلغ كيله.
وسئل عن رجل أقر في مرضه الذي توفي منه أن لابنته فلانة قبله وفي ماله وذمته كذا وكذا دينارا من الذهب المرابطي مما كان قبضه لها من زوجها ليجهزها به إليه ، وثبت ذلك من إقراره وإشهاده . ثم إن أحد الورثة أبى أن يجوز ذلك وقال لا أعلمه ، وأجازه بعضهم ، فهل لهذا أن يأبى عما دخل فيه الورثة ؟ أو تلزمه يمين أنه ما يعلم أن الذي أشهد به المتوفى ليس بحق ؟
فأجاب : إن كان الصداق معلوما على الزوج وهو به ملي جاز إقرار الأب في مرضه بقبضه منه لابنته ، وأخذ لها من ماله .
[يحلف المقر والمقر له عند إثبات الدين على غائب]
وسئل القاضي محمد بن حمدين عن رجل أثبت دينا على رجل ببلنسية ، ثم أشهد صاحب الدين أنه لا حق فيه مع من سماه ، فأراد المقر له أن يذهب إلى اقتضائه ببلسنية ، وتوجهت يمين القضاء ، فخاطب قاضي بلنسية ، من يحلف منهما ؟ هل المقر أو المقر له ؟
فأجاب : إن المقر يحلف . ابن الحاج : وظهر لي أن المقر له يحلف لأنه هو صاحب الدين ، ثم تذاكرت المسألة عشية النهار مع أصحابها في جنازة بالربض . فقال أصبغ بن محمد : أرى أن يحلف المقر لا غير ، وقال ابن [448/10] رشد إن كان وهب الدين فإنه يحلف الواهب ، وإن كان أقر أن الدين لفلان دونه ولم يكن هبة فيحلف المقر والمقر له جمعيا ، والله أعلم بحقيقة الصواب .
وسئل عن الدين يكون بين الرجلين في بلد غير بلدهما من سلعة باعها فيهمن رجل ، فخرج أحدهما يقتضي جمعيه ، فاقتضاه أو بعضه ، ثم طلب الأجرة من شريكه عن شخوصه في اقتضاء حصته بإذنه أو بغير إذنه ، أتكون له أجرة مثله أم لا ؟
فأجاب : له أجرة مثله بعد أن يحلف أنه ما خرج في ذلك متطوعا .
وسئل ابن الحاج أيضا عن امرأة توفي عنها زوجها وتخلف منها بنين قدم عليهم وصيا وهو أبو الزوجة ، وهي مالكة أمر نفسها لطول البناء عليها وهي بكر ، فطلبت كالئها من أبيها الوصي على بنيها .