فأجاب أما ما سألت عنه من الاتيجار على جمع الزيتون بجزء منه وذلك قبل طيبه, فإن المسألة منصوصة في الدواوين المشهورة وهي الاستيجار على حصاد الزرع أو جمع الزيتون بجزء منه أو بجزء مما يجمع منه كل يوم إلى غير ذلك مما ذكره في كتاب الجعل والإجارة من المدونة وغيرها. فإن كان إنما أشكل عليك كون ذلك قبل الطياب لكون بيع الثمر قبل الطياب لا يجوز, فإن بيع الثمر قبل الطياب إنما بشرط التبقية, وأما بشرط القطع فجائز. فإذا عقد هذا على أن يقطع على الفور فهذا أحرى بالجواز, وأما بيعه على التبقية فإن ذلك يمنع إذا شرط النقد, وأما لو شرط وقف الثمن على سلامة الثمر, فإن سلمت الثمر إلى الزهو والطياب صح البيع وانتقد الثمن, وإن هلكت الثمار قبل الزهو فلا ثمن على المشتري ولا يلزمه دفعه, فإن هذا مما كان الشيخ أبو القاسم السيوري رحمه الله يجيزه, ويرى أن تعليل الحديث يقتضي جوازه لقوله في الحديث: أرأيت إن منع الله فيما يأخذ أحدكم مال أخيه فإنما أشار إلى ما في هذا من الغرر وأكل المال بالباطل. فإذا كان معلقا إنفاذ هذا البيع على ارتفاع الغرر وسلامة المبيع وبقائه إلى أن يزهو فيجد حينئذ بجزء منه, ويبقى النظر أيضا على هذا الوجه في استيجار رجل بعينه والعمل بجزء منه , ويبقى النظر أيضا على هذا الوجه في استيجار رجل بعينه والعمل يشرع فيه إلى أمد بعيد أو قريب, وهذا مما يتسع القول فيه في مثل هذه المسألة على الطريق التي أشرنا إليها وبالله التوفيق.
وأما ما سألت مما يؤدي عن أجرة الحصادين فإن ذلك غير محسوب على
[
رضي الله عنه في ضرب الذي نقش على خاتمه مائة . ونقل ابن قيم الجوزية ما تقدم أنها ثلاثمائة في ثلاثة أيام وذكرها القرافي ، وأن صاحب القضية معن بن زياد زور كتابا على عمر ونقش خاتمه فجلده مائة ، وشفع فيه قوم فقال : أذكرتموني الطعن وكنت ناسيا . فجلده مائة أخرى ، ولم يخالفه أحد فكان إجماعا . قال : وضرب عمر رضي الله عنه صبيعا أكثر من الحد . وقد أخذ أحمد بن حنبل بظاهر قوله عليه السلام : « لا يجلد أحد فوق عشرة أسواط إلا في حد من حدود الله » . فلم يزد في العقوبات على العشرة . قال ابن عبد السلام ويحكى عن أشهب ، والمشهور أنه قد يزاد على الحد . وقد أمر مالك رضي الله عنه بضرب رجل وجد مع صبي قد جرده وضمه إلى صدره ، فضربه أربعمائة ، فانتفخ ومات ، فلم يستعظم مالك ذلك . وروى العتبي عن مالك : لا يجاوز خمسة وسبعين . قال ابن مسلمة : ثلاثين . وروى عن أصبغ أن أقصى ما ينهى إليه جرم الفساد مائتين . ( كذا ) . وقال مطرف : ينتهي إلى ثلاثمائة لا يزيد على ذلك . وقال أبو حنيفة : لا يبلغ بالتعزير أربعين . وقاله الشافعي ، وقال أيضا : لا يبلغ العشرين . وقال أيضا : لا يبلغ فيه ثمانين . انتهى .
[لا يجوز من التعزيرات إلا ما أمنت عاقبته ]
*وسئل رضي الله عنه عن رجل كانت له زوجة فطلقها ثلاثا ألبتة ، واعتدت منه وبقيت بعده عامين ، ثم تزوجها رجل غيره ، وبنى عليها , وأقام معها ما شاء الله ، ثم باراها واعتدت منه ، ثم تزوجها الأول فقام عليه يطالبه ، ورفعهما إلى صاحب الأحكام ، فقال له : أثبت عندي أنه كان تزوجها بعدك رجل غيرك ، وأنه بنى عليها . وأثبت الزوج الأول صداقها المنعقد بالزوجية بينها وبين الزوج الثاني ، وأقر الزوج الثاني بالزوجية وأنه بنى عليها ، وأقرت الزوجة بذلك ، فكلفه الحاكم إثبات البناء عليها فشهد ببناء الثاني عليها خمسة شهود ممن كانوا معها في دار واحدة ، فقال له الحاكم : لست أجيزهم . فبينوا لنا ما يجب في ذلك ، هل يثبت النكاح للزوج الأول بعد الزوج الثاني على ما فسر أم لا ؟ مأجورا مشكورا .
=فأجاب : لا تقر مع الزوج الأول ولا يثبت نكاحه معها إلا أن يثبت بناء الثاني بشهادة عدلين ، أو يكون بناؤه بها فاشيا مشهورا بالسماع من لفيف الرجال والنساء وإن لم تعرف عدالتهم .
[نكاح المتعة ورأي المتأخرين فيها]
*وسئل بما نصه :
423/4]
[424/4]
فإن زعم أنه لم يقصد بلفظ اليمين ما جري العرف والعادة أن يقصد بلفظ اليمين حلف أنه لم يقصده، ولزمه ما زعم أنه قصده، وإن لم يقصد شيئا حملت يمينه على عرف الناس وعادتهم في مخاطبتهم والله أعلم.
[لا شيء على من قال لزوجته امشي بالسلامة جوابا لقولها أمشي بحالي]
وأجاب أيضا عن معنى ما تقدم: الجواب، والله الموفق للصواب، أن من عادته ما ذكر من كثرة ورود التردد عليه في الخواطر من غير أصل يستند إليه يسمى موسوسا. فإن تساوى عنده التردد كان تردده شكا، والشك يوجب الأمر بالفراق وإن كان تردده الواقع منه غير مساو أحدهما للآخر لكونه قاطعا وموقنا بأن أحدهما لم يقع. كان احتمال الوقوع وهما لا يوبج حكما، وهذا القسم حال الموسوس الذي يتوهم أنه حلف ألا يفعل كذا وهو موقن أنه لم يفعل، فلا حرج عليه ولا يترتب عليه حنث يتوهمه المذكور. وأما قوله لزوجته امشي بالسلامة جوابا لقولها نمشي في حالي، فإنه لا يلزمه الطلاق ألا أن ينوي الطلاق بذلك اللفظ، فإن لم ينوه لم يلزمه، لأن اللفظ المذكور من الكنايات الخفية فلا يقع بها الطلاق إلا أن ينويه بها. والله أعلم وبه التوفيق.
[استصحاب الحال أصل من أصول الشريعة]
وأجيب عنه بما نصه:
الحمد لله تعالى وحده. الجواب والله سبحانه ولي التوفيق بفضله أن الفقهاء رضوان الله عليهم جعلوا اذهبي وانصرفي من الكنايات المحتملة للطلاق وعدمه. فقول الرجل المذكور لزوجه امشي ردي اذهبي، فيقبل قوله في نفي الطلاق وعدده، ولم يحك الأيمة فيه خلافا. وهذا في حق السالم العقل الثابت الذهن. وإذا كان هذا حكم السالم العقل فمن كان ذا وسوسة كالرجل المسؤول عنه أحرى وأولى أن لا يلزمه شيء. أما أولا فلكونه لم ينو بما يلفظ به من المشي طلاقا. وأما ثانيا فلكونه ذا وسوسة كما ذكرتم، وقد قال في كتاب الأيمان بالطلاق من المدونة: وإن كان ذا وسوسة في هذا فلا شيء عليه انتهى.
[424/4]
[425/4]
وقولكم إلى تخيير البائع هذا في الإمضاء بالثمن الأول أشار ابن رشد بقوله ثم يقوم بذلك على المبتاع، أقول يتضح كون قيام البائع على المبتاع بالغبن في كلام ابن رشد أشبه إلى ما ذكرتم من التخيير، لأن الذي يفهم من كلام ابن رشد ثم يقوم بذلك على المبتاع أنه يطلب حقه في موجب هذا الغبن، لا أنه يطلب أن يخير، لأن أحد الأمرين وهو الإمضاء بالثمن لا يتوقف اختياره له على قيامه، فلا معنى لقيامه ليخير فيختار الإمضاء بالثمن الأول.
وقولكم إن للبائع الرجوع في سلعته لو كانت قائمة بعد أن لم يرض المشتري بما فاته من عوضها، أقول تقدم ما يرد على هذا، وإن هذا القول هو الثاني في كلام ابن رشد، وتفسير هذا القول في كلامه الذي أفتى به وأن
[381/5]
الذي أفتى به هو المشهور، وهذا غير المشهور، ولكم المعذرة في هذا لأنكم لم تقفوا على كلام ابن رشد حسبما ذكرتم.
جائز. وربما كان في ذلك الماء الذي لا يكون فيه ري النخل، فأرى أن يفسخ، فقيل له: فإن الرجل قد حلف بعتق ما يملك، أن لا يقيله أفترى له أن يقيله إذا تبين له أن هذا مفسوخ؟ وقد دخل فيما لا ينبغي له من أمر فساد البيع، وأرى أن فساده يخرجه من يمينه قال: ولكن يرفع ذلك إلى السلطان. قال ابن القاسم: يعني بذلك حتى يكو السلطان هو الذي يفسخ، ثم لا يكون على الحالف في يمينه شيء.
ابن رشد قوله: ولم يبين ما هو، يدل على أنه على ما هو فكتم ذلك عن المشتري ولم يعلمه به، فاشترى على جهل. وإذا كان الأمر على هذا فليس ببيع فاسد، لأن البيع إنما يكون فاسدا إذا جهل المتبايعان جميعا، وأما إذا علم أحدهما وجهل الآخر فالحك فيه أن يكون الذي جهل بالخيار إذا علم. بين أن يتماسك بالبيع أو يرده.
فقول مالك ما أرى إلا أن يفسخ وأرى هذا غير جائز معناه إذا لم يرض المشتري بالشراء بعد ما يعلم ما للنخل من الماء. ولو ادعى البائع أنه أعلمه بما لها من الماء، وأنه كان عالما بذلك دون أن يعلمه. فقال المبتاع: لم أعلم ولا أعلمتني، وإنما اشتريت على جهل بذلك، لكان القول قول المبتاع مع يمينه أنه ما علم ولا أعلمه ولا اشترى إلا على جهل بمبلغ ما لها من الماء. فإن حلف على ذلك كان له الرد. ولو قال المبتاع: لم أعلم ولا أعلمتني ولا علمت أيضا أنت وإنما وقع شرائي على الجهل مني ومنك، لكان القول قول البائع، لأنه يدعي صحة والمبتاع يدعي فسادا. وسيأتي هذا المعنى في رسم أوصى في سماع عيسى. فنستوفي القول فيه إنشاء الله. ولو سكتا عن الشرب فلم يذكراه وهما عالمان بمبلغه لكان داخلا في البيع. وسيأتي هذا المعنى في أول سماع أشهب. وقوله: إنه إذا حلف أن لا يقيله أنه يحنث إذا أقاله بعد أن علم ما يجب له من فسخ البيع صحيح، لأن الفسخ إقالة في المعنى.فإذا فاسخه في البيع باختياره دون حكم حاكم،
[485/6]
409/7] وبما جرت الفتوى به في أعقاب الإناث ما ذكره محمد بن أبي زمنين لمالك رحمه الله في كتاب ابن المواز إذا سمى الولد وعقب, لأن العقب لم يدخل في الحبس من حيث دخل الآباء فيمتنع دخول ولد الإناث, وإنما دخلوا من جهة أنفسهم, لا من جهة آبائهم. وهذا أيضا بين مذهب من قال إذا حبس على ولده وعقب أن لفظ الولد خاص بولد الصلب, وأن ولد الذكران بالتعقيب دخلوا لا من حيث دخل الآباء فلا يمتنع دخول ولد الإناث إذا إنما وقع لفظ الولد عند من قال بهذا الولد خاصا لأعيان الولد, لأنه إذا عني بقوله ولدي أعيان الولد للصلب فكأنه قد عينهم أو سماهم, وقال حبس على هؤلاء وعلى اولاد هؤلاء فيصير لفظ أولاد اولادهم لكل من يقع عليه هذا الاسم من أعقاب الإناث وأعقاب الذكران على ما لمالك وابن القاسم في السماع المذكور فيمن حبس على ولد بنته أن لفظ الولد عام لكل من يقع عليه اسم ولد المرأة ممن يرجع بنسبه إليها وخلافا لقول الغير المخصص للفظ الولد.
قلت: قوله في هذه الفتوى إنه لا محيد عند القول بالجواز المفهوم من كلام ابن عتاب وابن رشد هو ظاهر في إلغاء رعي العوائد الحاصلة في زماننا، ولذلك جاء فيه بصيغة النفي المستغرقة. وكيف يصح له هذا مع الإجماع على لزوم نقل الأحكام والفتاوي عند نقل العوائد مع ما تقدم من النقل الدال على القول بالمنع المستقرأ من قول ابن القاسم وغيره، والمنقول من أحكام الباجي ومن المدونة وغيرها. وقوله إن من توهم أن في كلام ابن عبدوس خلافا في ذلك فهو سهو لا خفاء به ينبغي أن يقيد هذا النفي العام
[468/8]
[469/8]فإنه أخفى به عنده ولا يطلق ذلك إطلاقا لأن الكلام المنقول عن ابن عبدوس المستدل به أولا وقع فيه تعليل المنع من إحداث رحى على رحى قديمة بأمور:
وسئل ابن عرفة عمن توفي وترك زوجته وأولادا أوصى عليهم، إلا أن في الأولاد ابنة متزوجة في حجرها فبعد موته طلقتها من ثقاف حجرها وبعد شهرين من إطلاقها أشهدت أنها اطلعت على جميع تركة أبيها وعلمتها يقينا وقدر نصيبها منها، وأشهدت أنها سامحت إخوتها في نصيبها وأبرأتهم منه إبراء تاما لمكان ما عندها من الجهاز، وبقيت مدة تزيد على أربعة أعوام من تاريخ إبرائها وأشهدت أيضا أنها أبرأت إخوتها المذكورين في جميع تركة أبيها إبراء تاما مطلقا عاما لم يبق لها معهم من تركته حق، وشكرتها أمها على فعلها وكافأتها بدارهم أعطتها، وهي في هذا الإشهاد كله في عصمة الزوج، وهو حاضر البلد لم يظهر منه تغيير ولا إنكار ولا منعه من القيام مانع ولا بينه وبين زوج أمها مودة ولا وصلة، فلما كان بعد ثلاثة عشر عاما من حين الإبراء قام يطلب أن يرد إبراء الزوجة. فهل له ذلك أم لا؟ لكونه كان حاضر البلد في المدة المذكورة ولا مانع يمنعه من القيام المذكور ولا معارض. وإذا مكن من رد الإبراء المذكور فهل عليه يمين أم لا؟
[417/9] فأجاب: إذا كان عالما بالإبراء المذكور أولا وثانيا فلا قيام له، وإلا حلف حيث يجب الحلف أنه لم يعلم ذلك إلا حين قام منكرا إبرائها، فحينئذ إن زاد نصيبها مما أبرأت منه على ثلث كل مالها يوم إبرائها لم يصح إبراؤها، وإلا صح إبراؤها. وكذلك إذا علم به فسكت لم يكن له رده.
394/10] فأجاب بأن قال : لا يخلو هذا الذي سألت عنه من وجهين : أحدهما أن يكون قبل ذلك القسمة ، والثاني أن يكون بعدها ، فأما إذا كان قبلها فوجه العمل في ذلك أن تنظر الى ما يجب للمقر له من أجزاء الفريضة التي تنقسم منها على الإقرار والانكار وإلى ما أقر أن عنده من ذلك فيطرح من مبلغ الفريضة الأقل مما أقر عنده منها أو مما يجب له منها في حظ المقر فيكون ما بقي بعد ذلك هو الذي ينقسم عليه ما وجد للميت من مال ، ويسمى منه حظ كل واحد منهم ، فإن كان الذي يجب له في حظ الذي أقر به والذي أقر له سواء خرج بما عنده ولم يدخل عليهم فيما وجد للميت من مال بما بقي له ، وإن كان الذي عنده أكثرمن الذي يجب له بالإقرار اقتسم المنكرون والمقر ما وجد للميت من مال على أن المقر منكر واتبعه المنكر ببقية حقه . قال أبو الوليد رضي الله عنه : وقد ذهب بعض الفراض من أهل الحساب إلى أنهم يتحاصون فيما وجدوا للميت من مال فيضرب فيه المنكر منهم بما يجب له على الإنكار والمقر بما يجب له على الإقرار ويتبعون المقر له جميعا بما أخذ زائدا على حقه فيتحاصون فيه أيضا على هذا الحساب ، وليس ذلك بصحيح من جهة الفقه ، لأن إقرار المقر لا يوجب للمقر له حقا في جملة التركة فيصير بذلك الوارث من جملة الورثة وإنما يوجب له ذلك حقا في حظ المقر بعد القسمة فيوجب لهذا المعنى أن لا يتحاصوا فيما وجدوا للميت من مال إلا على أن المقر منكر ، ومعنى آخر أيضا وهو أن المقر والمنكر من الابنين يتفقان على تساوي حقهما في المال لأن المنكر يقول : لي نصف المال ولك نصفه ، لأنك أقررت بباطل والمقر يقول : لي ثلث المال ولك ثلثه لأنك جحدت حقا ، وهذا بين والله أعلم .