تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قلت: أحفظ من خط شيخ شيوخنا الإمام أبي الفضل ابن الإمام رحمه الله أن الشيخ أبا القاسم السيوري أقسم بالمشي إلى مكة ان لا يفتي بمذهب مالك في ثلاث مسائل: إحداهما هذه, والثانية مالك لا يقول بخيار المجلس والسيوري يثبته وفاقا لابن حبيب والشافعي. والثالثة التدمية البيضاء, مالك يعملها والسيوري يهملهما وفاقا لابن كنانة وبه جرى العمل. وقيدت من خط المحدث الحافظ الخطيب أبي عبد الله ابن رشيد(¬1) رحمه الله

[364/1] أن الشيخ محمد بن عبد الملك قاضي مراكش كان يقول: الشعير الذي هو مع القمح جنس واحد إنما هو ما قارب القمح في الدقيق كشعير الحجاز وبعض البلاد, وأما المتباعد فلا. وهو تنبيه حسن لو قيل به انتهى. وقال الأبي في كتاب التفليس من شرح مسلم: وكان ابن الحباب من شيوخ شيوخنا يحكي أنه بتونس جماعة من الظاهرية, فكان بعضهم يشنع ويقول: القط أفقه من مالك في المسألة, فإنه إذا رميت له لقمتان إحداهما شعير والأخرى قمح فإنه يأنف عن الشعير ويقبل على الأخرى. قال وما حكي عن السيوري أنه حلف بالمشي إلى مكة ليخالفن مالكا في المسألة فمبالغة. ولا يقال حلفه على الظن الذي قيل فيه إنه من الغموس, لأنه إنما حلف على أن يخالف وقد فعل.

[تؤخذ الزكاة من الغاصب]

وسئل عن الغصاب يعطون زكاة غنمهم ولا يقدر على رد ما في أيديهم إلى أربابها, هل يقبل منهم؟

فأجاب تؤخذ منهم وتعطى لأهل الحاجة إذا لم يقدر ردها لأربابها, ولا يعرفون ولا تمكن معرفتهم, وغير المحتاج لا يأخذ, وكذلك المقتدي به, قيل أجري وأخذها منهم مجرى أقوال مستغرق الذمة وظاهرالمدونة أن الزكاة تؤخذ منهم من قوله فيمن غصب ماشية فكانت الزكاة تؤخذ منها أجزأت عن أربابها. إلا أن يقال إن هؤلاء معلومين (كذا) وكأن الغاصب نائب عنهم, بخلاف من لم يعلم وتعذرت معرفتهم.

[

وهذا من نحو العفو عن شارب الخمر لقوله عليه السلام اقيلوا ذوي الهيئات زلاتهم أخرجه أبن أبي شيبة والنسائي وهو محمول على الندب وقد يحتمل الوجوب وهذا عكس ما اتفق للقاضي ابي الفضل عياض رحمه الله وهي من نوادره التي اضطره الشرع اليها اقامته حد الخمر على الفتح بن خاقان وذلك أنه قصد إلي مجلس قضائه مخمرا فشم بعض شهود المجلس منه رائحة الخمر فأعلم القاضي بذلك فأمر به فاستثبت في استنكاهه وحده حدا تاما قال ولد القاضي محمد بن عياض : قال لي بعض أصحابنا بعث أبوك إلى الفتح بن خاقان بعد أن أقام عليه الحد صحبتي ثمانية دنانير وعمامة ، وأخبرني بعض أصحاب الفتح بن خاقان أن الفتح قال له بعد أن

[410/2]

[411/2]

أقام عليه والدي الحد عزمت على اسقاط اسم القاضي ابي الفضل من كتابي الموسوم بقلائد العقيان ، قال فقلت لا تفعل وهي نصيحة وقال لي وكيف ذلك ؟ قال فقلت له قصتك معه من الجائز أن تنسى وأنت تريد أن تخلدها مؤرخة . فقال لي وكيف ؟ فقلت له كل من نظر في كتابك يجدك قد ذكرت مثله ودونه في العلم والصيت فيسأل عن السبب فيتوارت العلم بذلك الأصاغر عن الكبائر قال فتبين له ذلك وعلم صحته .

واختلف هل الخطاب متوجه للحكام خاصة دون القائمن أو للقائمين دون الحكام وهذا في التعزيز والأدب وأما الحدود فلا يقال فيها أحد لقوله عليه الصلاة والسلام : إذا انتهت الحدود إلي الإمام فلعن الله الشافع والمشفع فيه زاد في المدونة : وكذا إذا بلغ إلى الشرط أو الحرس فيحتمل ذلك أنهم يقومون مقام الامام كالنيابة عنده ، فلذلك ألحقه مالك بالبلوغ للإمام وقال عمر لولده عبد المالك : يا بني ، اطلب العفو من الله بالعفو عن الناس

[ النظر للمحتسب في ارتفاع أصوات السكارى ]

=فأجاب بأن قال : أما الذي يتزوج المرأة بأنها بكر فيجدها غير عذراء ، والعوام تظن أن البكر ذات العذرة ، وتجهل أن البكر هي التي لم يكن لها زوج ، فإنها مسألة اختلف أهل العلم فيها ، فلم يعذره أشهب بالجهل في ذلك إذا قصر في أمره وترك أن يكتب فيه ، ويسأل إذا كان يجهل ، هل ينفعه هذا الشرط أم لا ؟ فرأى أن الشرط لا ينفعه إلا أن يشترط عذراء ، أو يكون في الشرط بيان مثل أن يقول : فإن لم أجدها بكرا رددتها ، وهو مذهب سحنون ،[386/3]فقد قال في رجل جاهل من أهل الأعراب وقف في السوق فسام برأس هذا الرقيق فقال للتاجر هل فيه من عيب ؟ فقال له التاجر : هذا قائم العينين . فأخذه على ذلك وذهب به ونقده الثمن ، وسأل عن قائم العينين ، فقالوا : الذي لا يبصر بهما . وهو عيب أنه لا ينتفع بجهله ، والبيع لازم له . قال الداودي : ولقد عاودته فيها غير مرة فأبى إلا ذلك ، وقد قيل : إنه يعذر بجهله في ذلك ويكون له ردها إن لم يجدها عذراء ، وهو ظاهر قول أصبغ ، والذي يأتي على مذهب ابن القاسم في الذي يشتري الياقوتة وهو يظنها ياقوتة ، فإذا هي غير ياقوتة ، أن له أن يرد البيع ، خلاف رواية أشهب عن مالك ، وهو أظهر القولين ، وأولاهما بالصواب والله أعلم .

[من تزوج امرأة بكرا وغاب عنها قبل البناء ، فأخذت بشرطها دون أن ترفع للحاكم]

بالواجب، وإن شاءت المطلقة إمساك ما يولد من الحمل دون إنفاق أمسكته، وإن شاءت أسلمته إلى أبيه مسقطة حضانتها فيه إلى سقوطها عنه بالواجب، وتحمل والد المطلقة وأمها للمطلق عقبي كل درك يلحقه في ذلك تحملا لازما لمالهما وذمتهما على السواء بينهما والتضامن، وتفاصلوا على ذلك كله. ثم ولد من الحمل المذكور ولد بقي عند أمه إلى أن تزوجت غير أبيه. وصار الولد عند جدته للأم زمانا، ثم قامت الجدة وطلبت النفقة لحفيدها الولد المذكور من المطلق المذكور. فامتنع المطلق من ذلك وتنازع معها. فاحتج المطلق عليها بإسقاطها حضانة ما عسى أن يرجع إليها مما يولد من الحمل حسبما ذكر في عقد الطلاق، فقالت الجدة ذلك الإسقاط لا يلزمني، لأني أسقطت شيئا قبل وجوده وقبل وجوبه وقبل علمي به، وأنا حين الطلاق غير قادرة على أخذ الولد لو شئت لعدم وجوده حينئذ. وإنما يلزمني إسقاط شيء أقدر في الحين على أخذه أو تركه. فهل يلزم الجدة ما أشهدت به في عقد الطلاق من إسقاطها حضانة ما يولد من الحمل كما يلزم ذلك المطلقة أم لا؟ وإن لم يلزمها ذلك، فهل يكون تحملها الدرك في ذلك مع زوجها مبطلا لقيامها بالحضانة أو مسقطا لحقها فيها أم لا؟ وإن لم يكن ذلك مبطلا لحقها فما يلزم والد المطلقة في تحمله المدرك المذكور؟ بينوا لنا ذلك كله بيانا شافيا فقد نزلت هذه القضية هنا. وانظر ما قاله الفقهاء والعلماء في وثائقهم وغيرها كابن العطار والباجي وابن الهندي وابن أبي حمزة وابن مغيث وغيرهم. كلهم رأوا أن المطلقة إذا التزمت نفقة الحمل الظاهر أو الحمل إن ظهر بها لزمها ذلك حسبما ذكره.

باسم الله الرحمان الرحيم، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم، الحمد لله بجميع محامده كلها ما علمت منها وما لم أعلم، والصلاة والسلام، أبدا على رسوله المصطفى وآله وصحبه على صيغة (كذا) ولفظ أمر به وعلم

[372/5]

وبعد أيها السيد العالم العلم العماد، من عليه في كل المشكلات المعول وإليه الاستناد، فإن معظم على قدركم لما أشرقت على أفقه شمس سمائكم، واستمطر الغيث لغلته وصداه من تلقائكم، أنشد متمثلا، وعلى جوابكم معولا:

أفيضوا علينا من الماء فيضا ** فنحن عطاش وأنتم ورود

فسقي عذبا زلالا، وقال طربا لربه: ** هكذا هكذا وإلا فلالا

استصوابا واستعذابا لذلك الجواب، وما اشتمل عليه من نفيس القواعد وبديع الإعجاب، وسلمت أن ذلك من الآلاء التي يلزم ذكرها، ونعمة بأي لسان يكون شكرها، ففي خلال التأمل في ذلك والنظر، وإعمال التفكر والفكر، وبديع جوابكم خواطر أبحاث وشكوك زعم الفكر أن مسلك التقصي عنها هو بالنسبة إليها صعب الشروع وعر السلوك، وأراد مرجعتكم في حل مقفلها، والاسترشاد منكم في بيان مغفلها، وطالما صرفته عن ذلك ودفعته، وقيدته عن امتطاء صوتها ورفعته، فأبى إلا الإقدام والمراجعة، وند عن الإحجام والتأخر لذلك النبذ والمدافعة، وأنشد يقول، ويشتد ويصول:

فإن لم تكن تدري ولم تك بالذي ** يسائل من يدري فكيف إذن تدري؟

فقلت: ما الذي حملك بأن تعرض نفسك على صحيح المحك، فيستيقن منك عدم الإبريزية بعد السبك، وتفتضح بظهور بهرجك الزائف، إذا عرضت طعامك على الناقد العارف، لا سيما وعنده من خالص الإبريز ما تظهر به بضاعتك مزجاة، وحجتك داحضة مرجاة، وتسفر عن نفسك بقصر الباع، وتبدي ما أنت عليه من قلة المعرفة والاطلاع، وهبك عندك نبذة من العلوم، أو لديك نزر من الفهوم، أليس قد قال أولو الحكمة، لا تظهر لعالم مع علمه علما فيحرمك علمه، فأبى بعد هذه المحاورة، إلا العناد

[373/5]

فظاهر قوله يريد لأنه فات على ملك بائعه، إذا لم ينعقد فيه بيع لفساده ففي كلا الأمرين الثمن والقيمة. وما الظاهر من قول مالك والرواة ذلك بل الظاهر من قولهم: فلا قيمة إذا فات أن الجواب الثمن بعد الفوات كما هو صريح قول المغيرة بن عبد الرحمان ووجهه ابن عبدوس. فإن فساده في عقده لا في ثمنه، كالنكاح الفاسد من جهة عقده. وأما أن القيمة والثمن يسقطان وإن اتصل به القبض والفوات، كما فسر به هذا الحبر مراد مالك، والرواة، فلم نظر أحدا من الأئمة قبله ولا بعده ساعده عليه، فضلا عن أن يعزوه إلى مالك أو يضيفه إليه. نعم في أجوبة ابن رشد ما نصه:

وفي المذهب قول شاذ يرى أن البيع الفاسد لا ينعقد وأن مصيبته من

[474/6]

البائع ولا يفيته بيع ولا غيره. وقاله جماعة من أهل العلم في غيره. انتهى وذكر بعض من قيد على ابن الحاجب أن القاضي إسماعيل حكى عن بعض من صدر أن الضمان من البائع، ولا ينتقل إلى المشتري ولو فات المبيع بيده كوديعة عنده، بناء على أن العقد الفاسد معدوم شرعا. فهو بيد المشتري كوديعة. وفي التوضيح: أن أصل سحنون في كل بيع حرام أن البيع غير منعقد وهو بعد القبض على ملك البائع.

وعلى صحة إضافة هذه النقول إلى المذهب المالكي فيتحصل لنا من الخلاف فيما يضمن به الفاسد بعد العقد ستة أقوال: ابن القاسم بالقبض. أشهب به أو بتمكين المبتاع من السلعة أو بنقده الثمن. سحنون إنما يضمن ضمان الرهان لا مطلقا. ورابعها تفصيل المغيرة. وخامسها تفسير ابن حارث. وسادسها حكاية الأجوبة والقاضي والتوضيح. وانظر حفظكم الله هل يقيد إطلاقه نقل الأجوبة والقاضي والتوضيح أم لا؟ لما تقدم من تعليل القاضي فحققوا ما يصحح تفسير ابن حارث وتفصيله رواية أو نظرا أو هما. ولكم الفضل والمنة. فأجابني رحمه الله بما نصه:

[لا رجوع بالعيب لمن تطوع بعدم القيام به]

المسألة الأولى: في الدار التي وجد فيها مشتريها غارا وقد كان تطوع أن لا يرجع بعيب.

402/7] انقراضه وإنما يصح لحوق التعقيب واردافه فيما يكون اسم الولد فيه مخصوصا بولد الأعيان دنيا, فيسوغ حمل الأعقاب ‘ذا عليهم لأنا نوقعه حينئذ على عقب من يكون منهم وقوع النسل ووجود العقب, ولو كان هذا التعقيب مفردا بولد البنات وخالصا لهم بإفصاح من قول المحبس مثل أن يقول على ولدي وعلى أعقاب إناث ولدي, فيدخل ولد الذكران بقوله على ولدي, ويدخل ولد الإناث بقوله وعلى أعقاب الإناث ولدي لصح ذلك التعقيب لوقوعه على عقب من يكون منه العقب والنسل, فإن لفظ الولد في بنات المحبس واقع منهم على بنات الصلب أبدا على أعقابهم لكن لفظ التعقيب جاء مجملا لم يرد منه عقب من عقب فوجب أن يبطل في هذا وهذا, إذ لا يصح أن تكون لفظة التعقيب صحيحة سقيمة, مستعملة مهملة في جور, ولا يسوغ أن يثبت حكم التعقيب ومعناه إذا كان الولد في حكم العموم ومعناه, فيكون اللفظان محكمين يدخل الولد في الحبس من جهتيهما للتنافي الواقع بين معنييهما, ولابد من أن يكون دخول أولاد أولاد المحبس من جهة التعقيب المضاف ضميره إلى آبائهم أبناء الخصوص, لا يدخل به إلا أعيان الولد, وبالتعقيب تدخل الأعقاب, أو يكون دخولهم من جهة لفظ الولد المضاف ضميرهم إلى أبيهم المحبس في قوله ولدي فيكون له حكم العموم المبطل لحكم التعقيب, فمن كان ولدا دخل, ومن لم يكن ولدا لم يدخل وإن عقب فلا معنى للتعقيب لأنه في حكم الاتباع الملغي, وحيز المهمل الذي لا يحصل ولا يراعي, وعلي هذا التأويل يدل قول مالك رحمه الله في المجموعة, ونصه: من قال ملكي ومن قال داري حبس على ولدي فإن ولد الولد يدخلون مع الآباء بقول الله عز وجل ﴿ يوصيكم الله في أولادكم ﴾ فكان ولد الولد كالولد في عدم الولد, قال مالبك وإذا قال حبس على ولده وولد ولده لم يدخل فيه ولد البنات, لأنهم من قوم آخرين, وكذلك الصدقات والأحباس, لأنهم لم يدخلوا في آية المواريث, فبان بقوله لأنهم من

[

ومنها مراعاة قول بعض أيمة السلف لو أدركت الناس يتوضؤون(¬1) إلى الكوعين وأنا أقرؤها إلى المرفقين لتوضأت إلى الكوعين يشير بذلك إلى الحض على الاقتداء بمن تقدم في فعله وطريقته وإن كان قد أدرك من القول ما لا يشك فيه أنه من الشرع لكنه لما كان على علم أن الفضل للمتقدم بما عنده أن يكون غاب عنهم ما انتهى إليه من أقول السلف فاتهم نفسه لا من تقدم.

ومنها مراعاة ما علم من عادة الفضلاء من بناء أمورهم في فتياهم وقضائهم على اتباع من قبلهم ممن أدركوه من الشيوخ والفقهاء في فتوى أو قضاء أو تقييد نص في قضية شرعية عقلية وإن كانوا على علم أن في القضية مخالفا لهم ممن تقدم زمانهم وأنهم يكرهون تغيير عوائدهم والعدول عنها ما

[460/8]

[461/8]أمكنهم استدامتها وإن خالفوا يوما ما اعتذروا عن مخالفتهم لأشياخهم.

ومنها أنا إذ عرفنا عادة في قضاء أو فتيا من أدركنا من القضاة والمفتين ووجدنا لهم في ذلك مستندا في كلام ممن تقدم من السلف ينبغي لنا أن نقف عند عادتهم وأن نأخذ بعملهم ولا نتعداه إلى غيره، وإن وجدنا خلافا عن الفقهاء في القضية، وإذا فعلنا ذلك كنا أسلم فيما أفتينا به أو قضينا فيه وكان اتباعنا لهم في ذلك إبراء لديننا وعرضنا، وكان ذلك منا أقوى في نفوسنا، لا سيما إذا كان القول المخالف لما وقع في القضية مشكلا علينا كالخلاف في هذه المسألة المتكلم الآن فيها، إذا ثبت هذا وعدنا إلى الكلام في شرح القضية والاستدلال عليها بما يجري هذا الأسلوب.

وسئل رحمه الله عن مقدم على تنفيذ ثلث ميت إذا أراد مقاربة الورثة

[407/9] ومسامحتهم وقد جعل له في التقديم أنه لا اعتراض عليه من حاكم أو غيره بوجه من الوجوه، هل للحاكم النظر في تحصيل الثلث والحوطة عليه، ثم بعد يفوض نظره إليه إذ التفويض إليه إنما هو في أمر التفريق وحده؟ أم لا سبيل للحاكم إليه؟

فأجاب: تصفحت السؤال الواقع فوق هذا ووقفت عليه ولا يجوز للمقدم على تنفيذ الثلث مقاربة الورثة في تقويم مال المتوفى ولا مسامحتهم في ذلك، وإن اتهمه القاضي بذلك شرك معه من يثق به في تحصين الثلث ثم يكمل تنفيذه إليه في الوجوه التي جعل إليه تنفيذها فيه، أو فيما يراه باجتهاده إن كان فوض إليه النظر في ذلك لقول الموصي، ولا اعتراض عليه من حاكم ولا غيره، وهذا في الموصى المأمون، وأما غير المأمون الذي يخشى عليه أن يتقبض على الوصية ولا ينفذها فيكلفه إقامة البينة على تنفيذها على معنى ما وقع في سماع أشهب من كتاب الوصايا. فإن لم يأت بالبينة على ذلك ضمن إن كان مشرفا معلقا وإن كان متهما ولم يكن بهذه الصفة استحلف ولم يضمن إلا أن ينكل عن اليمين وإن كان مأمونا لم تكن عليه يمين وهو محمول على أنه مأمون حتى يثبت أنه غير مأمون وبالله التوفيق.

وسئل رحمه الله عن رجل توفي وقد أوصى بوصايا منها عتق جارية له وذكر في وصيته أنها ذكرت له أنها حامل منه واعترف بوطئها. فما ترى إن ظهر حملها وخرجت من رأس المال؟ هل تنفذ الوصايا كلها في الثلث بقية المال؟ لا سيما وقد ذكر عند الوصية بما أوصى به ما بلغه من حملها. أم في المسألة نظر لكونها لو لم تحمل مبرأة؟ فلما خرجت بالحمل من رأس المال كانت الوصايا فيما زاد على قيمتها أمة من الثلث والباقي للورثة، بين لنا ذلك مأجورا إن شاء الله.

فأجاب : الحمد لله لو ثبت أن المال لموروثهم كما زعموا وأقر في صحته عند قبضه أنه لأولاده وأنه نائب عنهم في قبضه لصغرهم وحجره عليهم فالمشهور من المذهب صحة ذلك ، وهو مذهب ابن القاسم المعمول به عند القضاة سواء سبب الأب لذلك سببا أو لم يسبب ، علم للولد مال أو لم يعلم ، وإنما أقر أجنبي والدهم إنما يطالب وعمرت ذمته لأولاده بما قبض من الأجانب ، فطلب ذلك متوجه عليه لقبضه إياه ، ودعواهم أن سكوت الأولاد عن الطلب لوالدهم مدة الثمانية عشرة عاما يمنع من طلب ذلك بعد وفاته باطلة لما وقع لابن رشد في نوازله لما سئل عن حق له خمسة وعشرون عاما فقال لايبطل حق أحد وإن قدم ، فالمقتضى لطلب هذا الحق من تركة الأب والحكم للأولاد به على تركته قائم بنصوص أهل المذهب وإسقاطهم الطعن والمقال فيمن شهد للأولاد المذكورين بذلك وهم شهود الوثائق المذكورة والمعارض له لا يصلح للمعارضة لأنه مشكوك فيه ، بل هو موهوم ، والمقتضي إذا وجد لا يعارضه المانع المشكوك فيه ، وقد تكلم العلماء على ذلك واستدلوا على ذلك بمسائل في المذهب لا نطيل بجلبها . وما زعمه المنازعون أن ظاهر الأمر وصغر الأولاد وعدم قدرتهم على التكسب يدل على أن ذلك للأب ونسبه إلى أولاده فالظاهر لا يعارض النص لقبوله التأويل لأن متعلق الحكم اليقين ولو ثبت أن المال للوالد وأقر أنه لأولاده فقد تكلم على ذلك أئمة مذهب مالك رحمه الله كسحنون وابن أبي زيد ومحمد بن عمر بن لبابة والقاضي محمد بن يبقى بن زرب والقاضي أبو الوليد بن رشد وحملوه محمل الهبة والصدقة وتضافرت أقوالهم بذلك .

382/11] وأن رأيه حينئذ إنما هو ترجيح أحد أقوال إمامه واستمرار من قواعده، مقول بحسب القدر المشترك، وهو المرتضى عنده. هذا وفي إشعار الرأي بعدم الاتباع للغير ما فيه، فقد قال ابن أبي أويس: قيل لمالك: قوله في كتاب الموطأ: الأمر المجتمع عليه عندنا وببلدنا وأدركت أهل العلم وسمعت بعض أهل العلم، فقال: ما أكثر ما في الكتاب برأيي فلعمري ما هو رأيي، ولكن سماعي من غير واحد من أهل العلم والفضل، والأيمة المقتدي بهم الذين أخذت عنهم وهم الذين كانوا يتقون الله عز وجل، فكثروا علي، فقلت رأي، وذلك رأي، وإذا كان رأيهم مثل رأي الصحابة أدركوهم وأدركتهم على ذلك فذلك وراثة توارثوها قرنا عن قرن، إلى زماننا، وما كان رأيي فهو رأي جماعة من أهل العلم، وما كان فيه الأمر المجتمع عليه فهو ما اجتمع عليه قول أهل الفقه والعلم ولم يختلفوا فيه، وما قلت: الأمر عندنا فهو ما عمل به الناس عندنا وجرت به الأحكام وعرفه العالم والجاهل، وكذلك ما قلت فيه: ببلدنا، وما قلت فيه: بعض أهل العلم، فهو شيء استحسنته من قول العلماء، ولم لم أسمع منهم فاجتهدت ونظرت على مذهب من لقيته، حتى وقع ذلك موقع الحق، أو قريبا منه حتى لا يخرج مذهب أهل المدينة وآراءهم، وإن لم أسمع ذلك بعينه نسبت الرأي إلي بعد الاجتهاد مع السنة، وما مضى عليه أهل العلم المقتدي بهم والأمر المعمول به عندنا من لدن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والأيمة الراشدين، مع من لقيت، فذلك رأيهم ما خرجت إلى غيرهم فانظر إلى تفسير مالك رحمه الله الرأي وتأمل كلامه في هذا الجواب. وإنما أوردناه لتعلم أن جوابنا عن رأي ابن القاسم إنما هو على تسليم عدم اتباعه فيه لأحد.

المعيار المعرب والجامع المغرب · الجزء ١ · الصفحة ٤٦٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

المعيار المعرب والجامع المغربج ١ · ص ٤٦٩