قال القاضي أبو الفضل في إكماله: وكما أن الله تعالى جعل من ملائكته مستغفرين لمن في الأرض ومصلين على من صلى على النبي عليه السلام, وداعين لمن ينتظر الصلاة فكذلك يجعل فيهم من يؤمن عند تأمين المؤمنين أو عند دعائهم. انتهى وقاله غيره. وفي الصحيح: إن ذكرني في ملإ ذكرته في ملأ خير منهم. قال أهل العلم في تفسيره أي عن ذكرني في ملأ من الناس بالدعاء والتضرع ذكرته في ملأ من الملائكة الذين هم أفضل من ملأ الناس بالمغفرة والرحمة والهداية, وكأنه لما خيف على الناس من الإنهماك في الإشتغال بالدنيا عن الآخرة وبهموم أولادهم عن ذكر الله جعل لهم في مجتمعهم للصلوات وهو مظنة الاستجابة اجتماع على الدعاء, وأكثر الخلق عوامهم, والظاهر من حالهم القصور عن المعرفة المكملة بالأدعية ومعاني ألفاظها, وأئمتهم في الغالب أعلم منهم بها, فخصوا بالتقدم إلى الدعاء, والغير من المصلين خلفهم بالتأمين, والمؤمن أيضا داع. ودعاء المؤمنين للمؤمنين مرجو البركة قوي في باب الإجابة. ومتى يقدر الشخص الواحد على إحضار جماعة يستوفيهم كلهم بالرغبة فيه إلى الله والتضرع. وقد ورد: المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا. وفيه الحض على تعاون المسلمين وتناصرهم وتآلفهم وتراحمهم إلى غير ذلك. ومن المعلوم أنه لا أفضل للعباد من وفائهم بما أوجبه الرب جل جلاله عليهم من المفرض, وندبهم
[
وقد تدور عند حكامنا شهادات ولا إعذار فيها بلا اختلاف بين من أدركنا ولا بين من مضى من مشايخنا.
منها ما ينعقد في مجالس الحكام من المقالات والإقرارات والإنكارات بشهادات من يحضرها عندهم من المقبولين في الدماء والفروج والأنساب والنكاحات والطلاقات والموال وغيرها من صنوف الحقوق كلها فلا إعذار في شيء من هذه الشهادات من يغدر بهم الحكام إلى من تحجبه الأحوال المانعة من مشاهدة مجالسهم فلا يجدون بدا من الإعذار إليهم وربما كان باثنين أو أكثر على ما يراه الحاكم فلا إعذار في ذلك كله بإجماع ممن مضى وممن بقي.
[335/2]
[336/2]
ومنها شهادات من يوجههم الحكام الى امتحان ما لا غنى بهم عن امتحانه ممن يثقون به، والى حيازات ما يشهد عندهم مما لا بد من أن يجاز إلي تنفيذ ما لا يمكنكم انفاذه في مجالسهم، وإلى معاينة شخوص وأعيان في ضروب شتى لا يمكن نقلها إلى مجالسهم لأسباب يطول ذكرها. ولا أعذار في شيء من هذه الشهادات عندهم باجماع ممن مضى وممن بقي. ربما اكتفي في كثير منها بواحدة، فهل هذه كلها الا شهادات؟ وهل بينها وبين غيرهم فرق في شيء؟
ومنها استفاضات الشهادات المشهود بها عند الحكام في الأنساب القديمة والحديثة، وفي الموت القديم والحديث، وفي النكاحات القديمة والحديثة، وتواريخ أقضيتهم ومددها، وفي الولاء القديم، وفي الأحباس المتقادمة، وفي الضرورات تكون بين الأزواج وفي أشياء سوى هذه يطول ذكرها. وفي بعض ما ذكرناه كفاية عن بعضها. فهل هذه كلها الا شهادات كالتي قبلها؟
=فأجاب : الأولى أن يسأل أولا : هل يكشف جسم الرجل للاختبار أم لا ؟ وفيه تفصيل ، وقد يغلط فيه قصير الباع ، فإذا وقع الكشف وثبت ، فإن الرواية وقعت بما يقتضي قبول مثل هذا في الكشف ، وعلل قائل هذا بأنه علم يقتبس ولا يجري مجرى الشهادات ، ولست أرى هذا مطلقا إذا قدر على تحصيل ما هو أثلج للصدر ، فينبغي أن يؤمر العدول باختبار هذا هل هو مما فيه رائحة أم لا تؤدي إذايتها مع المجالسة والمضاجعة ، فإن قالوا : لا رائحة امتحن موضعه برأس إبرة ، فإن تغير واحمر لونه ودما مكانه فليس برصا ولا مقال للمرأة فيه . وهذا قول قدماء الأطباء ، ولا أعلم وجها أوثق من هذا ، وما في الزمان طبيب يخترع فيما علمت ، قلت : وقد صار الطبيب منهم المعالج بالكنانش العظيمة . فيعرض ما قلناه على الذمي ومن ليس بعدل من أهل الطب ، فإن قالوا : لا دليل سوى ما قلناه . فهو أمر حسي ضروري فلا يقتصر فيه على من ذكر ؛ لأنه تغرير بالأحكام الشرعية أن تقتصر على الظن الضعيف مع القدرة على ما هو أقوى ، فإن قالوا : عندنا دليل غير ذلك . فهم قالوا عن كتب ، فيطالبون بها حتى يقف القاضي عليها فينظر فيها من يوثق به ، وإن كان لم يدم ولم يتغير مع النخس وله رائحة تؤذي الجالس ، ويخشى منها توهم العدوى التي يذكرها بعض الفلاسفة ، وإن كان الشرع أنكره فما مراده إلا غير ما أشرنا إليه ، وقد ذكرناه في المعلم ، والأصح هنا إثبات الخيار للمرأة إذا أثبت أنه برص واضح كثير ، ويعلم تناهيه واستيلاؤه على أكثر الجسم ، وتطلب القوة المعتبرة في الكبر .
[شهود يشهدون أن فلانا غاب عن زوجته خمس سنين ولم يترك لها نفقة ولا بعث إليها بشيء]
فأجاب: أما من قيل له تتزوج فلانة فقال هي علي حرام أو طالق، فهذا مما اختلف فيه شيوخنا، فكان شيخنا ابن عرفة في وسط عمره في فتواه وتدريسه يرى لزوم الطلاق، ويقول هو مذهب المدونة في قوله فيمن خالع زوجته ثم قيل له ستراجعها فقال هي طالق أبدا. وحدثني شيخنا أبو محمد رحمه الله أنه كان ينقل عن شيخه وأظنه السكوني عن ابن قداح أنه كان يفتي بعدم اللزوم، وبه أفتى شيخنا أبو العباس ابن حيدرة، وأظن أنه أخذه عن ابن قداح لأنه شيخه. وأفتى به شيخنا في آخر عمره، ومرة قال أفتى به بعض شيوخ الوقت ومن أخذ به لم أعنفه، بعد أن حكى اختياره واستمر عليه في آخر عمره. ويوجهون ذلك بأن العامة لا تقصد التعليق ولا تعتقده، وكأنهم يقولون هي عليه حرام من الآن والمستقبل، وهذا لا يلزم به شيء، إذ من شرط الطلاق المحل، إما وجودا أو تقديرا، وكل واحد منهما منفي الآن، فالطلاق منفي. وكان شيخنا أولا يجيب عن هذا التوجيه بأن يقول: العامة لا تقدر أن تكني عن التعليق بمثل هذه الألفاظ، وأما أنها لا تقصده فإني أمنع.
[3340/4]
[341/4]
ذلك، بل تقصده، لكن لا تقدر أن تعبر عنه، والذي جرت عليه فتوانا في هذا الزمان جواز النكاح وعدم لزوم الطلاق التحريم، لما تقدم أنه قول جل الشيوخ، وللاختلاف القوي في لزوم الطلاق بل الملك وعدم لزومه، وبه قال خلق كثير خارج المذهب على ما حكاه ابن عبد البر. وقول في المذهب على ما حكاه المازري عن شيخه عبد الحميد والطبري عن مالك.
وسئل سيدي عبد الله ابن السيد أبي عبد الله الشريف التلمساني عمن قال لزوجته أنت علي حرام ولم ينو الثلاث، واطلع على ما في المسألة من الخلاف وهي خمسة عشر قولا، من جملتها طلقة واحدة بعد الدخول بائنة أو رجعية، واتفق مع الزوجة على تقليده فقلده وعقد النكاح على ذلك.
فأجاب: يتركان وتقليدهما، وليس لقاضي الموضع أن يتعرض لهما والله تعالى أعلم.
[من خالع زوجته بقوله متى حللت حرمت]
أجبت: إن عنى أن التجار يجيبون عن هذا بأن التحامل يقع على البائع دون المشتري فهذا غير مسلم، وهاتان طائفتان عظيمتان وهم التجار والحاكة قد اختلفوا في ذلك، وإن عنى غير ذلك فلا يضرنا، وفيما ذكرت من التقسيم فيه إلى الثلاثة الأقسام ما يغني عن سؤال التجار وغيرهم، ونحن نشاهد غدوا وعشيا المشتري الشديد الغرض في تحصيل السلعة يحيف على نفسه بالدراهم الكثيرة زيادة على قيمتها مع علمه أن تلك الدراهم يدفعها للبائع ولا ينتفع بها بعد ذلك في شيء، فكيف إذا اشتد غرضه لا يحيف على نفسه بدرهم واحد مع علمه أنه باق له يدفع به عن نفسه،؟ فكيف مع هذا يحكم أن الحيف بذلك الدرهم دائما إنما يقع على البائع؟ كيف ونحن نشاهد الشديد الحرص على السلعة يشتريها بثمن ثم يبدو له فيبيعها من حينه فلا نجد مشتريا إلا ينقص الدراهم الكثيرة مما يشتري، فها هو ذا قد تحامل على نفسه في الشراء بالدراهم لأجل غرضه، فكيف بدرهم واحد؟ قال رضي الله عنه فكيف يمكن أن يسوغ للمشتري الانتفاع بهذا الدرهم مع ما على البائعين في ذلك من حطيطة الثمن؟
أجبت: لم تقدموا ما يدل على أن حطيطة الثمن أمر لازم لا بد منه، ثم ههنا ما يدل على خلاف حطيطته، فإنا نقول لا شك أنه من جملة ما كان يتفق في سوق التجار قبل هذا التوظيف أن يأتي الحائك بسلعة فيعرضها للبيع فيكون بالسوق قوم من غير التجار فيطلبون أن يشتروا من النداء للباسهم لا لتجارة، فتراهم يتزايدون في السلعة حتى تنقطع زيادتهم فيها ويسلم كل منهم في بيعها ويزيد التاجر على ما بلغوها هم إليه ويأخذها دونهم، وهذا شائع ذائع لا يزال يتفق، فإذا وظف التجار هذا الدرهم على أنفسهم فما ترون أيبقى هذا التقرير ممكنا كما كان أم تزعمون أنه لا تقع مزايدة بين التجار وغيرهم في سلعة إلا غلب غير التجار بالزيادة حتى يسلم فيها التجار ويأخذها غيرهم؟ فإن ادعيت أن التجار لا يمكن أن يتزايدوا في سلعة مع غير
[
منه لحفظ أقوال مالك وأصحابه وظاهر قول المازري في كتاب الأقضية إن فعل هذا لا يجوز والله أعلم.
[الدعاء على الهيئة المعهودة عقب صلاة الفرض]
المسألة السابعة: حاصلها ما حكم الدعاء على الهيئة المعهودة في هذه الأعصار عقب صلاة الفرض. وقد سألني عنها بعض الواردين علينا من مدينة سلا منذ عشرة أعوام
والجواب: إن إيقاعه إن كان على نية أنه من سنن الصلاة أو فضائلها فهو غير جائز، وإن كان مع السلامة من ذلك فهو باق على حكم أصل الدعاء عبادة شرعية فضلها من الشريعة معلوم عظمه. ولا أعرف فيها في المذهب نصا. إلا أنه وقع في العتبية في كتاب الصلاة كراهة مالك الدعاء بعد الصلاة قائما، فمفهومه عدم كراهته جالسا. وفي العتبية أيضا كراهة مالك الدعاء عقب ختم القرآن. ولكن الأظهر عندي جوازه. وقد وردت بذلك أحاديث في المصنفات كسنن النسائي وغيره ولا يخلو بعضها من كون سنده صحيحا. وأما البدع فقد تكلم الناس عليها متقدم ومتأخر، كالقرافي وعز الدين قسموها إلى أقسام. والحاصل استنادها إلى ما شهد الشرع بإلغائه أو باعتباره، أو ما ليس بواحد منهما وبحال النظر في جزئيات المسائل طويل. والله أعلم.
[حكم ذكر خطيب الجمعة الصحابة والسلطان]
المسألة الثامنة: وحاصلها ما حكم ذكر خطيب الصلاة في خطبته الصحابة رضوان الله عليهم والسلطان سده الله؟ وما قول من قال إن ذلك بدعة إما قول إن ذلك شرع ولا يخالف، أو واجب لا يترك إلى آخره.
والجواب: أن نقول هذا مما تقدم ذكره من البدع المحدثة. فأما بدعة ذكر الصحابة رضي الله عنهم في ذلك فهذا عندي جائز حسن، لاشتماله
[384/6]
321/7] في أول ولد يتزايد لمحمد ولا مدخل لثان ولا لغيره, مما يولدلمحمد في هذه, ويزيد في هذا النظر في بفظ الوثيقة ويرشد إليه وقوع نظيره, بأثر ذلك وهو قوله في ولدي ابن راشد وعلى أعقابهما من الذكور أيضا, ما تناسلوا وامتدت فروعهم الذكور منهم دون الإناث, ثم قال فإن انقرضا أو انقرض عقبهما رجع ذلك حبسا مؤبدا على جامع الصابرين فإن عمل الأمر في قوله أو انقرض عقبهما رجع على الجامع على العقب المذكور وهو الذي عيد الواقف عليه, وإلا فقد كانت لفظة العقب شاملة للذكر والأنث ما لم تحل بينه وبين الميتة أنثى والولد والنسل لكن خصصنا هذا اللفظ العام بالذكر, ولما كان لهم التحدث عنهم وأجوبة الأئمة في مسائل الوقف مشحونة بتخصيص العموم من ألفاظ الواقفين بمثل ما ذكرته, فتحصل ان العرف صاحب المرجع فيما ذكرت لا للعاصب ولا للجامع والله الموفق بفضله وكتب قاسم بن سعيد بن محمد العقباني لطف الله به.
وتقيد بعقبه ما نصه: أشهد الشيخ الفقيه الإمام العالم الصدر الأوحد المفتي المدرس المحقق الحجة أبو القاسم العقباني أعزه الله تعالى أن الجواب المقيد عقب السؤال أعلاه جوابه وخطه وهو الذي أفتى به شهد عليه دامت سيادته بذلك وهو بحال كمال الاشهاد عليه في أواخر صفر عام خمسة وعشرين وثمانمائة محمد بن عيسى البطوئي, ومحمد بن عبد الله, وتقيد عقب الجوابين معا, أعلم باستقلاله قاسم بن سعيد بن محمد بن محمد العقباني لطف الله به. مسألة من العمرى المعقبة نزلت بالحربيين من أهل فاس.
[شرط صحة العمرى معاينة البينة للحوز]
369/8]المسجد وكان قد عمر أحباس المسجد يزرع بعضها ويعمر غيره بعضها وأنفق في ذلك نفقة فما له من ذلك؟.
فأجاب: الحكم في الإمام المذكور إذا انصرف عن ذلك أن له غلة ما قد كان زرعه من تلك الأرض وعليه ما ينوب الأشهر المستقبلة بعد انفصاله إلى وقت الغلة. وأما ما لم يزرع وعمر ودمن(¬1) فيخير الناظر في الأحباس أو الذي له اليد على تلك الأرض إن شاء ترك له تلك الأرض يستغلها تلك السنة بكرائها إلى تمام الغلة إن شاء أعطاه قيمة حرثه وعمارته وتدمينه وينصرف عن الأرض جملة وما كان قد أكراه من أرض تلك القرية بالكراء لازم بحاله وله منه مقدار ما ينوب خدمته للمسجد من أشهر السنة والسائر لم يستأنف الخدمة ولا يلزمه الانفصال عن القرية من ظهور جرحة إلا أن يتفق أهل الموضع وأهل العقد والحل منهم على فصله.
وسئل عمن اكترى فدانا فزرعه كتانا فأجيح بالفراشة وهلكت الغلة هل يسقط الكراء أم لا؟
فأجاب: المكتري مطلوب شرعا بما التزم إذا شاء صاحب الأرض إلا أن يشهد شهود عند القاضي بأن ذلك الفراش الذي أكل الكتان كان كامنا في جوف الأرض وأنه يسوخ فيها كما يسوخ الجراد وأنه من عيب الأرض فإن ثبت هذا بشهادة سقط الكراء.
[من عمر أرض غيره من غير شارطة]
وسئل عن رجل عمر أرضا لغيره ولم يكن بينه وبين صاحب الأرض شرط في جزء معلوم ولا جعل معه شيئا من البذر هل يرجع لعادة الموضع أو يكون حكه غير ذلك وعادة الموضع أن تعمل الأرض بالثلث ومنها بالربع؟
فأجاب: الحكم في ذلك وجب كراء الأرض على الذي عمرها
[369/8]
[370/8]وزرعها فله زرعه وعليه في الأرض كراء المثل لصاحبها إذا كان عن إذنه من غير اتفاق على شيء كما ذكر في السؤال.
وسئل عن رجل له كتان فأعطاه لمن يعمله من دبغ ودرس ونفض وغير ذلك ويأخذ منه الربع.
وأما مسألة ابن المواز وهي: من دبر أمة على أن ما تلده فهو رقيق فرجه الفرق بينها وبين مسألة التدبير التي اشترط فيها عدم الرجوع وتتبين بذكر قاعدة وهي أن حمل اللفظ على معناه المجازى على دلالة الوضع على المعنى الحقيقي، فإنها إن لم تكن راجحة لزم الاحتمال إن كانت مساوية لدلالة الوضع، ويتعين المعنى الحقيقي إن كانت دلالة القرينة مرجوحة، فأما إن كانت دلالة القرينة المجازية راجحة علم أو قصد المتكلم مجاز اللفظ، ومثال القرينة الراجحة على الدلالة الوضعية اشتراط اللزوم في لفظ الوصية أن الخيار في لفظ التدبير، ألا ترى أنه بلغ من اشتهار الوصية بعدم اللزوم واختصاص التدبير باللزوم أن اعتقد فيهما أنهما فصلان آتيان لحقيقتهما كما أشار إليه الفقيه القاضي أبوعبدالله المقري رحمه الله، فلذلك كان ذكر المتكلم خاصة أحدهما قرنة في إرادته إذا عبر عنه بلفظ الآخر، ومثال القرينة الخفية حكم الولد في التبعية، فإن ولد الموصى بعتقها لا يتبعها، وولد المدبرة يتبعها فلخفاء هذه القرينة لم تكن دالة على قصد المتكلم المجاز بلفظ التدبير، فلذلك حمل اللفظ على حقيقته لظهور دلالته الوضعية السالمة عن معارضة القرينة الراجحة والمساوية وألغى فيها شرط إرقاق الولد لمنافاته حكم حقيقة التدبير.
غ: الرابع قوله: لإمكان صرف إلى قوله: علتهما واحدة كما بيناه.
[332/9] ز: تقرر أولا كلام إلى قوله وليس إلا الفرق بالحكم.
فقلت : اليمين على وجه الشك غموس . قال ابن يونس : والغموس الحلف على تعمد الكذب أو على غير يقين ، ولا شك أن الغموس محرمة منهي عنها ، والنهي يدل على الفساد ، ومعناه في العقود عدم ترتب آثاره عليه ، فلا أثر لهذه اليمين ويجب أن تعاد . وقد يكون من هذا اختلافهم فيمن إذنها السكوت فتكلمت هل يجتزى بالكلام ؟ والإجزاء هنا أقرب لأنه الأصل ، والصمات رخصة لغلبة الحياء .
فإن قلت : البت أصل ونفي العلم إنما يعتبر عند تعذره .
قلت : ليس رخصة كالصمات ، وليس المحل بالذي يحرم فيه الكلام .
ألا ترى الثيب ، ولو تمسك بالأصل وجعل كلام الثيب للضرورة ليس التحريم كالتحريم .
[من وجبت عليه أيمان مختلفة حلفها مفترقة ولا تجمع]
وسئل ابن عتاب عمن وجبت عليه يمين في دعوى وردت عليه يمين .
فأجاب بأنه لا يجمع ذلك في يمين واحدة ، ولابد من يمينين مفترقين .
قال: قال الشيخ أبو الحسن الشاذلي رحمه الله: أكرم الله المومنين وإن كانوا عصاة فاسقين، وأمرهم بالمعروف، وانههم عن المنكر واهجرهم رحمة بهم لا تعززا عليهم، فلو كشف عن نور المومن العاصي لطبق السماء والأرض، فما ظنك بالمومن المطيع ويكفيك في تعظيم المومنين وإن كانوا عن الله غافلين، قول رب العالمين: ﴿ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا﴾ الآية. فانظر كيف ثبت لهم الاصطفاء مع وجود ظلمهم. واعلم أنه لا بد من وجود مملكته من عباد هم نصيب الحلم ومحل ظهور المغفرة والرحمة. وحوه للفخر في شرح أسماء الله تعالى الحسنى له، إذ السر في تكوير الشمس يوم القيامة، أن نور الإيمان قدظهر فصار كالصباح بالنسبة إليها. فظاهر هذا الكلام والذي قبله أن الأصناف كلها في أمة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.
وبه قال أبو سعيد الخدري وعائشة أم المؤمنين رضي الله عنهما، قالت: ودخلوا الجنة ورب الكعبة وكعب الأحبار. وقال الشعبي: الذي سمعته منذ ستين سنة فكلهم ناج.
قال ابن مسعود رضي الله عنه: هذه الأمة يوم القيامة أثلاث: ثلث يدخلون الجنة وثلث يجيئون عظام، فيقول الله عز وجل ما هؤلاء وهو أعلم، فتقول الملائكة هم مذنبون، إلا أنهم لم يشركوا بك شيئا، فيقول عز وجل: أدخلوهم في سعة رحمتي. وروى أسامة بن زيد رضي الله عنهما أن "النبي صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية، فقال: كلهم في الجنة" وروينا في صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه
[