وتكلم الفقهاء في رفع اليدين عنده, فعن مالك في العتبية رأيت عامر بن عبد الله بن الزبير يرفع يديه وهو جالس بعد الصلاة يدعو فقيل لمالك: أترى به بأسا؟ قال لا أرى به بأسا ولا يرفعهما جدا. قال القاضي أبو الوليد بن رشد: إجازة مالك في هذه الرواية لرفع اليدين في الدعاء عند خاتمة الصلاة / ص288/ نحو قوله في المدونة, لأنه أجاز فيها رفع اليدين في مواضع الدعاء كالاستسقاء وعرفة والمشعر الحرام, لأن خاتمة الصلاة موضع الدعاء. ثم قال: وقد سئل في سماع ابن القاسم من كتاب الصلاة عن رفع اليدين في الدعاء فقال ما يعجبني, فظاهره خلاف لما في هذه الرواية ولما في المدونة. وقد يحتمل أن يتأول ذلك على أنه أراد الدعاء في غير موضعه, ولذلك قال لا يعجبني رفع اليدين فيه. انتهى وفي كتاب محمند بن اسماعيل البخاري باب رفع الأيدي في الدعاء, ولم يذكر فيه عن أحد ما يخالف ذلك. وفي الترمذي ترفعهما إلى ربك مسقبلا ببطونهما ووجهك وتقول يارب يارب. قال القاضي أبو بكر بن العربي يرفع يديه على ربه, يعني بعد الصلاة. فأما الرفع في الصلاة فقد تقدم ذكره, ولا يكون فيها ببطونهما إلى السماء وإنما ذلك في الدعاء ففي هذا الحديث الدعاء بعد الصلاة وأنه من تمامها وفضلها, ورفع اليدين بالبطون إلى الوجه كما يفعله الناس اليوم. وفي جامع العتبية قال سفيان: الدعاء رفع بطون الأيدي, والابتهال مد اليدين. وفي الترمذي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رفع يديه في الدعاء لم يحطهما حتى يمسح بهما وجهه. وفي أبي داوود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: سلوا الله ببطون أكفكم ولا تسألوه بظهورها فإذا فرغتم فامسحوا بهما على وجوهكم.
التي ثبتت على أبي الشر لعنه الله.
[ كتابان للحكم المستنصر في الحض على التمسك بمذهب مالك وزجر مخالفه ]
وكتب أمير المؤمنين أعزه الله إلى الوزير عيسى بن فطيس كتابا نسخته بسم الله الرحمن الرحيم: يؤخذ برأي القاضي إسحاق وصاحب الصلاة فجزاهم الله عن الدين والذب عن السنة خيرا، وقد صرفت الوثيقة لتكون في البيت ورأيت هذا الأمر قد كثر، وكان ممنوعا مطرودا، فتقدم إلى القاضي.
[332/2]
[333/2]
فمن أصلي في إسقاط الأعذار إليه فما تقدم ذكره عني الاحتمال في الحكام بالأخذ على أيدي الناس في هذا، فمن خالف مذهب مالك بن أنس رحمه الله بالفتوى أو غيره وبلغني خبره أنزلت به من النكال ما يستحق وجعلته ثرادا، وقد أخبرت فيما رأيت من الكتب أن مذهب مالك وأصحابه أفضل المذاهب، ولم نر في أصحابه ولا فيمن تقلد مذهبه غير السنة والجماعة، فليتمسك بهذا ففيه النجاة إن شاء الله.
ثم قال في جوابه لأبي القاسم: وقد بلغني أن جماعة على مذهبه وأمرت الحكام بالتشديد عليهم وإخافتهم، وبلغني أن قوما يفتون بغير مذهب مالك بن أنس، وأنهم يرخصون في الطلاق وغيره بمناكير من الفتوى فكل من زاغ عن مذهب مالك فإنه ممن زين على قلبه وزين له سوء عمله، فقد نظرت في أقاويل الفقهاء ورأيت ما صنف من أخبارهم إلى يومنا هذا فلم أر مذهبا اتقى ولا أبعد من الزيغ من مذهبه، وجل من يعتقد مذهبا من مذاهب الفقهاء فإن فيهم الجهمي والرافضي والخارجي إلا مذهب مالك فإني ما سمعت أن أحدا تقلد مذهبه قال بشيء من هذه البدع، فلاستمساك به نجاة إن شاء الله، وقد أحسنت في توقفك وما أحب إلى ما حاطك الله به وأصلح من حالك، فقد قلت لمن حضرني يوم السبت بعد خروجك: لن يزال هذا البلد بخير ما دام فيه مثل هذا الشيخ، فكثر الله مثله، فهذه بصيرتي فيك فاعلمه والسلام عليك.
=فأجاب : الطلب في النفقة للزوجة إذا كانت بالغة عاقلة ؛ لأنها في[310/3]مقابلة الاستمتاع ، وقد زالت ولاية الأب فيما تستمتع به إذ لو تركت النفقة لم يجبرها عليها ، كما لو شاءت أن لا تتزوج وهي ثيب ، فإذا رفعت إلى القاضي في غيبة الزوج حلفت وأخذت النفقة إذا لم يبعث لها نفقة ولا تركها لها ، واليمين ساقطة عن الأب في هذا ، وينظر القاضي ، فإن كان للزوج مال حاضر يعدى فيه فرض لها النفقة لمثلها ودفعها إليها ، وإن كان مليا في غيبته وليس له مال حاضر يعدي فيه أو ثبت لها ذلك ، وإن كان عديما خيرها إن شاءت أقامت بغير نفقة أو طلقت ، وإن جهل ملأه من عدمه ، فلها إثبات النفقة عليه من غير تحديد ، والفرض عليه بحسب ما يظهر من حاله من يسره وعسره ، وأما اليمين في الصداق فهو بخلاف النفقة ؛ لأنه مال محدود اليمين فيه على من يكون له قبضة ، فإن رشدت المرأة تعلقت اليمين بها مع ضعف في ذلك ، التقدير للعادة إنها لا تقبض إلا عند طلاق أو موت ، وإلى هذا كان يمضي شيخنا أبو محمد عبد الحميد ، وأرى أن في ذلك اختلافا وقفت عليه ، والسفيهة لا يمين عليها وهي على الأب على الصفة المذكورة ، وأما ما ذكر من أن الأب هو المنفق ، فعلى ما يتقرر من طلب المرأة ، فإذا ثبت أن لها النفقة ، كان الأب كأنه مسلف للزوج ويثبت عليه الطلب على صفة حاله فيما يلزمه لامرأته .
[من بيدها خادم وادعت أنها لها ، وادعى أولاد الزوج أنها لأبيهم]
*وسئل عمن بيدها خادم ادعت أنها لها وادعى أولا الزوج أنها لأبيهم المتوفى .
جهله بحكم المسألة، فالواجب عزلها عنه حتى يثبت ما ادعاه من البينونة، فإن عجز عنه حكم بحكم الطلاق البائن باعتبار سقوط حقه في الرجعة والميراث منهما ونحو ذلك، وبحكم الطلاق الرجعي باعتبار حكم حرمة الخامسة والأخت ووجوب نفقتها على نظر في النفقة. وإن كان مجهول الحال فالظاهر إجراء نكاحه على القاعدة الأولى فالمعلومة في العقود المحتملة للصحة والفساد إجراؤها على الاختلاف في دعوى الصحة والفساد، والمشهور قول مدعي الصحة. ووجه الإجراء على القاعدة الأولى أنه لما أوقع طلاقا مطلقا ولم يصرح بكونه خلعيا ولا بائنا ثم تزوج على أثره كان عقده محتملا للصحة، بأن يكون طلاقه بائنا، والفساد بأن يكون رجعيا، ودعواه بعد وقوعه أنه على الوجه الذي يوجب الصحة غير مقبولة، ألا ترى لو اشترى ثمرا لم يبد صلاحها على السكت ثم ادعى أنه لم يدخل إلا على الجد لم يقبل قوله في القول المشهور، فكذا مسألتك. وبيان الإجراء على القاعدة الثانية هو أن الزوج يدعي وقوع النكاح على وجه صحيح، ومطلقته تدعي وقوعه على وجه فاسد. إلا أن في هذا نظرا من أجل أن المنازع له في صحة العقد ليست من المعقود عليها حتى تندرج النازلة في القاعدة المذكورة، بل من خارج من أركان العقد. والقاعدة إنما هي جارية في المتعاقدين أنفسهما، فقد وضع بطلان جريهما على هذه القاعدة، وصحة جريهما على القاعدة الأولى، والله أعلم، وبه التوفيق.
وأجاب عنها الفيه أبو علي سيدي منصور بن علي ابن عثمان اللجائي:
الحمد لله. يفرق بينهما ولا يصدق فيما يدعيه لما ذكرتم كله، ولا يكتفي في ذلك إلا أن ينوي البينونة الآن، لوقوع النكاح أولا فاسدا في الظاهر، والحكم منوط به.
[من قيل له إنك تخطب فلانة فقال إنها تحرم علي]
وسئل سيدي سعيد العقباني عمن قيل له إنك تخطب فلانة لتتزوجها، فقال إنها تحرم علي، ثم قال أيضا اشهدوا علي أني حرمتها علي، ولم يفهم هذا.
[337/4]
[
وهم مجبورون عليه؟ فيكلفون ما لا طاقة لهم به، فإن قيل مراده منع الذين يجبرونهم، قلنا فهو إذن إنما تحدث في منع المجبورين من أن يجبروا أحدا لا في منع المخرجين للدرهم من إخراجه، بل هو ساكت عنهم في ذلك الإخراج، لكن تصريحات ألفاظه لا تساعده على ذلك، فإنها كلها تقضي أن حديثه إنما هو في منعهم من توظيف هذا الدرهم، ثم يمنع من حمل لفظه على ذلك قوله فالجواب يمنع أهل السوق من ذلك، فعمم في أهل السوق، ولو كان مراده منعهم من الإجبار لما عمم، فإنهم لا يمكن أن يكونوا كلهم مجبرين لما بيناه آنفا، الوجه الثاني أنه علل المنع بحق البائعين وتقدم له في فتياه أن ذلك الدرهم ملك للبائعين، وإذا كان كذلك فلم يمنع التجار من ذلك بل يجب على قوله أن من اشترى منهم سلعة يجعل عليه درهم زيادة على الثمن الذي اشتراه بها فيدفع ذلك الدرهم للبائع وينقطع بهذا ضرر البائعين، بل ذلك أنفع لهم، وهذا كما يقوله هو في أجر السمسار إذ دفعه المشتري، فإنه لا يمنع المشتري أن يشتري على شرط أن عليه جعل السمسار، فتقول له ذلك يضر البائع، فإنه ينقص من ثمن سلعته، بل نترك المشتري وما شاء من ذلك، فإذا تم البيع كلفناه أن يدفع عن البائع جعل السمسار فيتم البائع بذلك ثمن سلعته، فلم منعتم التجار ههنا من التزام هذا الدرهم وابحتم لهم التزام جعل السمسار؟ والجميع عندكم ينقص من ثمن السلعة، قال رضي الله عنه إنما يضر بالبائعين لأنه لا بد للمشتري إذا كان يعلم أنه مطلوب به أن يعلم حساب ذلك عند الشراء، أجبت قوله يعمل المشتري حساب ذلك مسلم، لكن عمله على حساب ذلك يقع على ثلاثة أوجه: أحدها أن تكون السلعة مثلا تساوي عشرة فلا يعطي إلا تسعة ويتماسك بدرهم ليدفعه فيما التزم، وثانيها أن تكون تساوي عشرة ويرى أن الربح فيها إذا باعها لا ينقص عن أربعة فيبني على أن يكتفي في ربحها بثلاثة فيبلغ بالزيادة فيها إلى عشرة فيدفعها إلى ربها ويقرر كأنه اشتراها بأحد
والجواب عن الثاني وهو قوله ما دليله شرعا من وجهين: الأول: الدليل الدال على وجوب العمل بالأرجح. وهو مقرر في أصول الفقه لا نطول به. الثاني: حديث قوله صلي الله عليه وسلم: الولد للفراش وللعاهر الحجر. واحتجبي منه يا سودة. وصحة الحديث ووجه دلالته على ما قلناه عندي واضحة بعد تأمل ما ذكرناه وفهم ما قررناه والله المطلع على السرائر.
والجواب عن الثالث وهو قوله: إنه إعمال لدليل غيره وترك لدليله، أنا بينا أنه إعمال لدليله من وجه هو فيه أرجح، وإعمال دليل غيره فيما هو عنده أرجح حسبما بيناه، وحسبما تضمنه حديث: الولد للفراش. والعمل بالدليلين فيما كل واحد منهما هو فيه أرجح، ليس هو إعمالا لأحدهما وتركا للآخر، بل هو إعمال للدليلين معا حسبما قررناه. والله أعلم وبه التوفيق.
[كون الخروج من الخلاف ورعا مشكل]
المسألة الخامسة: قوله كون الخروج من الخلاف ورعا مشكل من وجوده: الأول: أن الورع في ذلك لا يتصور كونه لتوقع عقد أو لفوت ثواب إلى آخره.
جوابه: منع كونه غير ملزوم للثواب، قوله: والمخطئ مأجور، والمصيب أكثر أجرا، فلا فوت للثواب.
قلت: الكلام في نفس العمل بمدلول اجتهادهما، وما ذكرتموه إنما هو في اجتهادهما لا في مدلوله، ودليل ملزوميته للثواب واضح. أما في المفعولات فمسألة مسح كل الرأس في الوضوء والتدلك فيه، والنية له يحصل كل واحد منها من الثواب ما لا يحصل دونه. ومثاله في المتروكات أن ترك شراب النبيذ لوازع الخوف من الوقوع فيما هو محرم لذاته شرعا، على أن المصيب واحد. وخوف الوقوع فيما هو محرم بالنسبة إلى اجتهاد شرعي بناء على أن كل مجتهد مصيب، واضح أنه يحصل من الثواب ما لا يحصل دونه ضرورة. وكذا يستمر هذا التقدير في المفعولات والمتروكات والله أعلم وبه التوفيق.
[380/6]
ونص جواب شيخ الاسلام أبي عبد الله محمد بن أحمد بن محمد بن محمد بن مرزوق عن المسألة المشروحة ما نصه: الحمد لله مقتضى ألفاظ الوثيقة بعد تصحيحها واعتبار ما لابد أن تحمل عليه فيما ظهر لي والله أعلم بالصواب أن مرجع الوصية بعد انقراض عقب أول ولد يحدث لمحمد وعائشة ولدي عبد الرحمان إنما هو لمحمد ورحمة ولدي
[318/7] أحمد بن راشد حفيدي فاطمة المذكورة, وبعد انقراض ولدي أحمد وعقبهما من الذكور للجامع المذكور, ولا شيء فيها لغير الأول من ولدي ولدي عبد الرحمان المذكورين ولا لعصبته, ولا حجة للعاصب المذكور بما تمسك به من عموم غير عقب, إذ ليس بعام, لأنه نكرة في سياق الثبوت ولا قرينة تصرفها إلى العموم, ولو سلم عمومها بناء على القول بأن النكرة في سياق الشرط تعم كالتي في سياق النفي, لكان تعيين اول ولد للمذكورين قرينة في صرف العموم إليه, كما قال ابن رشد رحمه الله في وكالات مقدماته, ونقل غيره إذا وكل الرجل وكالة مطلقة لم يخصه بشيء دون شيء فهو وكيل له على جميع الأشياء, وإن سمي بيعا أو ابتياعا أو خصاما أو شيئا من الأشياء فلا يكون وكيلا له إلا فيما سمي, وإن قال في آخر الكلام وكالة مفوضة تامة, أو لم يقله فذلك سواء, لأنه إنما يرجع على ما سمي خاصة, وهذا مرادهم: بأن الوكالة إذا طالت قصرت, وإذا قصرت طالت انتهى. حتى قال ابن عبد السلام عن بعض أشياخه: إن هذا لا يدخله الخلاف الكائن في العام الوارد على سبب هل يقصر عليه أم لا؟ قال ابن عبد السلام: وفيه نظر يعني في كلام هذا الشيخ.
فأجبت بما نصه: الحمد لله تعالى وحده. الجواب والله سبحانه ولي التوفيق بفضله أن متوسط المجبحة ومدخل النار إليها لقطع ما تعين له في أجباحه من العسل إن كان دخوله إليها في وقت هدوء الريح وسكونها وتناول النار على الوجه المعتاد فلا ضمان وإن دخل في وقت هبوب الريح أو تناول النار على غير المعتاد من تناولها فضمان ما احترق في هذا الوجه لازم لماله وذمته وتفريطه وتغريره والظالم أحق بالحمل عليه وإن جهلت حالتها من تفريط المعتاد المألوف عند جيرانه في المجبحة فلا ضمان عليه لما أصابت النار من المجبحة والدور لأنه فعل ما العادة أن يفعل النحالون والناس في مثله وعدمه (كذا) فقصارى أمره أن يستظهر عليه باليمين بالله في مقطع الحق أنه ما فرط ولا ضيع ولا تعدى المعتاد في تناول النار كيفية وزمانا ثم لا ضمان عليه إذ الأصل عدم العداء وبراءة الذمة فلا تعمر بالشك والاحتمال نعم إن قامت ببينة مرضية العدالة مقبولة الشهادة عليه في هذا الوجه بالتفريط والعداء وعجز عن الدفع فيها عجزا فالضمان بلا إشكال والله سبحانه أعلم وبه التوفيق. وكتب مسلما عبيدالله أحمد بن محمد بن علي الونشريسي وفقه الله.
[سكن دارا بالكراء فلما مات ربها ادعى ورثته أنه سكنها على وجه العداء]
وسئل ابن عبدالكريم عن رجل سكن دارا لرجل عشر سنين ثم توفي صاحب الدار فادعى ورثته على الساكن أن سكناه في الدار المذكورة كان على وجه التعدي وطلبوه بكراء المثل وادعى الساكن أن سكناه فيها إنما كان بالكراء
[365/8]
[
ش: مجيبا أما قول المعترض على قولنا وهذا بخلاف ما لو أوصى إلى آخره، هذا الكلام ليس فيه تحقيق من وجوه: أحدهما أن هذا الكلام مبنى على الشك والتجويز، فإنه قال إن أعمل هذا الشرط، وإن موضوعة في لسان العرب للشك، فهو قول من لم يفهم مقاصد أئمة النظر وعدولهم عن التحقيق إلى التجويز فيما لا يتعلق بتحقيقه غرض ولا يتوقف لهم عليه حجة، ثم تحقيق ذلك في مسألتنا أنه قد يتوهم المستدل أن يعترض عليه بما لو أوصى بعتق عبد أو أمة والتزم أن لا يرجع فإنه لا يلزمه مع أنها وصية مشروطة باللزوم فوجب على قولهم أن يبطل الشرط وتبطل الوصية لبطلان
[
لأنا نقول : الفرق بينهما واضح ، وذلك أنه في مسألة ابن سهل صاحب اليمين طلب التغليظ ، على خصمه بيمين مفردة فبطلت في نظر الشرع فصح له تلافي حقه بالقرب ، وبالطول سقط مقاله ، لأنه إن كان لا تقتطع بها الحقوق فواضح ، وإن كان جاهلا لم يعذر . وفي مسألتنا لم تصدر يمين مفردة فلا يصح هذا التفصيل .
فإن قلت : في مسألتنا مدلول عليها بطريق التضمن ، ولهذا أطبق الجمهور على لزوم الكفارة مع غيرها .
قلت : لا يلزم من اعتبار حصولها بدلالة التضمن فيما فيه الحنث اعتباره فيما فيه البر وهو المعتبر في مسألتنا .
وسئل ابن رشد عمن صرف دينارا بدراهم وقبضها وزعم أنها ناقصة ، وعدت فوجدت ناقصة ، وقال دافعها ما أخذتها مني إلا كاملة ، وقال قابضها ما أخذتها إلا ناقصة ، أين تكون اليمين إن توجهت ، هل في الجامع أم لا ؟
فأجاب : اليمين في هذا تتعين في المسجد الجامع ، لأن الأمر يؤول بما ادعاه قابض الدراهم من نقصان عددها إلى انتقاص صرف جميع الدينار . انتهى . وفي سماع ابن القاسم فيمن ابتاع ثوبا فوجد به خرقا فزعم البائع أنه بينه وأنكره المبتاع أترى أن يحلف في هذا عند المنبر قال : لا أرى أن يحلف عند المنبر إلا في ربع دينار فصاعدا . ابن رشد : ظاهر هذا أنه [308/10] لا يحلف عند المنبر إلا أن تكون قيمة العيب ربع دينار ، وقد روي ذلك عن ابن المواز ، وهو بعيد ، لأنه يجب عليه ، إذا اختلف المتبايعان فيقول البائع بعشرة ويقول المبتاع بتسعة أن لا يحلف عند المنبر وهو لا يصح ، لأن اليمين إنما هي في فسخ بيع الثوب وثمنه أكثر من ربع دينار ، فكذلك الثوب المعيب إنما ينظر إلى قيمته لأنه هو الذي يرد لا إلى قيمة عيبه ، فينبغي أن يعدل عن ظاهر الكلام فيقال : معنى قوله إلا في ربع دينار فصاعد أن تكون قيمة الذي فيه العيب ربع دينار لا قيمة العيب ؛ أو يقال : معناه إذا فات الثوب وجب الرجوع بقيمة العيب . انتهى .
وقد جاء عن كعب الأحبار، ما يدل على فضل الأمة المحمدية آثار مذكورة في الحلية وغيرها. أقربها مطابقة لما نحن نتكلم فيه. منها ما روي أنه رأى حبرا يهوديا يبكي، فقال له ما يبكيك؟ فقال: ذكرت بعض الأمر، فقال له كعب: أنشدتك الله تعالى لئن أخبرتك بما أبكاك لتصدقني، قال: نعم قال: أنشدتك الله هل تجد في الكتاب المنزل على موسى عليه السلام نظر في التوراة، فقال: إني أجد في التوراة أمة خير أمة أخرجت للناس يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويؤمنون بالكتاب الأول والكتاب الآخر، ويقاتلون أهل الضلالة، حتى يقاتلوا الأعور الدجال، فقال موسى رب اجعلهم أمتى، فقال: هم أمة أحمد يا موسى؟ قال الحبر نعم، قال فأنشدتك الله هل تجد في الكتاب المنزل أن موسى نظر في التوراة فقال: رب أجد أمة هم الحامدون رعاة الشمس المحكمون إذا أرادوا أمرا قالوا نفعله إن شاء الله فاجعلهم أمتي؟ قال: هم أمة أحمد. قال الحبر: نعم. قال كعب: فأنشدك الله هل تجد في كتاب الله المنزل أن موسى نظر في التوراة فقال رب إني أجد أمة يأكلون كفاراتهم وصدقاتهم، وكان الأول يحرقون صدقاتهم بالنار، غير أن موسى كان يجمع صدقات بني إسرائيل، فلا يجد عبدا مملوكا ولا أمة إلا
[