279/1] اتخذ عبادة الله متجرا ولم يوف قصد صاحبها, إذ مراده التوسعة ليأتي الأجير لذلك فإني أعذره لضرورته. وقال القرافي في الفرق الخامس عشر والمائة: وإذا وقف الواقف على من يقوم بوظيفة الإمامة والآذان والخطابة أو التدريس, فلا يجوز لأحد أن يتناول من ريع ذلك الوقف شيئا إلا إذا قام بذلك الشرط على مقتضى ما شرط الواقف. فإن استناب غيره عنه في هذه الحالة دائما في غير أوقات الأعذار لا يستحق واحد منهما شيئا من ريع ذلك الوقف. أما النائب فلأنه من شرط استحقاقه صحة ولايته, وصحة ولايته مشروطة بأن يكون ممن له النظر, وهذا المستنيب ليس له نظر, إنما هو إمام أو مؤذن أو مدرس. فلا تصح الولية الصادرة عنه. وأما المستنيب فلا يستحق شيئا بسبب أنه لم يقم بشرط الواقف. فإن استناب في أيام الأعذار جاز له تناول ريع الوقف وأن يطلق لنائبه ما أحب من ذلك الريع انتهى. ابن العربي: كره السلف الأجرة وأخذها على كل ما هو من قبيل العبادات كغسل الأموات ودفنهم, وكذلك الآذان وصلاة التراويح وتعليم القرآن وتعليم الشرع. وإن حكمنا بصحة الاستيجار على ذلك, لكن حق هذه الأعمال أن يتجر للآخرة, وأخذ شيء عليها استبدال بالدنيا عن الآخرة. وقال مالك: يؤاجر نفسه في سوق الدواب أحب إلي أن يعمل عملا لله سبحانه بإجارة.
[الدعاء في الصلاة]
وسئل بعض الشيوخ عمن يدعو في صلاته يقول في بعض دعائه: اللهم ادفع عني منكرا ونكيرا, هل يقال هذا أم لا؟
فأجاب يجوز للإنسان أن يدعو الله أن يموت شهيدا مع الكفار, وإذا مات كذلك فإن الملكين عليهما السلام لا يسألانه على ما صح من الأحاديث. وأما أن يسأل الإنسان ان يدفع الله عنه منكرا ونكيرا فلا ينبغي ذلك, لأنه لابد أن يسأل المؤمن غير الشهيد.
وسئل أبو محمد عن الرجل يريد أن يدعو في الصلاة وهو قائم في المكتوبة بما يقطع القراءة, ثم يدعو ويرجع إلى موضعه الذي ترك فيه
[
وفي كتاب الولاء من تعليقة المازري: وقد كان الشيخ أبو حفص العطار يحفظ المدونة حفظا جيدا، ولم ير كتاب محمد ولم يقرأه، وكان يقول: ألقوا علي كا سؤال فأنا أخرجه من المدونة، فقيل له: إذا سقت أمعاء رجل ثم قتله آخر من أين يؤخذ من المدونة، فقال: في مسألة السن. ابن عبد السلام على قول ابن الحاجب: ولو ضرب صلبه فبطل ذلك وجماعه فديتان، ومما أوجبوا فيه الدية مما لم يذكره المؤلف ما إذا سقى ما كان عنه البرص والجذام أو أسود اللون انتهى.
فتأمل هذا كله فإنه خلاف ما أفتى به ابن الحاج وابن رشد.
[323/2]
[324/2]
[ من أقر بقتل عمد فعفى عنه ثم رجع عن إقراره ]
*وسئل أبو محمد سأله أبو عمران عمن أقر بقتل عمد فعفي عنه، ثم رجع عن إقراره، هل يسقط الضرب والحبس عنه؟ وكيف هذا في المقر بالزنى لو رجع بعد تمام الضرب؟ هل يسقط عنه التغريب؟
فترجع فيها ونحا إلى انه يسقط لأنه حق لله تعالى ليس لآدمي فيه شيء انتهى.
الباجي عن ابن القاسم وأشهب: من اعترف بالقتل فعفي عنه جلد وحبس.
قال أشهب: كسائر الحدود، ابن عرفة: قول أشهب كسائر الحدود مقتضاه سقوط الحبس والضرب إن رجع المقر عن إقراره، وبه وقع الحكم في تونس في آخر القرن السابع على ما أخبرني به بعض شيوخنا.
[ أقر مريني بالقتل فصالح السلطان أبو الحسن الأولياء عنه ]
قلت: ذكر أن مرينيا أقر بالقتل في مدة السلطان أبي الحسن فصالح السلطان الأولياء عنه، فقال القاضي بقي لي نضربه مائة ونسجنه سنة، فقيل: للمقر أنكر إقرارك فأنكر فتركه القاضي حينئذ، وتقدم ما في التعاليق، ومثله للخمي وابن عات، ولم يحكيا خلافا على أن إنكار المقر يسقط حق الله تعالى.
[ قرطبي وجد مقتولا في داره وليس معه سوى أولاده ونسائه ]
=فأجاب : إن كان الأمر على ما ذكر ، نظر في ذلك من يتولى أمر المسلمين ، فإذا خشي على مال الصبية التلف ، فله نزع مالها وإيقافه عند من يوثق به حتى يصرف في مصالح الصبية .
[299/3][ من زوج ابنته البكر وجدد عليها الحجر بقرب البناء وجهزها بجهاز وأشهد بتسليمه لها]
*وسئل الزواوي عمن زوج ابنته البكر في حجره وجدد عليها الحجر بقرب البناء بها ، وجهزها بجهاز وأشهد بتسليمه لها ، وأشهد الزوج أنه تحت يده يستمتع به بزوجه ، ثم أراد الأب أخذ ذلك خشية تصرف الزوج في ذلك ، ولم ترض البنت ولا الزوج بذلك ، ومنعه وقال : أخذته تحت يدي لأتمتع به مع الزوجة ، والصداق كثير وقيمة الأسباب زهيدة ، فهل للأب أخذه بعد التسليم أم لا ؟
=فأجاب : ليس له ذلك .
[من تزوج امرأة من أبيها وله ابنتان اختلف الزوج مع الأب في تعيين أيتهما]
*وسئل ابن القاسم عمن تزوج امرأة من أبيها وله ابنتان ادعى الأب أنها فلانة ، وقال الزوج : بل الأخرى . ولم يسم الشهود المنكوحة .
=فأجاب : لا يثبت هذا النكاح حتى يتفقا على واحدة معينة ولا يمين عليهما ، وعلى الزوج نصف الصداق ؛ لأنه ناكح قامت عليه بينة ، واختلافهما في عين المرأة لا يخرج الزوج عن النكاح ولا بد من نصف الصداق .
[من تزوج بكرا من أبيها بمائتي دينار ، والعادة أن يعطيه الأب مائة وخمسين دينارا]
*وسئل أبو عمران عمن تزوج بكرا من أبيها بمائتي دينار والعادة الجارية أنه إذا بذل الزوج هذا العدد أن يعطيه الأب مائة وخمسين دينارا ، ثم مات الأب ولم يدفع للزوج شيئا قبل البناء بالبنت ثم دخل بها ثم فارقها فطلبت منه المائتين ، فطلب المائة والخمسين لأجل العادة وعليها انعقد النكاح فهل يجب على الزوج المائتان أم لا ؟ وهل يتبع تركة الأب بالمائة والخمسين أم لا ؟
وسئل أبو علي سيدي منصور بن علي الزواوي عمن قال لزوجته رأيتك ترتي ولم يشهد على ذلك غيره وهي منكرة، هل يقع اللعان بينهما؟ أو إنما يجب عليها العدة فقط؟
فأجاب: إذا كان الأمر كما ذكر من رؤية الزنى وخاف أن تحمل منه فواجب عليه اللعان ليلا تأتي بولد أجنبي منه، وإن لم يخف من ذلك فيعزلها حتى تستبرئ من الماء الفاسد، فإن شاء لاعنها وإن شاء أبقاها زوجة والله تعالى أعلم.
[مجرد الخلوة بالمرأة يوجب العدة ولو لم يكن مسيس.]
وسئل سيدي أبو عبد الله محمد بن مرزوق عن مسألة أجاب فيها مفت واعترض فتياه معترض وتكرر البحث بينهما فيها وسألاه عنها، ونص السؤال:
[327/4]
[328/4]
الحمد لله. الغرض من سيدنا وإمامنا أن يتصفح ما وقع للمجيب والراد عليه في المسألة التي تذكر لكم، وبين لنا وجه الصواب فيها. وهي رجل طلق زوجته طلاقا رجعيا ثم ارتجعها ثم أبانها بطلاق خلعي، وبقي معها في البيت الواحد بحيث يجمعهما الغلق الواحد والفراش الواحد، وهو مريض وربما أمرت يديها على جسده في بعض الأوقات لإزالة ما عسى أن يتعلق بجسده أو ثوبه مما يضر المريض فيلتذ بلمسها من غير جماع، ثم تزوجها في هذه الحال وطلقها ثلاثأ، فهل يلزمه الثلاث وتحرم إلا بعد زوج لاعترافه بصحة النكاح في نفس الأمر، لأنه قال لم أصبها؟ أولا يلزم لأنه عقد عليها في حال يوجب الاستبراء وفسخ النكاح في ظاهر الشرع؟ فقال المجيب: الحمد لله. الخلوة بمجردها توجب العدة في مذهب ابن القاسم، وإن لم يكن هناك مسيس. قال ابن الماجشون ويقبل قوله في الفتيا دون القضاء، ولا يلزم فيها على مذهب ابن القاسم إلا طلقتين.
ويتضمنها، وهي تئول إلى تصير طعام، ولا يجوز استثناؤها على أن تبقى لأربابها، لأن استثناء ما لم يؤبر في البيع لا يجوز، وان كانت الثمار مأبورة كان إطلاق المقاسمة على الجواز، لأن الثمار في جميع ذلك غير داخلة في المقاسمة وباقية على الشركة، فإن اشترط دخولها لم يجز لأنها إن لم تكن الآن طعاما فهي تؤول إلى أن تصير طعاما فيدخله الطعام بالطعام ليس يدا بيد، فإن كانت وقعت على الوجه الصحيح جاز للرجل أن يرجع إلى قول المرأة، فإن الواجب عليه موافقتها على دعواها الصحة، وإن كانت وقعت على الوجه الفاسد لم يجز له أن يرجع إلى دعواها إذ الواجب فسخ المقاسمة ويجوز أن يعطيها بعد ذلك دينارا أو ما يتراضيان عليه في ذلك وكذلك إن كانت القسمة لم تتم بينهما فذلك جائز أيضا، وأما كون الرجل لم يرض بما أخرج له السهم إذا وقعت القسمة على الوجه الصحيح فلا عبرة بعدم رضاه وقد مضى القسم، قال في المدونة: وإذا قسم القاسم بين قوم ولم يرضوا بما أخرج السهم له أو لغيره، أو قال: لم أظن هذا يخرج لي فقد لزمه، وقسم القاسم جائز كان في ربع أو حيوان أو غيره وكذلك أن قالوا له غلطت أو لم تعدل أتم قسمته ونظر الإمام في ذلك فإن كان عدل في القسم أمضاه وإلا رده، ولم ير مالك قسم القاسم بمنزلة حكم القاضي، انتهى نصه، فبينوا سؤالكم بيانا شافيا ويقع الجواب عليه مطابقا إن شاء الله تعالى، وجوابنا لكم إنما هو على بعض الاحتمالات التي وقعت في السؤال، ولأجل هذا ضرب واحد عن الجواب على مثل هذا وبالله سبحانه التوفيق.
بسم الله الرحمان الرحيم وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه.
[مسألة الحاكة والتجار بين العقباني والقباب]
الثالث: إن المتورع إما أن يكون مجتهدا أو مقلدا. فإن كان مجتهدا ففرضه ما أداه إليه اجتهاده، فلا ورع في حقه، إذ هو متبع للدليل. فإن تعارضت الأدلة عنده فالترجيح. وإن لم يجده فالوقف أو التخيير يخرج عن ذلك كما تقرر في الأصول. وإن كان مقلدا، فإذا قلد أحد المجتهدين، لم يتمكن له في قضيته تلك، أن يقلد الآخر، ولا يجمع بينهما، لأنهما متضادان، ولا له أن يجمع بينهما لأنه ليس من أهل النظر والترجيح. الرابع: إن هذا الورع الخاص لم يثبت عن السلف الماضين من الصحابة والتابعين أنهم استعملوه، بل في الحديث: أصحابي كالنجوم. الحديث وأطلق القول في الاقتداء بهم من غير تقييد ولا تنبيه على جهة الورع إذا اختلفوا على المقتدى. الخامس: إن ترجيح أحد القولين على الآخر تورعا إما أن يكون بدليل أو بغير دليل فإن كان بدليل معتبر شرعا فهذا منصب الاجتهاد، وعند ذلك يكون عملا بأحد القولين أو بقول ثالث، فلا ورع. وإن كان لغير دليل، فلا يصح باتفاق. السادس: إن جمهور مسائل الفقه مختلف فيها
[369/6]
اختلافا مقتدى به. فالمسائل المجتمع عليها بالنسبة إلى المختلف فيها قليلة، فلذا إذا قد صار جمهور مسائل الشريعة من المشابهات، وهو خلاف وضع الشريعة. وأيضا فقال صار الورع من أشد الحرج الذي جاءت به الشريعة، من حيث لا تخلو لأحد عبادة ولا معاملة ولا أمر من أمور التكليف من خلاف يطلب الخروج عنه وفي هذا ما فيه. السابع: إن حاصل الورع في مسائل الخلاف الأخذ بالأشد وتتبع شدائد المذهب لا يقصر عن تتبع رخصها في الذم، فإذا تتبع الرخص غير محمود، بل قد حكي ابن حزم الإجماع على أنه فسق لا يحل، فتتبع الشدائد غير محمود أيضا لأنه تنطع ومشادة للدين.
وانظر أحكام ابن سهل وإكراء النوادر, والواضحة وأقوال الداودي والحلال والحرام لراشد, وقواعد القرافي, يلح ما قررته, والمسألة أشهر من تحتاج إلى جلب نصوص العلماء عليها, وقد تقدم لنا فيها جواب طائل حافل, يغني عن الإطالة في هذه العجالة التي طلب منا المستظهر لها الإسراع إلى كتبها على المقصود منها فأجبناه إلى مطلوبه واسعفناه في مرغوبه انتهى. وأجاب عنها أيضا بما نصه: الجواب ما قاله علماؤنا أن ما حبسه الملوك من مال المسلمين على اولادهم, او جهات أقاربهم حرصا على حوز الدنيا لهم ولذراريهم, واتباعا لغير الأوضاع الشرعية لا يصح ولا ينفذ, ويحرم على من حبس عليه تناول غلته, وللإمام انتزاعه منهم, وصرفه لهم أو لغيرهم على ما تقتضيه مصالح المسلمين, وإنما في ذلك بمنزلة شخص حبس مال شخص على شخص آخر فإنه لا ينفذ تحبيسه, بل لو حبسوا حبسا على جهة البر والمصالح العامة, ونسبوه إلى أنفسهم على أن المال الذي في بيت المال لهم كما يعتقده بعضهم لبطل الوقف, بل لا يصح إلا أن يوقفوا
[310/7] ذلك معتقدين أن المال للمسلمين. اما أن المال لهم والوقف لهم فلا, كمن وقف مال غيره على أنه له فلا يصح الوقف فكذلك هنا, وجميع الحبس باطل المنتزع من يد الخديم المذكور وغيره. إذ المنتزع من يده عاد إلى بيت المال, وكان بمثابة ما كان أصليا لبيت المال, فلا يتصرف فيه الإمام إلا على وفق المصلحة, وإبطال الحبس لا يكون غلا بحكم بعد إثبات الموجبات والإعذار إلى من يجب إليه الإعذار وإن لم يكن إل مجرد الآختزان فلا يكون مبطلا للحبس.
351/8]فيضمن ما أغرمه الوالي بغير حق لو كان الشاكي مظلوما ولا يقدر أن يستنصف ممن طلبه إلا بالسلطان فشكا فأغرمه السلطان وعدا عليه ظلما فلا شيء على الشاكي.
[من يتوسط بين الناس والقاضي في الرشوة]
وسئل الأشيري عن طالب يتوسط بين الناس والقاضي فيما يأخذه من الجعائل على الأحكام ويستنهض الناس لذلك ويقف بينه وبينهم واشتهر بذلك اشتهارا مستفيضا.
فأجاب: إذا كان الأمر على ما وصفت فعلى فاعله الضرب الموجع مع السجن ويلزمه غرم ما أخذه لنفسه وما دفع إلى القاضي بيديه، ثم إن قامت بينة أنه دفع ذلك إلى القاضي رجع عليه إلا أن يشاء الدافع تركه واتباع القاضي فله ذلك وإن أغرمه له رجع بذلك على القاضي لأن ما أخذ من الظالم ليدفعه إلى من ظلم فيه فهو في ذمته يلزمه ثم يرجع هو على الظالم إن قدر عليه، وأعوان الظالم فيما أخذوا من الظلم كالظالم، وإن لم يأخذوا لأنفسهم فهو واجب، ولمن أخذ منهم أن يرجع على الظالم أو من قبض.
وسئل ابن عرفة عن رجل رهن أصلا وحوز للمرتهن أصله المكتوب فتلف عند المرتهن رسمه المكتوب.
فأجاب بأنه ينظر إلى قيمة الأصل برسمه وقيمته بغير رسم فما بينهما يضمنه أو يثبت ملك الأصل.
[ثور دخل حائط رجل فدخل رأسه بين غصني شجرة]
وسئل ابن الفخار عن ثور دخل حائط رجل فامتد إلى شجرة فدخل رأسه بين غصنين فيها ولم يقدر على إخراجه.
فأجاب: إن كان الثور دخل الحائط ليلا قرضت قرونه وخلصت الشجرة وإن دخله نهارا انقطعت الشجرة وخلص الثور لأن على أصحاب
[351/8]
[
ولعمري إن الإقدام على انتزاع مال للفقراء والمساكين قد استحقوه بوجه شرعي لعظيم الخطر بعد حكم حاكم اعتمد على فتوى إمام معتمد حسبما وقفت عليه، لا أدرى ما هذا، ولا أقول إلا الخير والله يتولى السر، ويقي الشر، وهو حسبي ونعم الوكيل، هذا آخر ما أمكن كتبه، وبالله التوفيق، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما.
انتهى كلام الخطيب العلامة الراوية الرحال أبي عبدالله بن مرزوق رحمه الله تعالى ورضي عنه ونفع به وبأمثاله، إنه على ذلك قدير.
[321/9] ولما قرئ على سيدنا الشريف العالم العلامة الإمام الأوحد الصدر المحقق النظار الأعرف الكبير الشهير أبي عبدالله محمد بن الشيخ الصالح أبي العباس أحمد بن علي بن يحيى الحسني، شكر الله نعمه، وأقر على سماء العز قدمه، في مجلس تدريسه وبمحضر من كبار طلبته ما كتبه الشيخان الأوحدان الخطيبان الأعرفان أبوالقاسم الغبريني معترضا على الفتوتين المكتوبتين جوابا عن الوصية المذكورة وأبوعبدالله ابن مرزوق مجيبا عن ذلك الاعتراض قال كبير طلبة سيدي الشريف وهو الفقيه الإمام العالم العلامة الأديب الكاتب الأبرع الأريب أبوعبدالله محمد بن يوسف القيسي شهر بالثغري ما نصه: أملى علينا شيخنا أبقى الله بركاته في مجلس تدريسه من جوابه على الاعتراض المذكور ما نحن ذاكروه وكاتبوه مفصلا على فصول الاعتراض المذكور بعد الإشارة إليه كما فصله المجيب الأول وهو الفقيه أبوعبدالله بن مرزوق أعزه الله سبحانه وهو المستعان وعليه التكلان.
[تعقيب الشريف التلمساني على اعتراض الغبريني وما كتبه ابن مرزوق]
قال سيدنا ش في فتواه: الأظهر في النظر أن له الرجوع إلى قوله: فقد سلك بها غير مسلكها قال الخطيب: قوله الأظهر أن له الرجوع مجرد دعوى إلى آخره، قال الخطيب:
وسئل رضي الله عنه بما نصه : جوابكم في نازلة أقصها عليكم وأشرح فيها الواقع قديما من جوابكم ، وهي أن ناسا توفوا في الوباء وأوصوا بوصايا [297/10] منها واحدة للأسارى ولأمور عينوها في عهودهم ، فحضر الورثة وصاحب عهد من العهود ولم يحضر الآخر ولا تعرض له بوجه ولا حضر عن الأسارى نائب ، واتفق من حضر على أن عينوا للأسارى ولغيرهم من الوجوه المفسرة في العهود دارا وموضعا ، ومضى عاقد الوثيقة بينهم إلى تمام فصول القسمة بالنسبة إلى ما تراضوا عليه ، ثم قال بعد التاريخ : ومما اتفق عليه المشهدون المذكورون أن يحضروا متروك العاهد للأسارى ويقوموه تقويم سداد ثابت لدى من يجب من القضاة ، ويقع نظرهم بعد ذلك في المعين للعهد ، فإن شط لهم فيه شيء أخذوه ، وإن نقض منه شيء أكملوا واجبه مما بايديهم ، وشهد بالقسمة شاهد واحد هو زوج بنت المعهود له الحاضر المتفق مع الورثة ، وقد وصل هذا الرسم إليكم وقيدتم بيدكم الكريمة عليه ما نصه : وقفت على السؤال المكتتب فوق هذا وعلى الرسم المقيد بالمقلوب ، والواجب في ذلك أن ينظر القاضي أعزه الله فيما عينه الورثة للعهد باتفاق منهم عليه ، فإن كان فعلهم لذلك قد وافق السداد ووقع موقعه من النظر للعهد كما يجب أمضاه وأمضى ما فعلوه على أنفسهم من القسمة للباقي من غير تقويم ولا تعديل كما وصف فيه ، فهذه القسمة هكذا بالتراضي إنما هي بيع من البيوع فيمضي ذلك على من ملك أمر نفسه من الورثة ، ويمضي البيع فيما بيع مما عين للعهد على هذا الوجه إذا وافق السداد وثبت المال والملك فيه للعاهد على الحيازة كما يجب وإن كان تعيينهم لما عينوه للعهد غير موافق للسداد ولا جار على سبيل النظر والرشاد ، فالتعيين غير لازم والقسمة غير نافذة ، ويجب الآن على الناظر في ذلك أن يعين للعهد ما هو داخل في باب النظر السديد ، ويتحرى في ذلك خروج ما عينوهم أولا لجهة العهد مع ما يجب أن ينضم إليه من سائر المتروك ليتم
فأجاب: قال ابن أبي حازم: الماء يذهب العذرة، ولا شيء عليه وهذا الرجل أحمق.
[الانقطاع عن طلب الكسب والعلم والتجرد للعبادة]
وسئل أبو إسحاق التونسي عن شاب تعلقت نفسه بطلب العبادة وخلطة الصالحين، وقلة خلطة أهل الأسواق، لما يرى فيها من الفساد في بيعاتهم ومعاملاتهم، وقلة معاملة من فيه الديانة، فيما يأخذون ويتبايعون، وما يلفظون به، حتى إنهم من كثرة إهمالهم لما يحل ويحرم، ما يعرفون شريعة محمد صلى الله عليه وسلم، ومنهم من يجاهر بمعاملة الغاصب، ولا يفرق بينهم وبين غيرهم، ومنهم من لا يبالي بفساد بيع، يدخل عليه عامدا أو جاهلا، ولا يبالي أن يكون في بيعه غش ولا خديعة ولا غدر، أو ربى يدخل عليه، فتعلقت نفس هذا الطالب بالعبادة والانفراد من الناس، والتماس قوته من صنعة يحاولها من أشد قوت في الزمان ويترك النكاح ويدرس الفقه بلا مذاكرة، إذ لا يقدر على الطلوع إليهم على الحالة التي هم عليها، وليس
[299/11] ببلده من ينحوا له الفتيا، فقيل له: إن طلب العلم على أنك تدخل في الأسواق، وتأكل مما في أيدي الناس من موضع لا تعرفه، وتخالطهم، أفضل من العبادة والزهد في الدنيا، ومن الطريق التي تريد أن تسلك قال: وهذا الشاب يحفظ من القرآن النصف، وهو متماد على استكماله إن شاء الله، ويحفظ من العلم الشرائع التي أمر بحفظها، فنحب من الشيخ حفظه الله أن ينظر في أي الوجهين أفضل فيعمل على ذلك إن شاء الله؟ فإن أمرته بطلب العلم فهو يقدر على الطلوع إلى عندكم، ولا يقدر على ذلك مع العبادة.