أقول: ولا يخفى على ذي لب سليم, وعقل مستقيم, إن محل الجماعة المساجد, وإن جاز في غيرها فعلها, وكل المساجد متساوية, وإجزاء كل مسجد في مشروعية فعل الجماعة متساوية في مقدار الثوب من حيث كونه مسجدا ومن جهة كونه جماعة. وإنما يستثنى من ذلك ما شهد الشرع بزيادة ثوابه في المساجد الأربعة: المسجد الحرام, ومسجد المدينة, والمسجد الأقصى, ومسجد قباء, إذ ركعتان فيه كعمرة, وفي الأقصى كل صلاة فيه تعدل ألف صلاة أو سبعمائة صلاة أو خمسمائة صلاة بسبب اختلاف الروايات في ذلك عنه عليه الصلاة والسلام. ومسجد المدينة في الصحيح الصلاة فيه بألف, وإن كان ورد فيه غير ذلك أيضا أنه صلى الله عليه وسلم قال: من خرج على طهر لا يريد إلا الصلاة في مسجدي حتى يصلي به كان بمنزلة حجة. والمسجد الحرام بحيث احتمال الاستثناء في الحديث من المساواة والزيادة والنقصان في قوله عليه السلام: إلا المسجد الحرام. وقد شهدت للزيادة على ألف روايات صحيحة انتهى التضعيف في بعضها إلى مائة ألف. وما عدا هذه الأربعة فكلها متساوية صلاة المنفرد بعشرة, وفي الجماعة تزيد بسبع وعشرين درجة وخمسة وعشرين جزءا وقد ورد أيضا بسبعة وعشرين جزءا, أو خمس وعشرين درجة. نعم الصلاة في المسجد البعيد أفضل من القريب باعتبار كثرة الخطى ومشقة السعي إليه خصوصا في الليل المظلم ووقت الريح والمطر. وكذا الصلاة في المسجد الكثير الجماعة على رأي ابن حبيب والشافعي, من أجل أن صلاة الرجل مع الرجلين أزكى من صلاته مع الرجل كما في الحديث. وكذا الصلاة في مسجد إمامه متصف بصفات فضل وكمال كالأفقه والأورع والأقرأ والنسيب لقريش والعرب, ولا يكون ممن يكرهه المأمومون, فهؤلاء الفضل في الاقتداء بهم من حيث ذواتهم لا من حيث مساجدهم الني يؤمون فيها. وكما تفضل صلاة الصف المتقدم على الصف المؤخر من حيث أنه أول لمن بعده إلى أن ينتهي الحال إلى آخر
[
=فأجاب: ما تقييد من شهادة الشهود الذين قيدت نصوص شهادتهم يبطل التدمية على يحيى بن إبراهيم، ويسقط القيام بها إن كانوا عدولا لأن شهادتهم قد اجتمعت على أنه قد دمى أولا على غيره، وفي تدميته على غيره إبراء له ولا يصدق في قوله إن خاف أن يتم عليه، لأنه كمن أبرأ رجلا من حق ثم قام يطلبه، وقال: إنما أبرأته لوجه كذا مما يعتذر به، ولأنه أيضا لا عذر له في التدمية على بريء لم بجن عليه بخوفه على نفسه ممن جنى، فلما أقر على نفسه بأنه لم يرع أولا عن التدمية على بريء اتهمناه في انه لم يرع آخرا عن التدمية على يحيى بن إبراهيم وهو بريء، لأن المقتول إنما قبل قوله في التدمية، وإن كان غير عدل من أجل أن الفاسق ينيب عند الموت فلا يتهم أن يقلد بدمه برئيا، فلما أقر هذا على نفسه من أنه يرع أولا عن أن يرمي بدمه برئيا اتهمناه في أنه لم يرع عن مثل ذلك آخرا، هذا الذي أقول به على قياس قول ابن القاسم في سماع يحيى من كتاب الديات، وغيره ومذهب مالك الذي نعتقد صحته وإذا بطلت التدمية صار المدمى عليه في حكم من قويت عليه التهمة بالدم، ولم يوجد عليه ببينة ووجب أن يطال سجنه، وقد حكى مالك رحمه الله أن الرجل كان يحبس في الدم باللطخ والشبهة حتى أن أهله يتمنون له الموت.
[307/2]
[308/2]
من طول حبسه، فإن طال سجنه الدهر الطويل ولم تظهر براءته استخلف خمسين يمينا وخلي سبيله والله سائله وحسيبه.
[ رجل قتل بين أربعة نفر لا يدرى من قتله منهم ]
من زوج ابنته من رجل وهي بكر صغيرة في حجره ، ونقدها الزوج دراهم تونسية ولم يبينوا نوعها]
*وسئل : الشيخ أبو القاسم الغبريني عن رجل من بلاد إفريقية بتوزر وهو مقيم بها ، خطب إليه رجل من أهل بلاده ابنة عنده بتوزر ونقد لها نقدا دراهم تونسية ، وهي بكر صغيرة في حجر أبيها ، وكتبا في المهر أن دراهمه سكية تونسية ولم يقولوا عشرية ولا ثمانية ، فتوفي الزوج وطلب الأب صداق ابنته فأعطوه من التركة على حسب ما ادعاه على أنها عشرية ، ثم قاموا عليه ، وقالوا : إنما هي ثمانية .
=فأجاب : إن كانوا أعطوه صداق ابنته بعد علمهم بما كتبه الشاهدان[282/3]من إبهام عدد الدنانير وعدم بيانها في الصداق ، فلا قيام لهم في استرجاع شيء منه بعد أن سلموه له ومكنوه منه عالمين بذلك ، إلا أن تكون لهم حجة غير ذلك فينظر لها بالشرع .
[من توفي وترك زوجة فاستظهرت بمهرها عليه فيه دراهم سكية دون بيان نوعها]
*وسئل عمن توفي وترك زوجة فاستظهرت بمهرها عليه ، ونصه في الكتاب ثلاثمائة دينار دراهم سكية ، ولم يفسر شهوده هل هي عشرية العدد أو ثمانية ، فادعت الزوجة أنها عشرية فضة ، وقالت بقية الورثة أنها ثمانية فضة ، فهل تعمر ذمة الميت بالأقل أو بالأكثر ، في اصطلاح الناس اليوم أن البيع إن وقع بعشرة دراهم مطلقة ، فهي عبارة عن ثمانية دراهم حدودية فضة ، إلا أن ينص على أكثر من ذلك ، لكن في كتاب المهر سكية فهل لها تأثير في زيادة القدر أم لا ؟ وقد يوجد في بعض الصداقات كذا وكذا دينارا دراهم فضة جديدة الضرب عشرية العدد ، أو ثمانية العدد ، ولم يذكر فيها سكة ، وهذا المهر المختلف فيه لم يذكر فيه إلا دراهم خاصة لا غير ذلك ، ولم يقع الاختلاف بينهم هل يقبض عين الفضة أو صرفها من الذهب ، وإنما وقع هل الدنانير عشرية فضة أو ثمانية فضة .
فأجاب: إن جاء تائبا مستفتيا ولم تشهد عليه بينة بما حنث ولم يرافعه أحد في ذلك ولم يظهر من حاله أنه يخالف المراجعة إذا ردها والقيام عليها بذلك، وكان الأمر كما ذكر من الفساد لم يلزمه ما حنث، وإن كان الأمر على خلاف ما ذكر هنا لم يصدق إلا أن تقوم له بينة بالفساد والله أعلم.
وسئل عمن وقع بينه وبين زوجته شنآن فحلف لها بصيام سنة إن كنت لي بامرأة ولا جرت لي عصمة، ولم تكن له نية في طلاق ولا غيره إلا مجرد هذا الكلام، ماذا يلزمه.؟
فأجاب: إن خرج هذا الكلام منه مخرج الوعد بالطلاق والعزم عليه دون قصد إيقاعه فليصم السنة ولا شيء عليه في الزوجة والله أعلم.
[من حلف بصوم عام على ضيفه ليأكل وهو لا يعرف أنه صائم]
وسئل عن رجل ورد عليه رجل فقدم له طعاما ليأكله يظنه مفطرا،
[308/4]
[309/4]
فألفاه صائما، فحلف له بصوم عام حتى يأكل فعرف أنه ممسك، هل يحنث الحالف في يمينه على أكله أم لا.؟
فأجاب: يلزمه الحنث في يمينه، إلا أن يقصد إذا كان مفطرا فلا يلزمه، والله تعالى أعلم.
وسئل عن رجلين مشيا في فلاة، فاجتاز بهما طائر فحلف أحدهما أنه نزل على تلك الشجرة، وحلف الآخر أنه لم ينزل، فمضيا معا للشجرة فلم يجدا ذلك الطائر، هل يحنثان معا أم لا؟
فأجاب: إن تحققا بعد تبين عدم وجدانه أنه لم يطر بعد أيمانهما فقد حنث الحالف على نزوله بالشجرة، وإن أمكن طيرانه بعد اليمين دينا إن ادعى كل واحد يقينا، والله تعالى أعلم.
[بدوي حلف بالطلاق لا حرث بالمكان الذي يحكم فيه الوالي الجديد]
فأجاب: إذا بيع على الغائب في دين ثابت عليه ثم قدم وأثبت البراءة منه كان البيع في الملك ثابتا ويرجع على الغريم فيما قبض من ثمنه ولا يعدي في الملك بشيء، قيل وهذه المسألة هي مسألة الجارية التي وقعت لقاضي الجماعة بغرناطة الشيخ الحافظ أبي القاسم بن سراج ووقع فيها الخلاف بينه وبين الكثير من معاصريه ممن يشاركه في النظر والفقه ومن لا يشاركه، وصدر فيها من أجوبتهم ما اشتهر في ذلك الوقت وتجاوز فيها الاقتصار على من بالجزيرة ممن له في الفقه ماسة إلى بر العدوة وسواها، وصورة مسألة الجارية المنبه عليها أن تاجرا من هؤلاء السفارة ترك جارية له كان قد اشتراها بغرناطة وغاب عنها إلى ناحية تونس بقصد وجهة ما فطالت
[282/5]
غيبته بها وصارت الجارية تدعي أنها في حال ضياع فكفلها بعض حاشية السلطان ممن له وجاهة في الدولة وكتب على سيدها النفقة إلى أن تحمل له قبله قريب من مقدار ثمنها فرفع أمره إلى القاضي وأثبت دينه ذلك المرتب من النفقة وغيبة مالك الجارية وصحة ملكه إياها وحلف على المتجمل له وقدمت الجارية وصارت في النفقة لكافلها فاعتقها وتزوجها ووقف للتاجر ما فضل من ثمنها وكان قليلا ثم قد التاجر مالكها الأول بعد بيعها بشهر فتظلم من بيع الجارية على هذه الصورة وادعى أنه ترك لها ما يقوم بها لأكثر مدة مغيبة وإنها صناع اليدين يمكنها إتمام نفقتها بعد ما ترك لها من صنعة يديها وما أشبه هذا من الدعاوي التي ربما لم تثبت له، وكان يتعلق من الدولة بجهة لا تقصر عن تعلق خصمه، فكان هذا الخصام متكافئا في الاستظهار بالوجاهة بين هذين الخصمين اللذين بغي بعضهما على بعض وعز أحدهما صاحبه في الخطاب وظلمه بسؤال نعجته إلى نعاجه الأخرى، وثبت القاضي أبو القاسم المذكور على حكمه، وخالفه سواه في رأيه، ولم يسلم القاضي وفقه الله بإثبات عجزها عن النفقة من صنعتها ولا كلفها إثبات كون مالكها لم يترك لها نفقة.
وسئل أيضا -رضي الله عنه- عن ابن القاسم -رحمه الله تعالى- الله هل هو مجتهد مطلقا، أو مقلد لمالك -رضي الله عنه-؟.
[351/6]
فأجاب: هو مقلد لمالك -رضي الله عنهما لا مجتهد مطلقا، بل مجتهد في مذهبه، متمكن من الاستنباط على أصوله وقواعده المعتبرة عنده في تحصيل أحكام الله تعالى والقائل بحكم والعامل به، ممن يمكن أن يظن به الاجتهاد لاشك أنه لو صرح بالاعتماد فيه على قول شخص وإتباعه فيه أنه مقلد فيه لذلك الشخص كما أنه لو صرح باعتماد فيه على نظره وإتباعه الدليل المطلق كان مجتهدا. ومتى لم يعلم أحد الأمرين وجب النظر فيما يدل على المذكور على أحد الأمرين فيقال به. ويجب أن تعلم أن حديثنا هذا وسؤالك في الاجتهاد إنما هو بالمعنى المعلوم عند جمهور العلماء، لا بالمعنى الذي يفسره به من يحرم التقليد من أهل الظاهر على العالم والعامي. فإن الاجتهاد إذا تصور عندكم في حق العامي وحظروا عليه التقليد، فأحرى أن يحظروه في حق من يمكن ظن الاجتهاد المطلق به على أن اجتهاد العامي عندهم مفسر بمعنى غير معنى اجتهاد العالم. واجتهاده أن يسأل العالم إذا أفتاه فيقول له: هذا حكم الله عز وجل وحكم رسوله - صلى الله عليه وسلم - . فإن أقر له العالم بذلك أخذ به، وإن لم يقر له بذلك حرم عليه العمل بقوله بناء على أن هذا القدر هو الذي في وسعه. والله عز وجل يقول: ﴿لا يكلف الله نفسا إلا وسعها﴾. ولهم على منع التقليد مطلقا وعلى التزام مذهب معين وجوه، ربما اعترف المنصف بقوتها. ويجب أيضا أن تعلم أنا لا نمنع اجتهاد المقلد في مسألة ما أو مسائل، بناء على صحة تبعيض الاجتهاد، فإنه مختارنا وعليه يدل الدليل عندنا، كما أنا لا نمنع تقليد المجتهد في مسألة ما أو مسائل عند العجز، لا أنها بالنسبة إليها، فالتقليد للمجتهد المطلق عارض أقلي، والاجتهاد لو صح من مقلد عارض أقلي أيضا.
293/7] تطيب له كلها, فقد يكون هناك ما هو أهم ويقدم فلا يكون له إلا ما فضل عن ذلك والنظر فيه للإمام الوالي أو من يقيمه في النظر في الأحباس, وأما المسألة الثانية فيما فرض فيه للخطيب المذكور لا يحل له أخذه منه, إذ يجب صرف غلة الربع الموقوف على الموضع الموصوف في بنائه وما يتعلق بمصالحه, ولا خلاف في ذلك, فصرف غلته إلى غيره وهو بالحالة الموصوفة ممتنع باتفاق, وإنما الخلاف إذا فضل من الغلة عن الضروريات والحاجيات شيء واحتاج بعض المساجد إليه, فقال ابن القاسم لا يصرف, وقال غيره بل يصرف, وقال أصبغ وابن الماجشون في العتيبة: إذا كانت الحباس لله جاز أن ينتفع ببعضها في بعض, وهذا مقيد بما ذكرناه, أعني بعد تقديم ما يقدم كبناء المتهدم فيبدأ من فائد الحبس بما يكون به اصلاحه وبناء ما وهي منه, حتى لو شرط المحبس خلاف ذلك لم يتبع, فالمأخوذ من فائد الحبس قبل إصلاحه متعقب فيجب على اآخذ رد ما أخذ من الخراج المذكور, وهو جرحة فيه لأخذه ما لا يحل له, وغن مات أخذ من تركته, ولا حجة له في أمر من أمر له بذلك لأنه لا يحل للآمر به, فيجب نقضه, ولا يقال هو كحكم فلا ينقض, لأنا نقول وغن قدرناه أنه حكم, فهو من الخطإ البين الذي يجب نقضه عليه, وعلى من ولي بعده, والفرق بين الداثر والعامر إنما يحسن في الأنقاض لا في الغلة, فيجوز صرف أنقاض الوقف الداثر إلى غيره, فينتفع بها في حبس آخر, وأما الغلة مع إمكان الإصلاح فمتفق على منعه كما تقدم والله أعلم.
[الكتب المحبسة ينتفع بها حسبما نص عليه المحبس]
وسئل سيدي أحمد القباب عن الكتب المحبسة إذا نص المحبس على بعض وجوه الانتفاع وسكت عن باقيها.
فأجاب: إن نص على بعضها كقوله مثلا على القراءة والمطالعة, فليس لأحد أن ينسخ منها إلا أن يقول وغير ذلك من وجوه الانتفاع, قال ابن رشد.
[294/7] [مطالعة الكتب على ضوء مصباح المسجد]
فأجاب: إذا لم يوكل كافيا ولا غير كاف فهو ضامن لأنه تعدى وإن كان كافيا لم يضمن.
وأجاب أبوصالح: لا يوكل كافيا ولا غير كاف، فإن فعل فهو ضامن والى هذا ذهب سحنون لأنه وإن كان كافيا لم يرض أن يكلها إلا إلى أمانة الأول.
وسئل أيضا عن راعي بقر دفعها إلى غيره بغير إذن أهلها فرعاها يوما فلما كان في آخر الشهر ذهب الراعي إلى البقر فقبضها من الآخر الذي رعاها فضاعت منها بقرة فقال الراعي إنما ضاعت بعد أن قبضتها وقال صاحبها إنما ضاعت عند الذي رعاها لك وقد تعديت.
فأجاب: إن قامت لصاحبها البينة أنها ذهبت عند الآخر فالأول ضامن وإلا حلف الراعي الأول بالله لقد ضاعت عندي بغير تضييع فإذا حلف لم يضمن؟
وسئل أبوصالح عن راعي غنم مؤلفة. سئل عن شاة من الغنم فقال قد جئت بها مع الغنم وقد أدخلتها الدار فطلبت فلم توجد وكان ذلك عند مجيء الغنم من الجبل أيضمن أم لا؟
فأجاب: يحلف الراعي بالله لقد دخلت الدار في ظنه وما خيل له وما باع وما أكل ولا دلس ولا فرط ثم لا شيء عليه غير ذلك.
[الراعي يضرب البقرة بعصا فيقتلها]
وسئل ابن لبابة عن راع يضرب البقرة أو الشاة بعصا كبيرة أو يرميها بعصا صغيرة فيقتلها أو يضربها بحجر.
[331/8]
[332/8]فأجاب: إنه ضامن وإن رمى بناحية عن الغنم فارتفع العصا من الأرض أو الحجر أو نفرت الشاة أو البقرة فوقعت في مهوات فانكسرت أو ماتت فلا ضمان عليه هذا وهذا شأن الرمي من الرعاة قال ولو أن راعيين استؤجرا بالحرز غنم فذهب أحدهما لابتياع طعامه أو مصلحته فضاع من الغنم شيء أو أكلها السبع إنه لا ضمان عليهما لأنه لا بد أن يقبل أحدهما في ما يحتاجون إليه وإذا تبيت أفسدت الغنم زرعا بالليل فإن كانت تبيت الغنم عند أهلها فعلى أهلها الضمان وإن كانت الرعاة تبيت بها في القفار فلا ضمان على الرعاة.
[من أكرى دابة لحمولة ودفعها إلى أربابها فعرض لهم اللصوص وفروا عنها]
أن يفسخ الحكم لرأى رآه لأمكن أن يرجع(¬1) الذي استحدثه إلى رأى سواه إلى ما لا نهاية له، وذلك ضرر شديد، وأما إن عدل هذا القاضي(2) فكان اجتهاده بخلاف اجتهاده الأول وحكم بقوله(3) ابن الماجشون إلى
[303/9] فسخ حكمه، وذكر ابن حبيب عن ابن عبدالحكم أن القاضي إن حكم(4) فإنه يمضي ولا يرد، وهو الصواب، وأما الوجه الرابع وهو أن يحكم ظنا وتخمينا من غير قصد إلى الاجتهاد في الأدلة فذلك باطل لأن الحكم بالظن فسق وظلم وخلاف الحق ويفسخ هذا الحكم القاضي نفسه وغيره(5) إذ المشهور في المذهب أن القاضي إذا(6) أحسن فإنه ينقضه(7) مما اختلف الناس فيه، هذا إذا كان حكمه الأول باجتهاد، وقال ابن عبدالحكم لم أسمع أحدا من أصحابنا اختلف في ذلك، وأنا لا أراه وأرى قضاءه، وقضاء غيره سواء لا يرجع عما اختلف فيه إلى ما هو أحسن منه حتى يكون الأول خطأ بينا، واستحسن ابن حبيب ما أجمع عليه أصحاب مالك ولم يعجبه ابن عبدالحكم من ذلك واختلف في تأويل ما وقع في المدونة هل مثل قول ابن عبدالحكم أو مثل ما اجتمع عليه أصحاب مالك وكلام أصحابنا أهل المذهب مستوعب مبسوط في كتبهم الفقهية، قال ابن الحاجب في تعقبه أحكام العدل: ولا ينقض منها إلا ما خالف القطع أو قامت بينة على أن له فيه رأيا فحكم بغيره سهوا، وإنما جلبت لك هذه النصوص ليظهر لك الفرق بين الحكم في هذه المسألة المحكوم فيها والفتوى به، فحكم الحاكم لا يفسخ والفتوى به صحيح لا يجوز نقضه ولا يحل حله لما اقتضته هذه النصوص المسرودة والأقوال المحكية، وأين هذا الإقدام من حل عقدة لا يجوز حلها من فتوى باختيار أحد القولين، وتخير أحد الطرفين، فرحم الله من نظر عيوب نفسه قبل النظر في عيوب غيره.
غ: وإن كان استناده لاقتران السلف بها في وقت واحد فلا بد من ثبوته والإعذار فيه إلى من له ذلك.
فأجاب : اختلف في المذهب في صحة هذا الإقرار الذي في الرسم ونفوذه للزوجة على قولين ، أحدهما نفوذه وهو المشهور ، والثاني بطلانه حين لم تقم به الزوجة إلا بعد وفاة زوجها فيحمل على التوليج حتى تثبت الزوجة لذلك سببا بأن يكون الزوج قد قبض لها مالا وعرف أنه باع لها أسبابا . وهذا القول لابن كنانة والمغيرة المخزومي ولابن حازم ومحمد بن مسلمة . واختار المتأخرون كابن رشد أن تحلف الزوجة على صحة الإقرار على ما وصفه المقر زيادة إلى يمين القضاء لمكان هذا الخلاف . ويقوي ذلك في هذه النازلة خصوصا لما ظهر من ميل هذا الزوج بماله إلى زوجه المذكورة ما خرجت له عنه من نزر يسير .
[الإقرار بالدين للوارث في المرضى]
وسئل عن رجل عهد في مرضه الذي توفي منه لحفيده للبنت بثلث متروكه وأشهد لأم المعهود له بالثلث ببينة أن لها قبله جملة دنانير من سلف ، وذلك كله في فور واحد . فلما توفي ادعى بعض الورثة وهم زوجه وبنته المقر لها وشقيقه خاصة أن إقراره لبنته بما ذكر هو على جهة التوليج ، فما يكون الحكم في النازلة ؟ بينوه لنا مأجورا مشكورا .
[284/10] فأجاب : وقفت على المسألة المكتتبة بالمقلوب ، والمذهب فيها أن يبطل الإقرار للبنت بالدين لأنها أقرب إليه من باقي ورثته ، فيتهم على توليج ذلك إليها من غير حاجة إلى يمين في ذلك ، إلا أن تثبت البنت للإقرار سببا يدل على صحته وإن لم يكن قاطعا ، كان يعرف أن الأب كان وقت التسليف ضعيف الحال والبنت وافرة المال وأنه كان يسألها التوسعة عليه وهي تعده ، أو يعرف أنه كان في ذلك التاريخ يبيع لها ويشتري ويلابسها بالأخذ والاعطاء وأنه كان بيده إذ ذاك شيء من مالها يقرب من ذلك أو شيء من متاعها وأسبابها ، أو أنه كان يتولى كراء شيء من أملاكها أو ما أشبه هذه الوجوه ، فإن عرف شيء من ذلك أحلفت على صحة الاقرار وأنه ليس بتوليج ، ويمينا أخرى وهي يمين القضاء ، وحينئذ تستحق ذلك .
الثالث إن ليلة القدر إحدى ما منحه من شرفت ليلة المولد بوجود من المواهب والمزايا وهي لا تحصى كثرة، وما شرف بإحدى خصائص من ثبت له الشرف المطلق لا يتنزل منزلة المشرف بوجوده، فظهر أن ليلة المولد أشرف بهذا الاعتبار وهو المطلوب.
الرابع إن ليلة القدر شرفت باعتبار ما خصت به وهو منقض بانقضائها
[281/11] إلى مثلها من السنة المقبلة على اأرجح من القولين، وليلة المولد شرفت بمن ظهرت آثاره، وبهرت أنواره أبدا في كل فرد من أفراد الزمان إلى انقضاء الدنيا.
الخامس إن ليلة القدر شرفت بنزول الملائكة فيها وليلة المولد شرفت بظهور النبي صلى الله عليه وسلم فيها، ومن شرفت به ليلة المولد أفضل ممن شرفت بهم ليلة القدر على الأصح المرتضى فتكون ليلة المولد أفضل من هذا الوجه وهو المطلوب.
السادس الأفضلية عبارة عن ظهور فضل زائد في الأفضل، والليلتان معا اشتركتا في الفضل بتنزل الملائكة فيهما معا حسبما سبق مع زيادة ظهور خير الخلق صلى الله عليه وسلم في ليلة المولد، ففضلت من هذا الوجه على القولين جميعا في المفاضلة بين الملائكة والأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
السابع إن ليلة القدر شرفت بنزول الملائكة عليهم الصلاة والسلام وانتقالهم في محلهم من الأعلى إلى الأرض، وليلة المولد شرفت بوجود صلى الله عليه وسلم وظهوره، وما شرف بالوجود والظهور أشرف مما شرف بالانتقال.
الثامن إن ليلة القدر فضلت باعتبار عمل العامل فيها فإذا قدرت أهل الأرض كلهم عاملين فيها فلا يلحقون قدر من شرفت به ليلة المولد ولا يلحقون عمله في لحظة وإن كان في غيرها. فتثبت أفضلية المولد بهذا الاعتبار.
التاسع شرفت ليلة القدر لكونها موهوبة لأمة محمد صلى الله عليه وسلم عناية عليه السلام وشرفت ليلة المولد بوجود من وهبت ليلة القدر لأمته صلى الله عليه وسلم اعتناء به فكانت أفضل.