تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

بسم الله الرحمن الرحيم. صلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما. يقول عبد الله سبحانه أحمد بن يحيى بن محمد بن علي الونشريسي وفقه الله تعالى: الحمد لله تعالى معز الحق ومعليه, ومذل الباطل وأهليه, الذي هدى من وفقه بفضله, وأضل من خذله بعد له, فيا شقاوة من يضله ويا سعادة من يهديه! والصلاة والسلام على سيدنا محمد مظهر دين الهدى على سائر الأديان ومبديه, الذي أيده الله بالآيات الظاهرة,

[

*وسئل ابن حبيب، عمن رمى رجلا بدمه ثم مات والمطلوب غائب، فأراد الأولياء أن يقسموا بأمر القاضي ويسهد لهم على الدم.

=فأجاب: لا يقسم الأولياء حتى يحضر المطلوب ويعرف حجته.

[ كيف تحلف أيمان القسامة ]

تفريع: قال القاضي محمد بن يبقى بن زرب نزلت هنا مسألة اختلف فيها ابن العطار والأصيلي، وهي رجلان وجبت عليهما أيمان قسامة، فقال أحد هذين الفقيهين: يحلف أحدهما خمسا وعشرين يمينا، ثم يحلف الآخر مثلها، وقال الثاني بل يحلف هذا يمينا وهذا يمينا، فقال: هذا محال هذا جائز، وهذا جائز إن تشاحا حلف هذا يمينا، وإن لم يتشاحا حلف هذا خمسا وعشرين، وهذا خمسا وعشرين، وهذه الأشياء من تولد الفقهاء.

[ يؤدب من يفتي في كفارة القتل بالإطعام ]

*وسئل ابن الفخار: هل يجب على قاتل النفس خطئا إذا لم يجد ما يعتق ولا يقدر أن يصوم أن يطعم؟ وكيف لمن يفتي بالإطعام في ذلك؟ بين لنا ما يجب على المفتي.

=فأجاب: ينهي عن ذلك، فإن لم ينته أدب أدبا موجعا ونهي الناس عن مجالسته وقبول كلامه كما فعل أمير المؤمنين بصبيغ.

[296/2]

[297/2]

[ رجل اتهم بإحراق منزل ]

*وسئل بعض أهل العلم عمن اتهم رجلا بحرق منزله، وإن المتهم سئل عن حرق ذلك المنزل فقال: مر فلان وأنا معه أحمل قدرا فيها نار، أخذ القدر مني واشتعل اللبيت، فلما رأيت ذلك طففت أطفي البيت حتى غشيني من الجيران من يطفي معي، وأما أنا فلم أحرق وجحد المتهم الذي زعم أنه هو الذي أحرق، هل ترى عليه ضمان ما أحرق من حمل القدر وصفته مع الذي رمى.

=فأجاب: عليه اليمين بالله الذي لا إله إلا هو ما أحرق ولا أعان ولا خرج بالنار ليحرق منزل الرجل، ثم لا شيء عليه.

[ من رمى بدمه رجلا ثم أبراه ورمى غيره ]

*وسئل ابن الماجشون عن الرجل يرمي بدمه رجلا ثم يبرئه ويرمي به غيره.

=فأجاب : يبحث عن بينة الوكالة والعقد الأول على الوجه الأكمل ، فإن وجدا فهو القصد ، وإن تعذروا بكل وجه منهم ، أو من النقل عنهم ، قبل ذلك منهم مع البينة ورضي الزوج في وقت شهود الأول ، فإن لم يجد ذلك ووجد بينة بأن فلانا زوجها من فلان ورضي ، ووجد من يشهد عليه قبل البناء أن ذلك العقد والتزويج كان بإذنها ، تم له الأمر ، وإن لم يجد وكان[268/3]دخوله بها مشهورا ، فلا شيء عليه ولا عليها ، والولد لاحق والصداق واجب ، فإن رأي القاضي فسخ النكاح لكونه عقد بغير ولي فذلك له ، وإن أجازه لاختلاف الناس مضى وبقيت زوجة .

[بعض ... المسافرين تأتي كتبهم بموت فلان فتعتد امرأته من يوم ذكر موته ويقسم ماله]

*وسئل عن بعض المسافرين تأتي كتبهم بموت فلان ، فهل تعتد امرأته من يوم ذكر موته ويقسم ماله أم لا ؟ وكذلك الرفقة تأتي وهي كثيرة أو قليلة يخبرون بوقوفهم على موته بالموضع الذي كانوا فيه أو بغيره ، ويشهدون على السماع بذلك ، ويذكر ذلك الواحد والاثنان والثلاثة ، وقل أن يكون فيهم عدل ، وكيف إن وقع النكاح والدخول ولحوق الولد .

=فأجاب : أما شهادة السماع فليس بشيء ، وأما الجماعة القائلون حضرنا موته ، فعن ابن القاسم : العشرون يقبل قولهم ، وسحنون لا يقبل قولهم ، وحكى من أثق به عن ابن أبي زيد أنه يقبل قول الثلاثين منهم ، وزاد في السؤال الذي بعده أن الثقة هو أبو عمران الفاسي ولا يبالي كانوا رجالا أو نساء ، عبيدا أو أحرارا أو خدما ، وكيف كان ذلك ، وأما أهل الأصول فلا تحديد عندهم خمسة فأكثر ، يخلق الله بهم العلم عند إخبارهم ورفع الشك .

[قوم عادتهم أن الثيب توكل من يعقد نكاحها بشهادة اثنين مجهولين وجمع كثير]

ثم إني يا سيدي لم أجد من شهد أنه سمع منه أنه حنث بالحرام، وشرط السماع الذي ذكرتم مفقود في هذه المسألة، ولم يبق إلا تأخير القضاء عن أمده لغيبة الغريم، هل يحنث بها أم لا؟ وقولكم يا سيدي لا تقبل بينته إلى آخر الجواب أشكل علي تفصيل ما أحلتموه، فعسى يا سيدي تبينوا لنا ذلك.

فأجاب: معنى قولنا ويذكر الشيء الذي لا يجب به التحريم كان يدعي مطلقا ويقول أردت تقييده، أو عاما ويقول أردت تخصيصه، أو ظاهرا ويريد تأويله، فإن هذه الأمور كلها تقبل في الاستفتاء، ولا يقبل الثاني والثالث ممن آسرته البينة بخلاف الأول فإنه يقبل منه. فلو كان اللفظ نصا في المعنى ويدعي من أطلقه أنه أراد به ما يخالف مدلوله النصي لم يقبل منه (لا في القضاء) ولا في الفتيا، والله الموفق بفضله.

[تسابق أخوين من أمراء العرب في اللحاق بأمير المؤمنين]

وسئل عن أخوين من أمراء العرب كتب أمير المؤمنين إلى أكبرهما أن يسير إليه ليأخذ معه في مصالحه، فعزم على ذلك. فقال له أصغرهما مشيك اليوم لأمير المؤمنين تربص به إلى أن أقدم من سفري، فإني عزمت على السفر قاصدا بني فلان أستنفرهم لعدونا. وهذا آكد من مشيك الآن، لأنك متمكن منه بعد قدومي، ومشي كل لقصده يضربنا وبقبيلنا، فقال له الأكبر أخاف إن وصلت بني فلان أن تسير لأمير المؤمنين وتجتمع معه وتقضي منه ما كنت أنا متوجها إليه ويلحقني من هذا وصم وعيب، فلا أسلم لك إلا أن تحلف لي على أنك لا تسير لأمير المؤمنين، وأن يقتصر على من قصده ممن أراد استنفارهم، فسلم له وسافر إلى أن بلغ بني فلان فوجدهم على نحو الثلاثين ميلا من بلاد أمير المؤمنين فسمع به الأمير فكتب إليه بأن يصل إليه وأكد عليه في ذلك، فاعتذر له باليمين الذي حلف لأخيه فيما قبل عذره في ذلك، وكتب

[296/4]

[297/4]

وسئل عن رجل باع جنانا وفدانا ودارا من رجل فبقي المشتري يستغل المواضع مدة من أربعة أعوام أو نحوها فوجد فيه رسم حظ محبس في الأملاك المذكورة ولم يكن البائع علم ذلك ولا سمعه فأخذ المشتري يخاصم دون البائع إلى أن حكم عليه بالحظ المحبس المذكور، فأراد الآن المشتري الرجوع على البائع المذكور فهل يبطل حقه لكونه خاصم في ذلك أم لا؟ وهل تلزمه الغلة المذكورة بطول المدة المذكورة أم حين بدأ بالخصام، بينوا لنا الواجب في ذلك.

فأجاب: لا رجوع له على بائعه المذكور لأن مخاصمته تتضمن أن بائعه إنما باعه ما يملك، وأن دعوى الحبس في ذلك باطلة، فكيف يرجع عليه بما لم يجب عليه؟ هذا المشهور من المذهب، وبه القضاء، وعليه العمل، ولو كان لم يخاصم في إبطال الحبس وإنما أشهد على نفسه أنه إنما يرجع على بائعه لكان له الرجوع عليه، وأما الغلة فلا يرجع عليه بها فيما مضي، إذ المشهور من المذهب أن من استحق من يده ملك بالحبس بعد أن استغله أنه لا يرجع عليه بالغلة إذا لم يكن عالما بأنه حبس، وهو محمول على أنه غير عالم به حتى يثبت عليه علمه به، هذا قول ابن القاسم، وبه مضي العمل، وبالله سبحانه التوفيق.

[شراء الأجباح من غير كشف عنها]

وسئل عن رجل أراد شراء النصف شائعا من نحل في عشرة أجباح على أن يخدم المشتري النصف الآخر لبائع ذلك منه ويقوم بؤونته فطلب

[271/5]

منكم أن تبينوا له شروط جواز شراء ذلك على الوجه المذكور وكيف يمكن معرفة قدر ما في الأجباح من نحل وعسل؟

فأجاب: أما شراء أجباح النحل إذا كشف على رأسي الجبح من ههنا ومن ههنا فيجوز، ولا يجوز شراؤها من غير كشف عليها، وكذلك يجوز شراء الكعك إذا كسرت واحدة منه حتى يشاهد من رأسيها ما فيها من العقدة، وكذلك شراء المجبنة كذلك، ولا يجوز أن يبيع جزءا منها على أن يخدم له مشتريه نصيبه منها لأنه أمر مجهول إلى غير ذلك من العلل الموجبة للفساد، وبسط ذلك يستدعي طولا.

[

ولابد من إدخال جميع ما ذكرناه في تعليل هذا النهي. والاقتصار على التعليل بالسرف والتشبه بالأعاجم منقوض بأواني الياقوت وشبهها مما هو أعظم ثمنا وأرفع قيمة من أواني الذهب والفضة فإن استعمالها جائز غير محرم على الصحيح وإن كنا نكره للسرف هذا. مع أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جعلها لأمته في الآخرة ولغيرها في الدنيا، فقال فيما رويناه عن شعبة عن الحكم عن ابن أبي ليلي قال: كان حديفة(¬1) بالمدائن فاستسقى فأتاه دهقان بقدح فضة، فرماه به فقال:إني لم أرمه به إلا أني نهيته فلم ينته وإن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهانا عن الحرير والديباج والشرب في آنية الذهب والفضة وقال: هم لهم في الدنيا وهن لكم في الآخرة.

فثبت بجميع ما ذكرناه من النص والمعين منع استعمالهما مطلقا إلا ما خصه الدليل واستثناه، كالمصحف وحلي النساء وجبرشين الصورة والخاتم مما هو منقطع عن الركاب في استثنائه، وبما لو بسطنا القول فيه بجلب الأحاديث الواردة فيه، وما يظن من المعارضة فيها وبالفرق بين الذهب والفضة في بعضها والقليل الكثير، وما يلحق ذلك، لخرجنا عما نحن بسبيله غير أن السيف مستثنى مع ما ذكر وهو أصل الرمح والسكين والبيضة والدرقة والترس والمنطقة ولواحق الفرس التي هي الركاب واللجام والسرج عند من قال بتحلية هذه الأشياء، وسوى بين السيف وبينها في سبب الإباحة، فتحلية السيف بالفضة جائزة لا يعلم خلاف في ذلك. وأما بالذهب، فظاهر المدونة والموازية والموطأ جوازها قال صاحب الطراز. ويختلف في الذهب. ولما ذكر الأبهري(¬2) المصحف والسيف وحليتهما قال: على ذلك مضى أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .

282/7] والإيثار لما ورد في ذلك من الآثار وصحائح الأخبار, وحكم به بعض القضاة لمن حرم الدخول من الأولاد في الحبس والهبات أم لا يتجه نقضه وإبطاله ولا يتصور في الفقه اختلاله؟ وإن قلتم بعدم نقضه من هذه الحيثية فهل ينقض إذا علم قصد المضارة بالخارج بإقرار المحبس؟ أو قرينة حال ويعاقب بنقيض قصده الفاسد كإحدى قولي مالك وابن القاسم في الوصية بالثلث فرارا عن وارث محتاج وقول الأخوين, وأشهب عن مالك, واختيار ابن حبيب في إبطال تبرع ذوات الأزواج إذا قصدن الضرر ولو بالثلث فدون, ويتاكد برأي الحنفي القائل بإبطال الحبس مطلقا لما فيه من قطع الميراث الذي أحكم الله في الملاك أو لا ينقض بوجه ولا حال, والتعرض لنقضه ولو مع ظهور سببه عين المحال, وتأملوا حفظكم الله قول العاقد آخرا: إلا أن مات ممن أسهم سهما من الحبس عن ذرية فإن ذريته تأخذ حظ الميت ميراثا لأنفسهم, هذا هو الصحيح, هذا معنى آخذ الحظ بالميراث أن ذرية كل واحد من أعيان المحبس عليهم تخلف موروثها في حظه على وجه التحبيس لا على وجه التمليك مخافة أن يقال لو لم يأت بهذا الاستثناء لكان الحكم أن الولد منهم ينتقل حظه من الحبس إلى من في طبقته, لما علم من إيثار الأعلى على الأسفل, أو معنى أخذ ذلك الحظ بالميراث هو بمعنى التملك وحينئذ ترجع المسألة إلى مسألة من حبس على عقبه وهو لآخرهم ملكا, فلا مرجع له إلى المسجد المذكور, وإطلاق الحبس عليه إذ ذاك مجاز, وهو في الحقيقة عمري للخارج وعقبه الدخول فيهما على سبيل الملكية إن أفضت العصوبة إليهم يوما فلسيادتكم الفضل في تعيين الراجح من هاذين الاحتمالين في نظركم السديد والله سبحانه يبقيكم والسلام عليكم ورحمة الله تعالى.

فأجاب: وصل إلي أبقاك الله كتابك هذا مستفهما عما جرى عليه العمل عندنا في تضمين السماسرة لما أخذوا من ثياب البيع وادعوا تلفه وعن مذهبي في ذلك هل حكمهم في ذلك سواء مع أرباب السلع الذين دفعوها إليهم للبيع ومع التجار في الطلائب التي يطلبونها منهم للمشتري أم لا؟ فأما استمرار العمل والفتوى في ذلك على حد واحد والذي كنت أفتي به في ذلك على طريق الاستحسان من مراعاة للاختلاف ألا يصدقوا في دعوى التلف إلا أن يكونوا معلومين بالثقة مأمونين وذلك أن الأصل فيهم أن لا ضمان عليهم لأنهم أجراء مأمونون وقد حكى الفضل عن بعض رواة سحنون أنه كان يضمنهم قياسا على الصناع واستحسنه وله وجه في القياس لأنهم قد نصبوا أنفسهم في ذلك فصار لهم حرفة وصناعة ولهذا المعنى ضمن بعض أهل العلم الراعي المشترك وحارس الحمام فمن أنزلهم منزلة الصانع فيما أعطوه للبيع دون أن يطلبوه وجب عليه أن ينزلهم منزلتهم فيما يطلبونه من التجار ليبيعوه لهم ممن طلبه منهم وليس ذلك ببين لما ذكرناه وإذا سقط عنهم الضمان على هذا القول أو على الأصل في أنهم مؤتمنون كانت مصيبة ما تلف عندهم من الدافع لهم، وقيل من المرسل لهم لأنهم أمناء لهما جميعا فاختلف في أي أمانة تغلب والأظهر تغليب أمانة المرسل لأنها المتقدمة ولو قال قائل إنها لا تغلب واحدة منهما وتلزم المرسل نصف قيمة ذلك لكان له وجه وبالله التوفيق.

[317/8]

[318/8]

[ما يقع عند السمسار من تمزيق الثوب عند طيه ونشره]

وسئل عما حدث من نشر السمسار للثوب وطيه من تمزيق أو قطع أو جبذ مسمار في حين تناوله هل لا يضمنه للإذن له فيه ما لم يخرق في فعله أم يضمنه إذ فيه نوع تفريط كالنسيان وبخلاف السقوط؟

قلت: أما إن أراد بالدعوى ما افتتح به كلامه من قوله: والأظهر أن له الرجوع، فقد استدل على صحة دعواه كما تراه، وإن أراد قوله: وأما الوصية فلا يبعد بطلانها فلا شك أنه يحتاج إلى ما يوضح ويثبت دليل دعواه على ذلك.

وقول ش: فإذا رجع عنها كان أبين في صحة رجوعه، فيه قلق لأن الرجوع لم يقع فيه احتمال ولا تردد لتقرره وثبوته، والأنسب بمنصب استدلاله أن يقول: كان أبين في بطلانها، فإذا بطلت على وجه يتعذر بطلانها به (كذا) فإذا رجع عنها كان أبين في البطلان لا في الرجوع، ويؤيد هذا المعنى الذي أشرنا إليه قوله: وثبوت وصيته الثانية لأنه من لوازم بطلان الأولى، ولو قال لكان أبين في نفوذ الوصية الثانية كان أولى فليتأمل.

ش: وهذا بخلاف ما لو أوصى بعتق عند أو أمة والتزم أن لا يرجع في ذلك، فإنه إن أعمل هذا الشرط فلإمكان صرف الوصية إلى معنى التدبير على طريق الاستعارة لقرينة الالتزام فإن العتق يقبل الأمرين: الوصية والتدبير، كما لو دبر عبده وشرط أن له الرجوع فإنه يمكن صرف لفظ التدبير إلى معنى الوصية بقرينة الرجوع لما لا يقبل إلا الوصية، فإذا شرط فيها ما يغير حكمها وجب بطلان الشرط إما وحده أو مع الوصية هذا والوصية قد قارنت السلف جر نفعا.

غ: هذا الكلام ليس فيه تحقيق من وجوه:

[291/9] الأول أنه مبنى على الشك والتجويز، فإنه قال إن اعمل هذا الشرط وأن موضوعه في لسان العرب للشك والتجويز ثم قال: وكما لو دبر عبده وشرط أن له الرجوع فيمكن صرف لفظ التدبير إلى معنى الوصية، فذكر الإمكان ولم يثبت قولا عن أئمتنا في كلامه بهذا بوجه.

قلت: هذا هو الوجه الأول الذي استدل به على سلب تحقيق كلام الشريف، وعليه مطالبات من أوجه:

الأول استعماله وجوه في مواضع أوجه، وفيه ما يعلمه، وإن كان قد استعمله كثير من العلماء إلا أنه انتقد عليه، ولم يسرد علينا من الوجوه الأربعة (كذا) مع ما فيها من التداخل.

وسئل عمن غاب وله أموال موقوفة بيد إنسان ولا يتأتى الاعذار إليه ، ومن جملة الموقوف عشرون دينارا ، وأوقف القاضي ذلك لهذا ولأمانته وملائه ، ثم قدم الغائب فقام يطلب ماله حيث كان ، فعمد أحد الأخوين فتصدق بماله في وثيقة الدين على شقيقه وحوزه إياه بمعاينة شهود ، فطلبها القائم بالعدد فاستظهر المتصدق عليه بالوثيقة التي للدين ، فطلب القائم يمين القضاء من الأخوين ، فذكر المتصدق أنه تصدق به على أخيه ولم يبق له فيه حق فلا يحلف ليأخذ أخوه ، واستدل بما روي عن بعض المتأخرين فبمن له دين بشاهد فتصدق به يحلف المتصدق عليه ويستحق . وقال المتصدق عليه أزيد في يميني لا أعلم أن أخي المتصدق علي قبض من دينه هذا كثيرا ولا قيلا ولا أسقطه ولا شيئا منه ولا سقط عن الغائب بوجه من الوجوه ، فقال القائم تصدقت فرارا من اليمين ، واليمين لازمة لكما لكونكما متفاوضين فبين لنا وجه الحق في ذلك .

فأجاب : اليمين متوجهة على المتصدق من وجوه : أحدها علمه بصحة هذا الطلب من سقمه ، وقال الأبهري : والصواب في هذا في امرأة تصدقت بكالىء لها على زوجها لا يقبضه المتصدق عليه إلا بعد يمين المتصدقة يمين القضاء المشهورة ، لأنها قد تكون تصدقت لتستدفع اليمين المذكورة وقد

[272/10] أحسن الشيخ ، وما ذكره عن المتأخرين ليس بشيء ، لأن الصدقة نقل شرعي شرطه صحة الملك ، فإذا لم يتقرر الملك فلا نقل نعم لو عدم المتصدق لكان له وجه مع أن المسؤول ربما أمكن معها ما لا يمكن في مسألة الشاهد ، والراجح في المسألة ما قال الأبهري . قيل في هذا الكلام بعض إسقاط .

[من له دعاوى مختلفة على رجل من أهل التهم حلف يمينا واحدة]

فأجاب: الذي عند جماعة من أهل السنة أن أول الواجبات على المكلف تقليد من ذكرت على الفور عند استكمال شروط التكليف، وتصح منه جميع العبادات التي تعبد الله بها جميع المؤمنين، ثم بعد ذلك أيضا هو مكلف بالنظر العقلي المفضي إلى العلم بما كان اعتقده أولا تقليدا. إلى هذا ذهب القاضي أبو الوليد الباجي، وذكر أنه مذهب شيخه أبي جعفر السماني والقاضي أبو الوليد بن رشد في بعض كلامه، واستدل قائل ذلك بإجماع المسلمين على أن إيمان العوام: الرجال والنساء، إيمان جائز لتسميتهم في جميع الأعصار مومنين ثم ارتضى هو لنفسه بأن اول الواجبات النظر، والاستدلال المؤدي إلى العلم بالمكلف، وأن والعبادة لا يصح التقرب بها إلى من كنفه قبل العلم بذلك النظر القريب فيؤدي إلى اليقين كما يحصل بالتقليد لمن هداه بالله تعالى بأول وهلة من الاعتبار، وبما أرشده الله إلى الاعتبار به في غير ما آية من كتابه، أو على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم قال: فمن آمن بالله تعالى عن تقليد، حصل له به اليقين أو نظر فجعل له به اليقين والعلم. فهو مومن، وإن كانت مرتبته كمن آمن بالله تعالى عن علم يحصل له به القطع أفضل ممن آمن بالله عن تقليد أو نظر، فحصل له به اليقين خاصة ولم يفض به إلى العلم. قال: وإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون﴾ الآية وكذلك قوله:

[271/11] ﴿إنما يخشى الله من عباده العلماء﴾ ومعنى ذلك أن العلماء أكثرهم له خشية، وعلي ما وعدهم به من الثواب أشد رغبة، لأنهم قطعوا بأنه يوفي لهم بما وعدوا، وراجين في عفوه وصفحه عن زلاتهم، لإخباره أن ذلك متوقف على مشيئته، قال: لأن النظر الذي يفضي إلى العلم لا يحصل إلا بعد إمكان النظر، وذلك مما يعسر أن يكلف به كل الخلق.

المعيار المعرب والجامع المغرب · الجزء ١ · الصفحة ٣٢٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

المعيار المعرب والجامع المغربج ١ · ص ٣٢٦