تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ابن عرفة: وحكم بناء مسجد الجماعة والجمعة كفعلهما.

[هل تجب الجمعة على مشلول لا يستطيع الانتقال إلى المسجد؟]

وسئل سيدي ابراهيم الثغري عن رجل شلت رجله بمرض ويمشي متكئا على عصى الخطوات اليسيرة, والمسجد الجامع بعيد من داره لا يقدر على الوصول لصلاة الجمعة إلا بمشقة, فهل يجب عليه كراء دابة أو استعارتها كل يوم جمعة ليصل بها للجامع, ولو كان ذلك يجحف به لاسيما ويحتاج مع هذا من يعينه على الركوب والنزول ويحرس دابته؟ أو لا يجب عليه ذلك وتسقط عنه الجمعة بماذكر من الضرر, ولأنه لا يجد معينا على ما ذكر إلا في النادر من الجمع؟ وعن الإمام يمد صوته في حركته إلى الأركان بمقدار فعله, فهل هذا مما يسوغ ولا حرج عليه في فعله؟ أو يكره له ذلك لأنه يزيد على القدر المحتاج؟

فأجاب إن كان السائل لا يقدر على الوصول من داره إلى الجامع ويتعذر عليه الوصول إليه راكبا, غما لعدم من يعينه على ركوبه أو لعدم من يحفظه سقط عنه حضور الجمعة. وأما الذي يمد صوته بالتكبير والتحميد في انتقاله من بعض الأركان إلى بعض بطول حركته البطيئة فأرى ألا يسوغ له, لأن في ذلك زيادة على القدر الذي يطلب منه من ذلك

[141/1] اللفظ. وأيضا قد يؤدي ذلك إلى خروج ذلك اللفظ عن معناه كماد حركة الباء من لفظ الله أكبر, فهذا لا يجوز والله اعلم.

[خوف الإكراه المبيح للتخلف عن الجمعة]

وسئل سيدي أبو عبد الله محمد بم مرزوق عن قول المازري: وأما الخائف من القتل إن شهد الجمعة فإن التأخير مباح له, ولم يقل هو واجب.

الفقهاء ولا تقتضيه نصوصهم وعلي ذلك تجري أحوال أهل الأندلس اليوم في

أمر الفداء فانهم مرتبطون في ذلك لما حده لهم ملوكهم وراؤه مصلحة في

حقهم , وذلك مقتضي مذهب مالك والصحيح منه .

العمل في الأندلس والمغرب علي جواز فداء الأسري المسيحين .

ومما يعضد ما عليه العمل اليوم بالاندلس من اباجة الفداء ما وقع في

نوازل القاضي

ابي عبد الله بن الحاج وهو ان جماعة من النصاري الأساري

وجدهم المسلمون بقرب أرض الروم يرومون التخلص الي بلادهم , فأخذهم

المسلمون وأرادوا بيعهم , فأستطهر النصاري بعقود مكتوب بعضها بمالقة

وبعضها بمراكش تقتضي شراء بعضهم لنفسه من سيده وافتكاك النصاري

لبعضهم وعتق بعضهم .

فسئل في ذلك القاضي أبو عبد الله بن الحاج المذكور .

فقال . ان ثبت كل واحد منهم ما استطهر به من عتق أو لشرائه لنفسه أو

شراء أهل ملته له ليخرجوه بذلك من الأسر الذي لزمه والرق الذي كان فيه

فقد عتق بذلك من الملك وتخلص به من الأسر , لأن الله تعالي قد أباح لنا

بعد الاثخان في المشركين وبلوغ تلك الغاية فيهم أن نأسرهم فنمن عليهم

بالعتق والتسريح . ثم قال بعد ذلك وكذلك أبيح لنا أن نفادي به المسلمين أو

نأخذ منهم الأموال فداء أو نطلقهم , والنصوص في هذا المعني كثيرة قد ذكر

منها في التقييد الأول جملة فلا حاجة لتكررها هنا . وأما ماذكر هذا التكلم

بعد ذلك من الحجج علي منع الفداء وجوازه لغير الأمام فهو من أوضح الادلة

علي صحة ما قررناه من أن المنع والجواز في ذلك انما هو متعلق بالامام لا

بغيره , لأن تلك الحجج هي التي أوردها الفقهاء الائمه بعينها في منع الفداء أو

جوازه للامام .

وها نحن نورد ما ذكره من ذلك وتبين فساد معناه فيها وخلل مأخذة ان

شاء الله .

قال هذا المتكلم الجتهد . ولنذكر من حجج الفريقين ما تيسر , فوجه

[179/2]

[180/2]

القول بجواز المفاداة لغير الامام وهو ماتقدم من الادلة علي جواز ذلك للامام

=وأجاب ابن زرب على الزوج اليمين الذي ندعيه ختنته من علمه وأمره بعد أن ينصه ، فإن حل فعلى ذلك كان عليه غرمه ، وإن نكل على اليمين حلفت على ذلك ويسقط قيامه عليها ، وبقيت حجة ابنتها قبلها إن شاء الله تعالى .

=وأجاب : هاشم بن أحمد بن أمد بن خزيمة : إن كانت زينب هذه وصيا ، فالقول قولها فيما ذكرته من تصريف مهر ابنتها إن لم تكن لها بينة على ذلك ، وإن لم تكن وصيا لم تخرج من هذه الحمالة إلا ببرهان ، وإلا ضمنت ما قبضت إن شاء الله .

وقال ابن الهندي في مقالاته : وإذا قام الرجل بعد الدخول يطلب معجل صداق زوجته من الوكيل الذي وكله أبوها على أحكامها وقبض صداقها ، فإن كانت بقرب البناء مثل العام ونحوه ، فعلى الوكيل البينة بابتياع الجهاز وإيراده[153/3]بيت البناء ، وما أثبته الأب أو الوكيل من إنفاق ذلك في مثل الشورة ، ومثل ما يصلح للنساء من الطيب وغيره ، فهو براءة لهما من ذلك .

[من تزوج امرأة بمائة دينار ، ولم يفرض عليه نقد منها ولا مهر إلا مائة بعينها]

*وسئل : القابسي عمن تزوج امرأة بمائة دينار ، شرط على نفسه ، ولم يفرض عليه نقد ولا مهر إلى مائة بعينها ، وحلف أبو الصبية بالطلاق أن لا يدخل عليها حتى يؤدي مائة دينار التي شرط على نفسه .

من أركان الطلاق ، وهو محله ، قبل شرط المحل ملكية الزوج عصمة النكاحية قبل إيقاع الطلاق تحقيقا أو تعليقا ، وهذا الطلاق إنما هو بعد زوال العصمة ، لأنه لا ينجز من الطلاق المعلق على أجل إلا ما يقدر صحة وقوعه عند الأجل فينجز لئلا يضارع نكاح المتعة ، وهذا إنما يتأتى في مسألة العبد لا في مسألة الولد.

قلت: إذا كان الطلاق المؤجل إنما ينجز بتقدير صحته عند الأجل ، فالمعتبر إنما هي أحوال المطلق عند الأجل ، كما قال ابن الحاجب ، والمعتبر في حال الولاية حال النفوذ ، وإن ادعى بعضهم أنها عبارة فيها قلق نفما أسفرت العاقبة عنه عند ألاجل هو المعتبر ، فالعبد في المسألة التي ذكرتم إنما نجزنا عليه الطلقتين اللتين تصحان منه عند موت السيد وهما حينئذ ليستا جميع طلاقه ، بل تبقى له واحدة كما قال ابن شاس.

فإن قلت: لما لم يعلم ما يكون من حالها عند موت السيد حملتا عليه الآن بجميع طلاقه.

قلت: لو كان الاعتبار بجهل حال المطلق عند الأجل لطلق على الابن في المسألة المذكورة ، فإنا لا نتحقق أن أباه يسبقه بالموت ، ولعل الأمر بالعكس أو يبيع الأمة أو يهبها قبل موته كما تقدم لكم في استشكال تزويجه أمة أبيه ، ولهذا قيد شيخنا ابن عرفة المسألة بأن لا يموت الأب مرتدا.

وسئل رحمه الله عن أخوين هلكا وتخلف أحدهما أولادا ولم يتخلف الآخر وارثا غير أنه كان لهما أعني الأخوين الهالكين أخ غائب فقام قائم على الأخوين الهالكين بدين من دراهم وزرع ورب فدفع له ذلك ورثة أحد الأخوين الهالكين وقبضه منه وبقوا بعد ذلك مدة طويلة إلى انقضاء أمد تعمير الغائب، فقام ورثة أخيه الحاضر الهالك عند من يجب له القيام فموته لهم، ثم وجدوا له ديونا ثابتة على والدهم وعمهم الهالكين تستغرق جميع متروكهما الذي صولحوا عليه، فهل يلزم القائم بالدين القابض له رد ما أخذ من الدين

[156/5]

ويحاص به مع الورثة الذين استحقوا دين عمهم الغائب في متروك والدهم أو لا يلزمه رده؟ وكان صلح الورثة أولا عن متروك والدهم وعمهم الغائب، بين لنا ذلك مأجورا مشكورا.

فأجاب: أكرمكم الله تعالى يجب الحصاص فيما قبضه القاسم المذكور من الورثة المذكورين إن كان دين موروثهم الغائب يستغرق التركة المذكورة وحده أو مع دين القائم ويجري ذلك مجرى الاستحقاق وهذا بين منصوص عليه في مواضع من الكتاب، وبالله تعالى التوفيق.

[مسألة مما يتعلق بالمفقود والاستحقاق...]

وإن كان نجمه عليه وسكت، فلم يشترط أن يأخذ منه في كل نجم صرف ذلك الجزء فذكر في ذلك الكتاب محمد قولين، والاختلاف فيه من قول مالك وابن القاسم قائم من العتبية.

ووجه هذا الاختلاف بأن الثابت له في الذمة من أجزاء الدينار الذهب والذي يوجبه الحكم فيها عند القضاء دراهم بصرف يوما القضاء. إذ لا يتبعض الدينار فأجيز ذلك مرة على مراعاة ما ثبت في الذمة، ولم يجز مرة على مراعاة ما يوجبه الحكم لأنه يأتي على مراعاة ما يوجبه الحكم الصرف المتأخر. فهذا وجه ما سألت عنه، والأظهر أن لا يجوز، ولذلك لو كانت له عليه ثلاثة دنانير منجمة، فأرادا أن يعجل له بها دينار، يجري ذلك على هذا الاختلاف.

[حكم من باع نقدا واشترى نسيئة]

وسئل عن الرجل يبيع سلعة بنقد من رجل آخر، ثم يريد أن يشتريها منه نسيئة هل يجوز ذلك أم لا؟

[197/6]

فأجاب: إن اشتراها منه لنية حدثت له في ابتياعها بعد أن باعها منه وانتقد الثمن وهو يريد ابتياعها جاز ذلك، وإلا لم يجز.

[من باع بنقد واشترى بأكثر من الثمن إلى أجل]

وسئل عن رج باع دارا بمائة نقدا فلما قبض الثمن قال للمشتري: أتبيعها مني بمائتين إلى عام؟ أيصلح ذلك أم لا؟ وهي مثل المسألة التي قبلها.

فأجاب عن ذلك بأن قال: الجواب عن هذا كالجواب في التي قبلها المتقدمة، وهي التي يبيع من التاجر السلعة بنفد، فينتقد ثم يشتريها منه بأكثر من الثمن إلى أجل.

[لا يجوز بيع سلعة على أن يقتطع ثمنها في ثياب]

وسئل عن رجل باع سلعة من رجل وأراد أن يقطع ثمنها شيئا بعد شيء في ثياب يعطيها إياه يصبغها له.

فأجاب: لا يجوز ذلك لأنه يدخل غير ما وجه من الفساد من ذلك الدين بالدين، وقد نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الكالئ بالكالي.

[لا يجوز شراء سلعة في مقابلة عمل لمصلحة البائع]

أما قولك أما الإلهام, فقولكم قد نص على ذلك أبو الحسن المتيطي فاقتضى ذلك ان هذا الكلام اختص به المتيطي, والمتيطي لم يقل ذلك صرف من عند نفسه, وإنما نقل المسألة من أول فصل من الوثائق المجموعة حرفا بحرف, هذا هو الوجه(¬1) الذي لا اعتذار عنه, ويلزم على هذا أن كل من يسأل عن مسألة فيقول نص على ذلك اللخمي, وهي منقوله من كتاب ابن المواز أن يقال له أخطات في قولك نص على ذلك اللخمي, لأنه لم ينقلها من عند نفسه, وإنما نقلها من كتاب ابن المواز, فالتعلق بمثل هذا ضرب من الهذيان, أوردها سعد وسعد مشتمل, ما هكذا يا سعد تورد الإبل, ومعنى قولنا نص على ذلك المتيطي أي نص على كلام مجموعالمجموعة والباجي. وأما قولكم أيضا اقتطع هذا الكلام محرفا عن موضعه ونزله على النازلة المسؤول عنها إلى قولكم وما من هذا كله حرف ينطبق على ما قال فنقول: إنه مطابق لمن

[

فأجاب: إن فعلا ذلك لنفاد التجارة فلا يجوز، وإن كان للمعروف والرفق فجائز.

وسئل عن رحى بين رجل وامرأة فغابت أعواما فكان يكريها ويستغلها تلك الأعوام فلما قدمت طلبته بغلة نصيبها فسوف بها، فتارة يقر وتارة ينكر به إلى أن مات.

فأجاب: إذا ثبتت حصتها من الرحى واغتلال الشريك فيها تلك الأعوام، وجب أن تعوض مما خلفه بكراء حصتها للأعوام المذكورة التي اغتلها بتقدير أهل البصر والمعرفة بعد الإعذار إلى الورثة والعجز عن الدفع.

وسئل عمن بينه وبين آخر أربعمائة شاة ففقد أحدهما فأشرك الباقي غيره من الغنم، ثم جاء المفقود ورجعت الغنم إلى مائتين أو هلكت كلها، ما الحكم في ذلك؟

فأجاب: إذا أشرك شريكه حصة المفقود ودفعها إلى الشريك فهو ضامن لها.

[شريكان لأحدهما 20 من البقر وللآخر 22، فعطبت بقرة]

وسئل عن شريكين في بقر لأحدهما عشرون وللآخر اثنان وعشرون شاركه بعشرين ويبقى اثنان لا شركة فيهما فعطب من البقر واحدة فقال صاحب العشرين هي من الرأسين الزائدتين وقال الآخر هي من بقر الاشتراك.

[179/8]

[180/8]فأجاب: هي بينهما أرباعا، على صاحب العشرين ربعها، وعلى الآخر الذي له الزائد ثلاثة أرباعها، لأن دعواه تثبت نصفها عليه، والنصف الآخر هو يدعيه أنه من صاحبه والآخر يقول ما علي فيه شيء فيقسم بينهما نصفين، فيصير على صاحب الزائد ثلاثة أرباعها وعلى الآخر ربعها. فقال له بعض أصحابه: هي كمسألة المائة دينار ودينار، يتلف من الجملة دينار فيختلف فيها، قال نعم. قيل هذا إن كان الرأسان معينين ولم يتميزا، ولو كانا مشاعين لكانت القيمة على عدد الرؤوس على حساب عول الفرائض، كقول مالك حسبما قرره اللخمي وغيره في المسألة.

[إخوة شركاء في مال غاب أحدهم فساق الآخرون لزوجاتهم سياقات وعاوضوا ثم قدم الغائب]

176/9] شيء منها، وإذا كانت مما يمكن أن تخفي عليها ففي ذلك نظر، فإن كان الأب لم يحزها بإخلاء أو ما يحوز به الآباء للأبناء فلا قيام لها جملة، وإن ثبت أنه قد حازه لها مدة كونها في حجره فعليها أن تحلف ما علمت بالصدقة المذكورة إلى حين قيامها ثم تقوم فيها على مذهب من يرى من أصحابنا أن عدم التفريط في الحوز لا يقدح في الصدقة ولا قيام لها على المذهب الآخر، والقولان معلومان متأولان على المدونة منصوصان في غيرها، لكن الدار التي باعها الأب لا قيام لها فيها جملة، صحت الصدقة أو بطلت، ولا قيام لابنه في ثمنها ولو صحت لما ذكرت من تجهيزه لها بأضعاف ثمنها إلا أنه يجب الوقوف على لفظه في الجهاز هل هو بلفظ الصدقة أو النحلة أو غير ذلك من الألفاظ فينظر في ذلك بحسبه وما يطابق أن يجعل عوضا عن ثمن الدار أو عطية مستأنفة، وبالله التوفيق.

وأجاب البياني: الهبة غير جائزة لعدم الحوز والبيع جائز إن شاء الله.

وأجاب غيره: إذا كان الأمر كما ذكرتم فبيع الأب جائز، ولا حق للأخت في الدار ولا في شيء من الحوانيت إذا لم تحزها في حياة أبيها وترجع الحوانيت ميراثا ولا اعتراض لأخيها في شيء مما جهزها به أبوها من ثياب، وإن كانت الدار قد أنحلها بها أبوها فهي لها وإن لم ينحلها بها ولا وهبها لها ولا احتازها في حياته فهي مردودة وترجع ميراثا إن شاء الله.

قلت: تذكر بهذه والتي قبلها نازلة فاطمة بنت جابر السبتي مفارقة الحاج المورقي الواقعة في ذي القعدة سنة أربع وتسعين وثمانمائة وما وقع فيها من تحامل من تعين للنظر فيها ممن يشار إليه، وانظر الطرر وابن راشد في شرحه لكتاب ابن الحاجب، والله سبحانه يعصمنا من الخطأ والزلل في القول والعمل بمنه.

[مسألة]

فأجاب : إذا أظهر هؤلاء القوم الذين ذكرت مذهبهم وأعلنوه وأنشأوا مسجدا يجتمعون فيه وصلوا العيد بناحية من المسلمين بجماعة ، فهذا باب عظيم يخشى منه أن تشتد وطأتهم ، ويفسدون على الناس دينهم ، وتميل الجهلة ومن لا تمييز عنده إليهم . فواجب على من بسط الله قدرته أن يستتيبهم مما هم عليه ، فإن لم يرجعوا ضربوا وسجنوا ، ويبالغ في ضربهم ، فإن أقاموا على ما هم عليه فقد اختلف في قتلهم . وقال ابن حبيب : من تاب منهم يترك إلا أن تكون لهم جماعة في موضع يلجأون إليه فلا يترك هذا وإن تاب ، [151/10] ويسجن حتى تتفرق جماعتهم خيفة أن يلحق بهم . وأري أن يشهر فساد ما يعتقدون ليلا يلبسون علي أحد ، وليلا يسكن في قلب أحد من ضلالتهم شيء ، وهم أشد في كيد الدين من اليهود والنصارى ، لأن هذين المذهبين أعني اليهود والنصارى قد عرف الناس أنهم كفار فلا يلتبس علي الناس أمرهم ولا يخشى علي المسلمين أن يظنوا أن عندهم حقا ، وهؤلاء يقولون نحن مسلمون يقرؤون القرآن ويخالفون مضمونه ، ويقولون بمحمد ويحدثون بالأحاديث التي تؤدى لمذهبهم . وأما هدم المسجد الذي بنوه فحق ، وجميع ما يتألفون فيه كذلك ، وأيضا فإنما يقصد به الضرر والضرار ، قال الله عز وجل لنبيه عليه السلام في مسجد الضرار چ ? ? ? ? چ [التوبة : 108] وفى هدمه ذلة لأهل دينهم ، وبقاؤه ركن لهم وملجأ ، وهدمه يؤسس في قلوب الناس والعامة فساد ما هم عليه ، ولأنهم إذا عملوا أن ذلك فعل بقول أهل العلم يتيقنون أن ذلك لفساد ما هم عليه واجتنبوا قومهم . وللفعل في النفوس تأثير . وقد خرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى أصحابه بالحديبية في العمرة التي صد عنها فأمرهم بالحلاق فترددوا ، فلما نحر هديه وأمر حالقه فحلق تبادروا لمثل ذلك ، وما كانوا يشكون في قوله صلى الله عليه وسلم . والله أسأله التوفيق برحمته .

[يخلى المسجد الذي يجتمع فيه المبتدعون ويعمر بأهل السنة]

قال علماؤنا المالكيون التصدي للعزاء بدعة ومكروه، فأما إن قعد في بيته أو في المسجد محزونا من غير أن يتصدي للعزاء فلا بأس به، فإنه لما أتى إلى النبي صلى الله عليه وسلم نعي جعفر جلس في المسجد محزونا وعزاه الناس. وروى أبو سعيد الخدري قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لعن الله النائحة والمستمعة" وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "تكسى النائحة يوم القيامة بسربال من قطران ودرع من جرب" رواه مسلم في الصحيح في أخبار كثيرة عن الرسول عليه السلام ولأن ذلك التظلم والاستغاثة على الله فهو حق وعدل وكذلك لا يجوز الصراخ والدعاء بالويل والثبور. فأما البكاء من غير شيء من ذلك فمباح والدليل عليه أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل ابنه إبراهيم في حجره وكان ينازع فبكي عليه وقال: تدمع العين ويحزن القلب ولا نقول إلا ما يرضي الرب وإنا بك يا إبرهيم لمحزونون. وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم فاضت عيناه فقال له سعد: ما هذا يارسول الله؟ فقال: إنها رحمة يضعها الله في قلب من يشاء وإنما يرحم الله من عباده الرحماء.

[154/11] إذا ثبت هذا فإن البكاء مباح إلى أن تخرج الروح، فإذا خرجت كره البكاء. لما روي عن عبد الله بن عتيك قال: جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عبد الله بن ثابت يعوده فوجده قد غلب فصاح به فلم يجبه فاسترجع رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: غلبنا عليك يا أبا الربيع فصاح النسوة وبكين فجعل ابن عتيك يسكتهن فقال النبي صلى الله عليه وسلم دعهن فإذا وجب فلا تبكين باكية يعني مات انتهى.

المعيار المعرب والجامع المغرب · الجزء ١ · الصفحة ١٨٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

المعيار المعرب والجامع المغربج ١ · ص ١٨٤