وأما تتبع ألفاظ هذا المعترض, فقوله فيا ليت شعري أي المحاريب يقلد وأنت تشاهد من اختلافها الخ. هذا كلام هائل, ليس تحته طائل, فإنه قد تقرر حسبما تقدم ان محاريب قطرنا الأندلسي منصوبة كلها على جهة الربع الجنوبي الشرقي لا تتعداه, لكن سموتها مختلفة. وقد تقدم أن هذا بناء على القول المشهور من اعتبار الجهة. وقد نص القاضي أبو الحسن بن القصار على أن المحراب الذي يعلم إمام المسلمين نصبه أو اجتمع أهل البلد على نصبه أن العالم والعامي يقلدانه, ولا أعلم أحدا خالف ابن القصار في هذا, وهو القائل بطلب السمت, فكيف غيره ممن هو يطلب الجهة؟ وقال ابن البنا أن المساجد التي بنيت إلى الجهة على سموت مختلفة صحيحة على ما بنيت لا يجوز تغييرها, فإنها موافقة لالاجتهاد. فصار البناء فيها حكما واقعا على وفق الاجتهاد لا ينقص, وارتفع الخلاف فيه اجماعا وهذا كلام صحيح جار على الفقه والصواب, لأنها على أن المتقدمين اعتبروا الجهة فصار نوعا من إجماع عليها.
وقال ابن العربي في مساجد الأمصار هي باجتهاد, ولكنه يتعاضد المر فيها ولا يعلم واضعها, وهي مختلفة في التيامن والتياسر, وإن كانت لم تخرج عن السمت البمتعارف مما بين المشرق والمغرب. وقد خط جامع قرطبة ووصل جماعة من الرفقاء الحجاج, كبقي بن مخلد ومحمد بن وضاح ووصل من أهل
[
وأصحابه ) من تاليفه عن أشهب انه قال لا باس بذلك , فيتحصل من مجموع
هذا النقل ان فداء الكبير لغير الامام منعه من علماء المالكيين عبد الملك بن
حبيب وسحنون ومطرف وابن الماجشون وابن المواز , وأجاز أشهب وحده .
ولنذكر من حجج الفريقين ما يتيسر : فوجه القول بجواز المفاداة لغير الامام هو
ما تقدم من الأدلة علي جواز ذلك للامام بالكتاب والسنة والقياس .
فان قيل ان ذلك مختص بالامام فيجوز له دون غيره , فلقائل بالجواز
أن يقول ان الأصل عدم التخصيص , فكما يجوز للامام يجوز لغيره , ولقائل
بالمنع أن يجيبه عن ذلك بأن فعل الامام فيه مصلحة عامة للمسلمين فجاز
له ذلك بخلاف غيره , ولا يفعل الامام المفاداة أو غيرها من الوجوه التي
تجوز له الا باجتهاد ونطر في مصالح المسلمين .
وأجاب القائلون بالمنع من الفداء عن قوله تعالي فاما منا بعد واما
فداء ,وعن فداء النبي صلي الله عليه وسلم أساري بدر بما حكيناه عن
سحنون من أن ذلك مختص بمكة وأهلها .
ولقائل بالجواز أن يجيب عن ذلك بأن الأصل عدم التخصيص فتحمل
الاية علي اطلاقها , ويدل فعل النبي صلي الله عليه وسلم علي الجواز في
أساري مكة وغيرها , واحتج القائلون بالمنع من الفداء بقوله تعالي : فاما منا بعد واما
فداء , أو يقول انما تقتضي الاية العتاب علي ما وقع من الفداء ولا تقتضي
[160/2]
[161/2]
المنع منه , ولو كانت تقتضي المنع لكان فيها لفط نهي أو تحريم أو ما يدل
علي ذلك . وله ايضا أن يقول انما وقع العتاب فيها علي ترك الأولي لا علي
فعل ما يجوز . ومن حجة القائلين بالمنع من الفداء ما يخاف من اطلاع
الأساري علي عورات المسلمين وابلاغهم ذلك الي أهل الحرب , وهذا مبني
علي الحكم بالمصالح أو سد الذرائع , وذلك من القواعد المختلف فيها , ولكن
مذهب مالك العمل عليها .
وللقائل بالجواز ان يقول لا تعارض أدلة الكتاب والسنة بمثل هذا.
*وسئل : عن امرأة ادعى عليها رجل أنه تزوجها ، وأنكرت التزويج وزعمت أنها كانت عنده أجيرة ، فغلبها على نفسها وأحبلها فولدت ، وزعم هو أنه تزوجها تزويجا صحيحا ، ولم يكن الولد إلا لرشده ، وليس لواحد منهما ثبوت لما ادعى .
=فأجاب : إن كان الرجل لا يعرف بمثل ما رمته به المرأة وكانت في يديه متقادمة ، ويذكر أنها امرأته وإن لم يشهد على أصل ذلك ، فليس عليه بينة والقول قوله ، وإن كان أمره على خلاف ذلك استوني في أمره وكشف وسئل حتى يقع الحاكم على خبره ، ونفقة المرأة في مدة الخصام على الزوج ؛ لأنه مقر أنها زوجته .
[رجل تزوج امرأة فأصابها ارتقاء]
*وسئل : ابن عتاب عن رجل تزوج امرأة فأصابها ارتقاء ، فشاور القاضي ابن ذكوان الفقهاء فيها .
=فأجاب : بأن يرى النساء وينظرن إليها وهو قول سحنون ، وأجاب ابن القطان بأن لا يرى النساء ولا ينظرن إليها وهو قول ابن حبيب في الواضحة .
[133/3][من تزوج امرأة فوجدها ثيبا]
*وسئل : أبو عبد الله محمد بن فرج عمن تزوج امرأة فأصابها ثيبا .
=فأجاب : إن قال وجدتها مفتضة جلد الحد ، وإن قال لم أجدها بكرا فلا حد عليها ؛ لأن العذرة قد تسقط من الوثبة وما أشبهها ، ويلزمه الصداق كله ، ولا كلام له في ذلك ، ولا ينظر إليها النساء .
[تعرف اليتيمة بأنها بالغ في وجهها وقدها وخبر ثقات النساء]
*وسئل : ابن الحاج عن اليتيمة بأي شيء يعرف الشاهد أنها بالغ حتى تجوز له الشهادة عليها بذلك عند إنكاحها .
=فأجاب : يعرف ذلك في وجهها وقدها ومن يخبره بذلك من ثقات النساء .
[لا يشهد للطارئة بأنها لا زوج لها ، إلا إذا أقامت بالبلد المشهود فيه نحو ستة]
*وسئل : عن المرأة الطارئة إذا أقامت ببلد ولم يعلم لها زوج ولا سمعوا به كيف يشهد لها ؟
=فأجاب : لا يشهدون بأنهم لا يعلمون لها زوجا إلا إذا قامت عندهم مدة طويلة نحو الستة ، فحينئذ تصح الشهادة .
[يباع عقار اليتيمة وتشور من ثمنه]
قلت: ما حكمنا باستوائها فيه لم يقع فيه فرق، وذلك أنها إذا أوتي فيها بصيغ الالتزام بعد التعليق لزم جميعها، وإذا أوتي بغير صيغ الالتزام لم يلزم، وقوله: فأنا أفعل هذا، ليس من صيغ الالتزام فكان حقه ألا يلزم له حكم في شيء منها، خلاف هذا ما في المدنة في فأنا محرم بقرينة دلالة البساط عنده على الالتزام، بقي ما عداه على وفق الأصل، وقد نصل اللخمي على مسألتكم هذه، إلا أني لم أقف من كلامه على شيء أعتمد عليه لعدم فهمي غياه، وأظهر ما انقدح لي فيه أنه لا يرى اللازوم بمثل هذه الصيغة لا في النذر ولا في غيره، وأذكر من كلامه ما يظهر لي أنه متعلق بالمسألة لتتأملوه، قال: وقال سحنون: إذا قال: فأنا محرم، فهو محرم بنفس الحنث، وسواء في ذلك الحج والعمرة، وإن قال: أنا أحرم بحج أو عمرة فحنث لم ينعقد عليه حرام بنفس الحنث حتى يحرم، وهو بمنزلة من قال: فأنا أصلي أو أحرم أو أعتق أو أطلق امرأة فإنه لا يكون ممتثلا بنفس الحنث، وأما قوله محرم ففيه إشكال، فيصح
[143/4]
[144/4]
الأحكام، والوجه الثاني أن هذا العرف والعادة الجارية بالسلم منذ عمرت بلادنا إلى الآن والعرف أحد أصول الشرع، والوجه الثالث أنا لو كلفنا وزن جميع ما يدخل بلادنا من الملح سالمة من غير كسر ولا سيما مع قلة الموازين الكبار ببلادنا لأدى ذلك إلى الخروج والمشقة وهما مرفوعان شرعا، فإن قلتم إن الحرج والمشقة لا حجة لنا فيه بدليل سائر الطعام والإدام وهو أكثر من الملح بأضعاف ومع ذلك يوزن ويكال كله ولا حرج ولا مشقة فيه، قلنا وهو الوجه الرابع شتان ما بين الطعام والإدام وبين الملح، والفرق بينهما أن الطعام والإدام لا تضره القسمة والتجزية للوزن ولا تفسده، والملح لو كسرناها ليسهل الوزن لأدى ذلك إلى فسادها وأبطل قيمتها فلما أتى كل واحد من الفريقين بحجته عدم التسليم بينهما بل كل فرقة تدعي أنها على الصواب وأن الأخرى على الخطأ فبين أيها على الصواب أبقى الله بكم قدر الإسلام، وهدي بكم من ضل إلى القوم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
فأجاب: الجواب أن القول قول الذين ذهبوا إلى جواز السلم في الملح بعد معرفته القدر طولا وعرضا وغلظا بالكيل إذا ذلك هو المتعارف عندهم على ما وصف، وإذا تقرر أن المتعارف عندهم في ذلك الكيل بالشبر لم يجز السلم فيها على الوزن لأن ما اعتبر فيه الكيل فلا يجوز فيه وزنا وما اعتبر فيه الوزن فلا يجوز بيعه كيلا لأن ذلك جهل بالمبيع، وهو المنصوص في المدونة وغيرها في السلم في الرقوق والجلود والقراطيس، وذلك كله لا يجوز إلا على التقدير بالشبر والذراع، وأجاز السلم في اللحم على التحري وإن لم يكن وزنا وإذا كان السلم في الحم والتحري فأحرى أن يجوز السلم على معرفة القدر تحقيقا، وكتب محمد بن عبد الكريم الأغصاوي والسلام.
[حرث الابن البالغ أرض والده الأمد الطويل محمول على التبرع]
يباع النوع الذي لم يطب على حجته، على أن لا ينقذ ثمنه إلي بدو صلاحه. وقد نص اللخمي على جواز ذلك. قال المازري: وقي المذهب ما يشير إلي الخلاف في هذا الأصل. فإن فيه قولين مشهورين. وهي مسألة كتاب الأكرية في كراء الأرض المغرقة على أن يذهب عنها الماء. وفيها قولان لابن القاسم وغيره. وبهذا تعرف أكثر فصول السؤال ولم يبق منه إلا بيع البائع غلة روضه من غير وقوف على المبيع ويعرف ما باعه. ومعرفة الحزر في هذا قريبة للعارف وغيره. وذلك بأن يتعرف غير العارف ما اغتل من كل نوع فيما مضي بسؤال من كان يغتله فيما مضي ونحو ذلك ويتعرف نسبة حمل الأنواع الآن مما مضي بالتساوي والأكثرية أو ضدها، فيعرف بذلك ما باع ويعرف ما يليق به من الثمن بمشاورة أهل المعرفة والسؤال عما بيع به مثله أو مقاربه. وإن تعذر هذ ... ا كله وكل من أهل المعرفة بالحزر ولو بأجرة من يبيع له، وإلا كان آثما هو والمشتري والله تعالي أعلم وبه التوفيق.
[حكم ما يعطيه الملوك للزوايا وأبناء الصالحين]
وسئل سيدي أبو علي منصور بن على الزواوي(¬1) من فقهاء تلمسان عن مسألة تظهر من جوابه.
فأجاب: إن كان الأمر على ما ذكر، فالأظهر نظرا وقياسا أن كل ما حرر لأجل التبرك بزاوية الشيخ وبقصد عمارتها أو القيام بقاصدها، أو لمحاشاة ذريته من الوظائف المخزنية، والمغارم السلطانية، يكون كالمال المفقود فيقتسمونه على المفاضلة في الدين والقيام بأحول الزاوية المذكورة قسمة انتفاع لا قسمة تمليك، لأن مقصود السلاطين عرفا وعادة بذلك التحرير التبرك بذلك الشيخ وبذريته وبمقامه، فلا يخرج من ذلك التحرير إلى الفاس المعلن بفسقه، فإذا تاب رجع إليه نصيبه، فيشملهما شملهم من المحاشاة والحرية مما يقصده الملوك عادة من التحرير لأولاد المرابطين والصالحين، فلا تصح في ذلك حيازة لتجدد المستحقين، وسقوط حق
[172/6]
146/7] فأجاب: الشطر الذي يفضل بعد رم ما ذكر يصرف في مثل الرابطة مما ليس ما تصلح به, وهذا هو الذي ارتضاه بعض العلماء, وقيل يبقى موقفا عدة لزمان الرابطة, وإن صرف في غير ذلك مما هو مصلحة للمسلمين, فقد قيل ذلك وعمل به بعض قضاة قرطبة رحمهم الله, فهذا ما ظهر لي, والقاضي يجتهد ويراعي الأصلح, قاله ابن منظور.
[الحصر البالية لا تباع, ويسوغ تحويلها إلى مسجد محتاج]
وسئل عن حصر بالية أبدلت بحصر جدد هل تباع هذه البوالي أم لا ؟.
فأجاب: الجواب أن الحصر البالية التي كانت في مسجد وأزيلت وجعل الناس فيه حصرا جددا لا تباع تلك الحصر البالية, وتبقى مرفوعة حتى يفتقر لها المسجد فيما بعد, هذا وجه الفقه, وإن نقلت لمسجد آخر دون بيع مع غناء هذا المسجد الذي كانت فيه لغيره من المساجد من شدة الحاجة فيجوز على قول افتى به بعض من تقدمنا ممن يقتدى به علما وعملا, فمن عمل به صح عمله عن شاء الله.
[ما كان لله فلا بأس بوضع بعضه في بعض]
وسئل عن مسجد جامع وفي جانبه دار للوضوء مختص به, إلا أنه بعد ذلك من السنين كثر الربض والناس حتى لا يسعهم ذلك المسجد الجامع الأعظم المذكور, فبني مسجد آخر ونقلت الخطبة إليه, وبني أيضا دار وضوء بجانبه, وحبس على الدار المعدة للوضوء حبس وربعات كثيرة مما يقوم به ويزيد, وهو اليوم غني الحال بقابض عليه, وبقي المسجد الجامع الأول مهملا وضاعت أحباسه, وهو اليوم ضعيف الحال إلا ما يفتح الله تعالى له من صدقات المسلمين ونوافل خيراتهم, ودثر أيضا دار الوضوء المختص به, إلا أنه بني فيه حانوت, فلمن يكون ذلك الحانوت؟ لدار الوضوء الغني أو للمسجد الجامع المستحض به في عهده يعان به ويصرف في مصالحه؟.
فأجاب, الجواب وبالله التوفيق: عن الحانوت الجديد هو حبس على ما يظهر في الأحباس إذا استغنى عنها بغيرها فيجوز للناظر أن يصرفها
[
فأجاب: هذه شركة لا تنفسخ إذا لم يباشر فسخها الشريكان ولا أقرا بأنها فسخاها. ولو فسخاها لصح ما فعل، فإذا لم تنفسخ فهي ثابتة. وكون رب الأرض عقد عليها تعد منه على نصف الشريك منها، إذ قد ملكه بالشركة، وعليه لرب الأرض عوضه وهو المنافع، وهو حرثه النصف الثاني، فعقده الشركة إسقاط لمنافعه، إذ يقول له الشريك لو تركت الأرض لحرثتها لك، وهل لرب الأرض أن يعطيه أيضا مثلها يحرثها له؟ تخرج على من استأجر رجلا يحصد فدانا ثم بادر رب الأرض بحصده. وإن كان القولان إنما هما فيما إذا حصده الأجير من غير عقد، هل يأخذ الأجرة أو يأتي بعد أن يحصده له رب الفدان الأول. والبين في مسألتكم أن لا شيء له، ثم يكون الشريك الثاني إن لم يعلم بالتعدي قبله نصف الزرع على شركته والنصف الثاني إن كان في الإبان كان بين رب الأرض والشريك الأول، كمن تعدى
[156/8]
[157/8]على أرض لرجل فحرثها، فالحرث لرب الأرض بغير شيء.
وسئل عمن أخذ ثورا بالعشر فعلفه ثم وجده لا يحرث.
فأجاب: لا يجوز أخذه ابتداء على هذا الغرر ثم إنه يرجع بما علف لكونه لم يحرث.
[الخماس يعقد الشركة مع صاحب البقر ثم يغيب]
وسئل عن خماس عقد الشركة مع صاحب البقر ثم غاب قبل الشروع في العمل فحرث صاحب البقر أياما فقدم الخماس فقال لا أحرث حتى تدخلني فيما حرثت بيدك وأنا غائب، وأدخله فيه فحرث، هل يجوز هذا أم لا؟
156/9] لم يصدق إلا ببينة، هكذا قال الفقهاء إن الوارث إذا صح أن مدخله في موضع إنما هو بميراث من رجل ثم ادعى أن بعض الأرض دخل يده من غير الميراث فعليه البينة، والله ولي التوفيق، انتهى.
وتقيد بمحوله ما نصه: الحمد لله ممن أشهده الفقيه الأجل المعظم المفتي المقري المدرس المكتتب اسمه عقب الجواب بمحوله الذي أوله الحمد لله سيدي أكرمكم الله وآخره لطف الله به المكتتب عقب السؤال الذي أوله الحمد لله وآخره الموهوبة، وهو بخط يده، وهو الذي أفتى به في النازلة بمحوله إشهادا صحيحا عرف قدره وأشهد به وهو بحال كمال الإشهاد وعرفه وفي سادس وعشرين من جمادى الأولى عام خمسة وستين وسبعمائة.
[مسألة في جواب المسألة السابقة]
وأجاب عبد الرحمان بن مخلد : من قول العلماء والمحفوظ عنهم : لا ينفذ حكم الحاكم دون إمام المسلمين إلا بتقديمه وتفويضه إليه الحكومة ، ويشتهر ويستفيض كالخطط المعروفة .
وأجاب ابن أبي زيد : أما الحكم بين الناس والتسجيل لهم فيما لهم وعليهم دون شهادة الولاية بين الناس فلا يتعذر عليك استطلاع أمير المؤمنين في رأيه أبقاه الله في هذا الأصل . وأجاب قاسم بن أحمد : أما تسجيلك فلا ينفذ إلا بخط مشهور أو بعهد الإمام أعزه الله إليك بنظر يشهد عليه به أو باستطلاعك رأيه .
وأجاب أصبغ بن سعيد : أرى أن تسجل إذا أكملت نظرك ولم تسجل ما جاز لك أن تنظر فيما جعل إليك ولا أقول به ، والذي قال به بعض أهل العلم أن يكون ما نظر فيه القاضي مما لا يجوز لغيره أن ينظر فيه ، فإما أن يكون الإمام عهد فيه إلى غير القاضي فجائز له النظر وكان والي ذلك وقال إن الإمام عهد إليك في كذا فنظر في كذا وسجل به وأشهد عليه ، ولا يحتاج أن يشهد على عهده في ذلك ، وليس اسم الخطة يحلل شيئا ولا يحرمه ، وإنما يعلم الناس أن القاضي قاض لشهرته ، وكذا الخطط ، وكذا أقضية بني عبس قد سمع فيها وانتشر على لسانك ولسان الذي رأى ، وهذا جائز في غير شيء كالخطط والأحباس والموت والنسب والولاء وغير ذلك .
وسئلوا عن رجل كتب إليه الخليفة أن ينظر فيما دار من الخصومة بين رجلين عند قاض معين ولم يتم النظر فيها .
فأجاب ابن بقي بن مخلد : إذا ثبت عهد الخليفة له بذلك ابتدأ النظر في القضية ولا يلتفت إلى ما تقدم من مقالات غير منعقدة وشهادات غير تامة .
[133/10] وإن ثبت عندك الوفاة وعدة الورثة ثم سمعت من الكلام ما يجب ويتشاور فيما ثبت عندك من ذلك .
ثم خاصية هذه المصالحة القطعية أنها لا تعدم قط شواهد من الشرع كثيرة فأبعدها عن الشهادة ظاهرة وهي أقربها تحقيقا، هو أن الأب في حق طفله مأمور برعاية الأحسن، وأنه ليصرف ماله إلى وجوه من النفقات والمؤون في العمارات، وإخراج الماء من القنوات وهو في كل ذلك ينظر له في ماله، لا في حاله فكل ما يراه سببا لزيادة ماله، أو لحراسته في المال فإن له بذل المال في تحصيله، ومصلحة خطة الإسلام وكافة المسلمين يتقاصر عن مصلحة طفل، ولا نظر الإمام الذي هو خليفة الله في أرضه يتقاعد عن نظر واحد من الآحاد في حق طفله، فكيف يستحقر منصف إنكار ذلك المعني مع الاعتراف بظهور هذه المصلحة؟ وإن أنكر منكر وجه تلك المصلحة فعلينا تصويرها والحكم بالتحريم عند انتفاء تلك المصلحة. وأما الشواهد الظاهرة القريبة من هذا الجنس، فهو أن الكفار لو وطئوا أطراف دار الإسلام، يجب على كافة الرعايا أن يطيروا إليهم بأجنحة الجد، وإذا دعاهم الإمام إلى ذلك، وجب
[