تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فإن قلنا بعمومه كان الدم المسفوح بعض أفراد هذا العموم, فيخرج بالآيات الثلاث ويكون نجسا. والأولى والثانية يدلان على ذلك في المسفوح وغيره دون معارض ولا مخصص. فيذل مجموع الآيات الثلاث على أن الدم كله على اختلاف أصنافه نجسمحرم الأكل.

[113/1] وإن قلنا أن المفرد المحلى بال لا يعم كان مطلقا, فإن رددنا المطلق إلى المقيد قيدنا لفظ الدم في الأولى والثانية بالمسفوح لذكره الثالثة, فتدل الآيات على حكم المسفوح دون غيره, إلا أن يقال العموم هنا وإن لم يدل عليه اللفظ فالسياق يدل عليه دلالة ظاهرة, لأن ال في الميتة والخنزير للعموم, فكذلك فيما اقترن بهما. وكذلك النكرة في قوله أو دما مسفوحا, غنما عمومها من السياق لا من اللفظ.

ولقائل أن يقول: هذا الاستدلال بناء على أن تحريم الكل يستلزم النجاسة بدليل ملازمتها في الميتة ولخم الخنزير, وذلك ممنوع بدليل طهارة مالا نفس له سائلة ولم يذك, مع تحريم أكله إذا لم يذك. ولذا لم يتم الدليل لما قلناه فيستدل بقوله صلى الله عليه وسلم لعمار: إنما تغسل ثوبك من البول والغائط والمني والدم. وقول ابن العربي لو كان دم السمك نجسا لشرعت ذكاته, يرد بأن الزكاة شرعت لازهاق النفس بسرعة لا لإخراج الدم انتهى.

ولا يقبلهما محل واحد , لأن محل هذا غير محل هذا , ومن ذلك أن المحل

الواحد لا يقبل وجوبين أصليا وعارضا كصلاة الطهر لا تقبل النذر , فلو نذرها

المكلف بها لم يزدها نذرة وجوبا ولا زاد في حكمها ولا نقص منه .

ومن ذلك أن رمضان محل للصيام مخصوص , فل صامه لكفارة أو نذر

في ذمته لم يصح لرمضا ن لأنه لم ينوه ولا لغيره لأن الزمان لا يقبل الغير ,

فهذا كله وما يشبهه مما يكثر اذا تتبع يدل علي أن المحل الواحد لا يقبل

اجنماع حكميين مختلفين من كل وجه أو من بعض الوجوه .

واذا سلم ذلك لم يدخل تحريم العهد علي تحريم الاسلام في مال أهل

غليرة ولم يجامعه , واذا لم يدخل عليه كان مالا للمسلمين كانوا تحت عهد

الكفار ونقضوه وعادوا حربا وغلبوهم عليه يجوز أن يشتري منهم وينهب

[147/2]

[148/2]

بدارهم من غير خلاف أذكره , ولربه أخذه من مشتريه منهم بالثمن , ودونه ان

وهبه ولم يثب عليه , وأن يشتري منهم بدارنا علي كراهة من ابن القاسم في

تأويل اللخمي لا يحملها القياس , واستحباب من ابن المواز . وان جاء ربه لم

يكن له سبيل الي أخذه من يد مشتريه بدار الاسلام وان بذل له الثمن الذي

اشتراه في قول ابن القاسم الكاره له شراءه , خلافا ليحيي بن يحيي فانه أجاز

لربه أخذه بالثمن . وقد اطلق الفقهاء جواز بيع ما جاء به المستأمن مما غلب

المسلم عليه , وان كرهه من كرهه من قبيل الجائز , ولم يفرقوا فيه هذه التفرقة

التي فرق بها من فرق .

وقد ذكر بعض أيمة المذهب عن يحيي بن يحيي أن قوما ذكروا له أنهم

تورعوا عن شراء ما قدم به المستأمن من مال المسلمين الذي غلبهم عليه ,

فعابه وقال هذا غلو ولا يعارض ما تقدم باجتماع تحريم الرضاعة وبنوة

الزوجة في الربيبة لأن حكمها متفق لا مختلف في حق من حرمت بهما عليه ,

ولا بالشقيقة اجتمع فيها تحريم أخوة الأم وأخوة الأب وأخوتهما معا لأنها

تحريمات متفقة , ولا باجتماع الفرض والتعصيب للشخص الواحد لأنهما

=فأجاب : إذا كان البلد معروفا بالكالئ فمن ادعى من الزوجين ما يشبه كالئ مثلها ، كان القول قوله مع يمينه ، وكذلك في الصداق مثل الاختلاف في أثمان السلع ، وإنما صداق المثل في النكاح الفاسد مثل القيمة في البيع الفاسد إذا فاتت . وأجاب ابن لبابة : يقال للمرأة : أقيمي البينة أن زوجك أوجب على نفسه كالئا ، فإن لم تقم البينة لم يجب لها شيء إلا يمين الزوج إن كان بانيا .

[من خرجت إليه زوجه عند بنائه بها بشورة كثيرة ثم شجر ما بينهما فطلبته بالكسوة]

*وسئل : أبو إبراهيم عن رجل خرجت إليه زوجه عند بنائه بها بشورة كثيرة ، ثم شجر ما بينهما فطلبته بالكسوة .

=فأجاب : إذا كانا قريبي الاجتماع وكان للصداق بال ، وكانا من أهل السعة ، فليس لها أن تطلب زوجها بكسوة السنة ونحوها ، وإن لم يكونا من أهل التوسع جدا ، فلا تطلبه بذلك لشهور مثل نصف السنة أو نحوها ، إلا أن تكون الزوجة ممن لا ينتهي صداقها إلى أن يقيم منه وطاءها وغطاءها ونحو ذلك ، لقلته وتفاهته ، وتكون هي أيضا ضعيفة الطاقة في مالها ، فإن لها أن تأخذه بالكسوة بعدما يدخل بها إن طلبته بذلك ، ولا يقضى للمرأة على زوجها بشيء من ذلك حتى تعرفه إلى السلطان ، حاضرا أكان زوجها أو غائبا ، فإذا رفعت قضى لها بذلك من يوم ترفعه على السلطان لا من قبل ذلك ، إلا أن تدعي أنه التزم لها أن تنفق على نفسها وتكتسي من مالها على أن يغرم[119/3]ذلك لها ، فإن ادعى ذلك ، لزمته اليمين إن شاء الله . وفي مسائل ابن زرب إذا أرادت المرأة أن تبيع شورتها التي قامت من نقدها ، لم يكن لها ذلك حتى يمضي من المدة ما يرى أنه ينتفع الزوج بها في مثلها ، قيل له فإذا مضت سنة ، فلم يره كثيرا وذهب إلى اكثر منها .

[للزوج حق الاستمتاع بما تتجهز به المرأة]

النازلة المسؤول عنها، وذلك أن الحالفة حلفت فيجب أن تسأل الحالفة، فإن كانت قصدت ألا تساكن الخادم، تأبد عليها اليمين، لا يخرجه عن ذلك بيع الخادم من زوجها لتعلق اليمين باخلادم نفسها وعينها من غير اعتبار بملك معين، إلا أن تكون الحالفة قصدت ذلك حين حلفت، وإن كانت لم تقصد ترك المساكنة، وإنما قصدت منه تأبيد الخادم بالضرب أو بخروجها عنها إن غلبها الزوج فردها في فور الإخراج أو بعد ذلك قبل أن تشاء رده، فلا حنث عليها إن ردت خادمها بعد مرور الزمان المسوغ لذلك على ما تقدم، وإن اتفق رد الزوج لما قبل اختيار الحالفة بذلك فلتخرج هي ساعتئذ من الدار تمكث عنها المدة المعتبرة على ما سبق ثم تعود ولا حنث عليها، ثم بتقدير وقوع الحنث في تلك اليمين على أي وجه وقع فلا يتحتم وجوب صيام العام عليها بأمر لا يسع غيره، وإن كان الطلاق الروايات المذهبيت تقتضي ذلك، فقد حكي الاجتزاء في ذلك بكفارة يمين عن ابن القاسم وابن وهب، وهو المشهو من مذاهب الشافعية، قال ابن عبد البر: وهو أولى ما قيل في هذا الباب، بعد أن احتج له بمفهوم قوله تعالى: ﴿ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم﴾.

فأجاب بما نصه: الجواب أن إقرار الزوج المذكور للزوجة المتهم بالميل إليها ( ) (¬1) لها بالدين وتصيير نصف الدار المذكورة لها عندي باطل حتى يعلم أصل الدين بالبينة أو يقوم لذلك دليل أنها كانت تقتضيه منه أو تطلبه به طلب الاقتضاء الشديد المؤدي إلى المخاصمة فيه والمحاكمة فيصح الدين ويبقى النظر في صحة التصيير وفساده، فإن رفع يده عن الجزء الذي صير وحازته عن عقب التصيير صح وإن لم تقبضه عنه يحيى طال الزمان أو مات بطل على قول أبي عمران وغيره وصح على قول يحيى بن عمر وسحنون وأبي بكر بن عبد الرحمن وغيرهم فيترجح عندي الحكم في هذه النازلة بقول أبي عمران ومن قال بقوله في هذه النازلة خاصة لما ثبت من ميله إليها ويحمل على أنهما لم يعقداه من أول عقدهما إلا على أن الجزء المصير لا يقبض إلا بعد موت وفراق فلا يجوز بإجماع العلماء، وأما الزوجة المنفية فإن لها الرجوع في تركة الزوج بنفقتها وبما أنفقه على أولادها الصغار من مالها أو ما تسلفت

[128/5]

أو احتالت حتى بلغوا مبلغ الكسب وما تصدق به من أرض على كبير فلم يقبضه عن المتصدق حتى مات بطل، وما تصدق به على صغار بنيه فهو ماض لهم إن مات الأب قبل رشدهم لأنه الحائز لهم، وإن لم يقبضوه في حياته بعد رشدهم حتى مات الآن بطلت، وكتب لكم بذلك وليكم بالله تعالى راشد بن أبي راشد الوليدي لطف الله به.

[من قال لغريمه بع أرضك من فلان بالدين الذي لي

عليك ففعل هل للقائم أن يطالبه المبتاع بالدين؟]

حملنا الله وإياكم على الصواب، وجنب جميعنا اتباع طريق الزيغ والارتياب. والسام الأتم الأعم يخصكم، ورحمة الله من معتقدكم، الطالب لدعائكم، العبد الفقير إلى الله عيسى بن أحمد بن محمد الغبريني لطف الله به بمنه وعصمته. انتهى. والحمد لله رب العالمين.

[أموال العصارة من بوادي أفريقية مباحة]

وسئل الإمام أبو عبد الله ابن عرفة عن السلطان إذا ظفر بفرقة من بوادي أفريقية، وجلهم مستغرق الذمة.

فأجاب بإباحة أموالهم عملا بالأغلب، حتى يتحقق أهل الحلال منهم، لأنهم عصاة بمكاثرة المحاربين وتكثير سوادهم انتهى.

قال سيدي أبو القاسم البرزلي فلم يجعل لهم حرمة من بان بنفسه ولم يخالطهم. وهذا إذا وجد مندوحة عنهم،وإن لم يجد فهو كمكره في بلاد الحرب إذا لم يستطع الخروج من بلادهم وخاف على نفسه أو ماله أو أهله وولده.

وقال بعض علمائنا: ما أصابه المسلمون من غاشية المسلمين الساكنين

[157/6]

بين أظهر المشركين، أجراها بعضهم على مسألة الحربي يسلم فيهاجر أو لم يهاجر، وببلد الحرب أهله وولده وماله. فهي في كتاب الجهاد والنكاح الثالث منها. والذي اختار من القولين: قول أشهب وسحنون لعموم قوله عليه السلام: (لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه)(¬1). وقوله: (كل المسلم على المسلم حرام)(¬2). ومسألة المدونة أضعف لأن مال الذي أسلم، قد كان حلالا قبل إسلامه غير أن حكمه انتقل بإسلامه لقوله: من أسلم على شيء فهو فه. وغلب ابن القاسم عليه حكم الدار ويد المسلم في الأولى باقية على ماله، ولم يتقدم فيه مسوغ البتة. وأنبئت أن أصبغ من أصحابنا يفتي بحليته، وأنه لا يد لصاحبه عليه، وإنما اليد للكفار. ومثله قول ابن رشد. انتهى.

فأجاب: يقول العلماء الشح قادح في العدالة, وقالوا: استيفاء الحقوق على آخر درهم شح وإجارة الإمام على المكارمة والمروءة متشابهة ثم متشابهة, فالواجب على الأئمة أن يخرجوا مع الجماعة على خير, وإذا كان أحد أرباع الدين قول الصادق الأمين - صلى الله عليه وسلم - : ازهد فيما في أيدي الناس يحبك الناس...) من باب أولى أن يكون ذلك للأئمة.

[الحبس الذي جهل مصرفه يبنى منه السور]

وسئل عن غابة زيتون موقوفة على مسجد قشتال, وتألف منها جملة زيت والمسجد لا يوقد فيه إلا شيء قليل, يظهر للناظر فيه أن يبيعه لأجل السور, ويصرف حقه في منافع الحصن أو المسجد, فهل يباع أو لا يباع ؟ وإن ظهر في علمكم أن يباع ففي أي شيء يصرف ؟.

فأجاب: أفتى ابن القطان في حبس مجهول مصرفه أنه يبنى منه السور إذ لا مسجد إلا للصلاة, ولا صلاة فيه إلا بتحصين سور الموضع, وما فضل من الزيت فهو مما مصرفه له, ومنفعة السور للمسجد صاحب الزيت أعود نفعا من صرفه في غير ذلك, فالتطب النية في صرف ذلك فيما هو أهم وأعود نفعا, وإن كان النص أن يصرف في مسجد آخر, ولكن بهذه النسبة ليس يبعد أن

[133/7] يكون سد مرمة الحصن للمستنرين بالزيت كاستنارتهم به, بل سد المرمة أعم وأهم وأعود نفعا.

[الحبس الذي تعطل مصرفه ينقل إلى مصارف المسجد]

وسئل عن موضع كان يعرف زاوية للفقراء فيما تقدم, ودثر وبيع موضعها, وكان لها حبس للفقراء الذين كانوا يعمرونها فهو باق ويصرف في غير واجب, فأراد أهل الحصن أن يجعلوه للجامع مع الكسوة فهل جائز قبوله لذلك أم لا ؟

فأجاب مضمن فائد الحبس أن مصرفه تعطل, فالأمر فيه موسع إن شاء الله .

وسئل بعض طلبة الأندلس عمن حبس على طالب ضعيف يتعلم العلم (بشوجر)(¬1) نفقته له كذا خص العقد فتعطل هذا منذ زمان, وصار يدفع لقارىء الحرب.

فأجاب: لا يجوز ذلك لأنه شركة بالعمل مع اختلاف المكان. ولو شرط الخماس السلف لكان له أجر مثله فيما عمل. وإذا ذهب الخماس من تلقاء نفسه فلا شيء له، وإذا قال لشريكه عليك اليوم أجرة الحصادين وعلي الغذاء والعشاء، وهذا معلوم عندهم قبل هذا اليوم، فهو جائز. وإن أتى هذا بدقيق وصاحبه كذلك وخلطاه للحصاد والمؤنة عليهما فهو جائز. ومثله ما يقع اليوم يأخذ من الزرع من الفدان ويعملون معه معيشة الحصادين فهو جائز وإن أضافوا إلى ذلك ما يأتي به كل واحد من الإدام واتحد فجائز، ولو اختلف ففيه نظر، مثل أن يطعم هذا باللحم والآخر بالزيت أو اللبن بشرط. والصواب أنه كالشركة بالطعامين المختلفين إذا أخرجا ذلك. وأما إذا كان أحدهما يغدي والآخر يعشي أو أحدهما يقوم بوظيفة اليوم غداء وعشاء ويقوم الآخر في يوم آخر بذلك، فقد اختلف المتأخرون من التونسيين في ذلك، فذهب ابن حيدرة إلى منعه مطلقا، وذهب ابن عرفة إلى أنه إن اتحد ما يخرجه كل واحد منهما ولا يكون من باب أسلفني وأسلفك، ويكون الأول هو أولى على حال جاز. قيل: هذه المسألة شائعة في القيروان وأحوازها، وهو ظاهر المدونة من كتاب المكاتب من مسألة إذا حل نجم من نجوم المكاتب فقال أحد الشريكين لصاحبه بدئني به فقد مرت في مسائل القسمة قبل هذا.

[إذا أخرجت الأرض خمس أوسق فلا زكاة على الشريكين حتى يبلغ كل واحد النصاب]

وسئل أبوعمر الإشبيلي عمن أعطى أرضه مزارعة صحيحة على

[142/8]

[143/8]النصف فأخرجت الأرض خمسة أوسق من القمح.

فأجاب: لا زكاة على واحد حتى يبلغ نصيبه ما تجب فيه الزكاة، بخلاف المساقاة والقراض، لأنهما إنما يزكيان على ملك صاحب الأصل بدليل الحوائط المحبسة على قوم بأعيانهم أن الزكاة تجب ولو لم يكن إلا خمسة أوسق، لأن الأصل لواحد فعلى ملكه يزكى.

البائع وإن كان ذلك غير موجود في المذهب نصا وبالله التوفيق.

[مسألة]

وسئل عن رجل أصابه الكبر، وله مال وبنون ولم تكن له امرأة فأوى إلى كبر بينه فكان يمونه هو بنفسه ومن عنده ويلاطفون به فباع بعض ماله وتصدق

[143/9] على بعض بنيه منه ببعض وأشهد على نفسه قبل موته بأعوام وهو بتلك الحال أن لابنه الذي يؤويه عليه دين من نفقته ذكر أنه أنفقها عليه ومن ديون ذكر أنه أداها عنه إلى غرمائه ذكر أنه عاملهم قديما وكتب بذلك عقدا وأشهد الآن أن الذي أدى إلى غرماء أبي كان من ماله ومال زوجته فصير إليها في ذلك مالا وعقدا لها بذلك وبقي الابن يعتمد الأملاك والأب متماد على إشهاده بما شهد به أولا ثم مات الأب وقام ورثته لينزلون (كذا) معه بالميراث فيها، فاستظهر بعقد أبيه له المذكور، وثبت له ذلك فقال الورثة: إن أبانا كان يميل إليك عنا وكنت تتملكه بضعفه وحاجته إلى الكون معك مع تفضيله لك قديما فخدعته، وإنما كان يقول ويفعل ما تأمره به وأدخلت بيننا وبينه العداوة حتى ولج إليك ماله، وحلت بيننا وبينه، ولو مكنا لكنا أبر به منك مع أن أبانا كان ماله يقوم به ويفضل له منه، بل كنت تتصرف في ماله وتحكم وتصرفه في منافعك، ولا يقدر معك على شيء، وابتدأ جميع ذلك ولم يجد الابن المصير إليه بينة على أن أباه كان قد ادان دينا فأداه هو عنه، ولم يعرف ذلك إلا بإقرار الأب، بل أشهد أنه كان غنيا ممن أخذ الدين، بين لنا هل ينتقض التصيير بذلك أم لا؟ مأجورا مشكورا.

فأجاب: إذا كان الأب صحيحا يوم أشهد لابنه بما أشهد لا مرض له إلا الضعف من الكبر فيصح الآن جميع ما أشهد له به لا سيما إن كان قد حاز الأملاك التي صيرها إليه في المذهب الذي أشهد له بها في حياة أبيه وبالله تعالى التوفيق لا رب غيره ولا شريك له.

[مسألة]

الأبي : تأمل كلام القاضي فإنه يعطي أن عثمان إنما أمره بأن يتولى الضرب بنفسه ، وكلام النووي يعطي خلاف ذلك فإن كان العرف عندهم حينئذ ما ذكره القاضي من أن جلة الصحابة رضي الله عنهم كانوا يقيمونه بين يدي الخلفاء وأن ذلك من أفضل القربات فلا يحتاج إلى تأويل . ولعل كلام النووي بحسب عرف زمانه أن تولي أهل الفضل الضرب مرجوح ، وكذا كان الشيخ يقول إن تولي الضرب مرجوح . قال ولم أر من فعله ، وإنما العادة أن يحضر القاضي على حد الخمر كبار الموثقين . قال : وطلب مني ابن عبد السلام أن أقف على ضرب مخمور فأبيت وقلت إنما العادة أن يحضر الموثقون ، فقال لي استنكفت ؟ فقلت لم أستنكفه وإنما أستند للعادة في أنه لم يله إلا الموثقون .

وقول النووي : فقبل علي ذلك كان الشيخ يقول إن عليا لم يقبل ذلك إذ لو قبل لم قبل لم يأمر غيره ، لأن الوكيل ليس له أن يوكل غيره ، فقلت له علي إنما هو حاكم لاستنابة عثمان له حسبما تقدم للقاضي ، والحاكم مستنيب غيره ، فقال ليس هو بحاكم . قلت يلزم إذا كان غيره حاكما أن لا يستنيب غيره لقول مالك وإذا دعاك الإمام العدل لإقامة حد فإذا علمت عدالة البينة لم تسعك مخالفته ، [120/10] أو كما قال ، فقال إنما امتنع علي وأمر غيره لمنافسة كانت بينه وبين الوليد واتقى التهمة . انتهى .

وحدث عن الشيخ الفقيه أبي عبد الله الرصاع أن الشيخ الفقيه أبا إسحاق ابن عبد الرفيع عينه لقضاء الحامة فتلطف في الامتناع وكتب رسما على نفسه أنه لا يحسن أحكام القضاء وبعثه ، فأبى أن يعفيه وقال هبه يكون مقلدا ، فبالعقل يسأل وبالورع يقف ، فكلم بعض مشيخة العرب حتى كلم السلطان في أن يشفع فيه عند القاضي فكلمه فأعفاه ، ثم جاء معتذرا عما فعل ، فقال له قاضي الجماعة قد منعت نفسك مني وأردت أن تأخذ جامع القيروان حانوتا لطلب الآخرة يعني لكثرة ملازمته .

[

قلت: لم آمن أن يكون من اتبعت هو الزائغ فيحتاج في معرفة الشيخ المحق إلى شيخ هدى يبين لنا الحق(¬1) من الباطل وما لزم في الأول لزم في الثاني إلى غير ذلك مما يسع عنده مجال القول، فرأيت الاقتصار على الغرض المقصود اللائق، فأعرضت عن تتبع الفصول، معترفا بالتقصير حالا ومآلا اعترافا حقيقيا وأنا أحض الناس على الحق ولا أقوم بواجبه، وأدعوا إليه وأنا أبعد الناس منه أسال الله العفو بمنه.

[ما معنى حديث: ما تقرب عبدي إلي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه؟]

وسئل أبو إسحاق الشاطبي رحمه الله عن تفسير ما جاء من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما تقرب عبدي إلي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه".

فأجاب: عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "وما تقرب عبدي إلي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به،

[124/11] ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه"

الكلام على هذا الحديث على غاية الاختصار من وجوه: والذي يقع فيه الإشكال منها قوله: كنت سمعه الذي يسمع به فإنه مشكل من جهة جعل الباري تعالى سمعا للعبد وبصرا ويدا ورجلا فإنه محال من جهتين:

أحدهما نسبة ما بين الباري تعالى والعبد، وذلك يقتضي كون الباري شبيها بالعبد، والتشبيه لا يجوز، لأنه يلزم منه في الباري ما تقتضيه العبودية من لوازم الحدوث، من الجسمية وأشباهها. تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.

المعيار المعرب والجامع المغرب · الجزء ١ · الصفحة ١٤٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

المعيار المعرب والجامع المغربج ١ · ص ١٤٩