تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فأجاب الجواب أن تعلم اولا ان الرواية بالحاقه به في العدد ثابتة, وهي رواية مطرف عن مالك, نقلها ابن القطان وغيره, والرواية بالحاقه في مطلق الغسل ثابتة نقلها اللخمي بعد نقله لرواية مطرف, ووقع في آخر مسألة من سماع أبي زيد أن الخنزير أشد من الكلب, فأجاز الوضوء من سؤر الكلب ولم يجزه من سؤر الخنزير. وضعفه ابن رشد وسوى بينهما, واحتج بما يوقف عليه من كلامه. وإذا عملت ذلك فاعلم أن الأشياخ في

[108/1] توجيه رواية الاحاق كالمطبقين على التعليل بالاستقذار وشدة التنفير, ومنهم المازري فإنه قال ما حاصله: ألحقه به مرة لأنه أغلظ في التحريم من الكلب وأشد استقذارا, فكان أحق بتكرير الغسل من الكلب, ونفاه مرة أخرى لأن سائر النجاسات المجمع عليها لم يرد الشرع باشتراط عدد فيها, فعدم اشتراطها في الخنزير أولى, وقياسه على الكلب لا يصح إلا بعد اشتراكهما في علة الحكم, ولم يقم الدليل على اشتراكهما في ذلك, انتهى. وفي توجيهه الرواية الثانية إشارة إلى ما ذكره السائل في توجيهه الأول, تصريح بالجواب عنه. وقد قوي عند عبد السلام مدرك الرواية الثانية فقال مستشكلا للرواية الأولى ما حاصله: لأن الالحاق إنما يصح على بحث فيه إذا قلنا إنه حكم معلل, وإلا فلا قياس في الأحكام التعبدية.

لا يقال: نختار القول بالتعليل ثم ندعي أن العلة في الأصل هي الاستقذار لا النجاسة, وحينئذ يصح القياس ويندفع ما أورده الشيخ الامام المازري من النقض بنجاسة المجمع عليها, إذ مطلق النجاسة لا مدخل له في التعليل, وإنما المعتبر الاستقذار وقد وجد الخنزير كوجوده في الكلب أو أشد.

وقع البحث فيها بين الفقيه ابي يحي بن عاصم والفقيه الخطيب أبي

غبد الله السرقسطي رحمهما الله ورضي عنهما . ونص كلام أبي عبد الله

السرقسطي مجاوبا لأهل بسطة .

يا أخي وصاحبي وصلتني كتبكم في القضية الغيرية وعرفت منها ان

مستندكم في فتياكم بحرمة شراء أموالهم من الروم أن لهم عهدا وأمانا منا مثل

ما للروم , فلذلك لا نشتري أموال أهل غيره ممن غلبهم عليها .

والجواب عن هذا أن نقول . ان أردتم بالعهد والأمان ما قضي به

الشرع من حرمة مال المسلم علي المسلم الا ان طابت به نفسه فيلزمكم عليه

أن لا يشتري من الحربي ما غلب المسلم عليه من ماله , ولا نقسم في الغنائم

ما عرفنا أنه لمسلم غير معين , لأنا علي شك من طيب نفس مالكه المسلم ,

والنص بالجواب موجود , وأطنكم لم تريدوا هذا , وان أردتم بالعهد والأمان

ما عقده أمير المسلمين أيده الله للروم علي الهدنة وترك الحرب وأنه شامل لأهل

غيره لكونهم تحت قهر الطاغية فقيه نطر من حيث ان الروم كانت قبل الهدنة

دماؤهم ورقابهم وأموالهم مباحة لنا , ودماء أهل غليرة محترمة وبقي النطر في

أموالهم هل هي محتروة لأنها لمسلم . أو مباحه لأنها في دار حرب . ولست أذكر

فيها لمالك ولا لأحد من أصحابه نصا , غير ان القضي ابي عبد الله بن الحجاج

ذكرها في نوازله وأجراها علي مسألة الحربي يسلم ويخرج الينا أو يبقي بداره

فيدخلها المسلمون ويأخذون ماله , هل يكون له أو غنيمة . والقولان في المدونة

وصحيح أنه لاغنيمة بنصوص الأحاديث الصحيحه أن مال المسلم حرام

علي المسلم الا عن طيب نفس منه .

وفي هذا الأجراء نطر من حيث ان الحربي مباح الدم والمال والرقبة ,

فاذا أسلم أحرز ذمه ورقبته باتفاق , ويبقي الخلاف في ماله مادام بدار

الحرب . واما المسلم الموحد الذي لم يسبق اسلامه كفر فلم يكن قط مباح الدم

والرقبة لعدم وجود المبيح فيه وهو الكفر , وما لزم في دمه ورقبته يلزم في ماله ,

*وسئل : المازري عن امرأة طارئة من المغرب تذكر أن زوجها تخلف في بعض الطريق قبل وصوله إلى بجاية ، وأرادت أن تطلق نفسها عليه وتأتي بشهود صحبتها لا يعرفون . =فأجاب : لا يصح الحكم على زوجها بالفراق الآن لاعترافها بالزوجية وبقاء العصمة ، وادعت غيبته مقرة بالعصمة ، مدعية ما يوجب زوالها ، وعلى الطريقة الأخرى لا تؤخذ بأكثر مما أقرت به وقد زعمت وجها يوجب الطلاق فورا ؛ لأنها ذكرت أنه فارقها قبل وصوله بجاية ، ومن الممكن أن يكون أخطأ طريقا آخر قادما لهذا البلد طالبا لزوجته ، وعاقه عائق عن الوصول ، فالواجب تسميته والبحث عن اسمه الذي تذكر في المواضع القريبة ، حتى يعلم أنه ليس بالقرب ليعذر إليه ، وأنه لا شيء له ينفق عليها منه ، فينظر حينئذ بالفراق منه بالواجب ، والشهود غير المقبولين لا يعول عليهم ، والتعويل على إقرارها ، وفيه ماذ كرنا من المذهبين ، قيل : الأصل المشار إليه هو تبعيض الدعوى وإجمالها ، فابن القاسم يبعض الدعوى فيصير مقرا مدعيا ،[112/3]وأشهب لا يؤاخذه إلا بجملة كلامه ، وفيه مسائل ولها نظائر ، منها : دعوى زيادة الورم في كتاب الغرر ، ومسألة تسلف الوديعة عند تلفها ، وكذلك القراض والوديعة ، وكذلك الإقرار بوطء جارية يدعى أنها له وينكر صاحبها ، ومسألة طلقتك وأنا صبي أو مجنون ، إلى غير ذلك من النظائر ، فلهذا الأصل أشار الشيخ في فتواه .

[امرأة قدمت من بعض الجهات ، وتطلب من القاضي تزويجها]

*وسئل : أبو عمران عن امرأة تقدم بلدا ولا يدري من أي موضع قدمت ، ولا من هي ؟ فتطلب التزويج ، هل يزوجها السلطان بغير إثبات موجب ، وكذا لو زعمت أنه كان لها زوج مات عنها أو طلقها .

=فأجاب : إن كان البلد قريبا كتب إليه ، وإن كان بعيدا يتعذر وصول الجواب ، أو يكون بعد أزمنة طويلة ، خلي بينها وبين ما تريده إذا لم يتبين كذبها .

[

فأجاب:: إن كان الأمر على ما ذكر فللحالف نيته فيما أراد من مقدار النفقة، وما قصر عليه مع القدرة عليه فهو حانث ويلزمه الطلاق الثلاث، لما كان شكه هل حلف الثلاث أو الواحدة على ما في المدونة، وأنه إن تبين له في العدة أنه أقل فله الراجعة، وإن ذكر بعدها كان خاطبا من الخطاب ويصدق، قال عبد المالك في المجموعة بع ديمينه، قال في المدونة: وإن بقي على شكه حتى تزوجها رجل آخر ثم طلقها واحدة أو اثنتين لم تحل له إلا بعد زوج، وكذلك بعد ثان وثالث ومائة زوج، وهذا كله إذا لم تقم عليه بينة، وإنما طلق في ذلك استبراء لدينه، وأما لو قامت عليه بينة اليمين، وطلب الحكم بالنسبة إلى فصل القضاء فهو مصدق أيضا من جهة أنه متطوع إلا أن يأتي بمحال، أو ما يبعده

[125/4]

[126/4]

عرف وشبهه، كما قال أبو الأصبغ بن سهل في المتطوع بالنفقة أو غيرها يذكر أنه أراد مقدار كذا.

لكن هنا لطيفة، وهو أن الالتزام لما كان بيمين فلا يقضى على الملتزم به على المشهور من المذهب، وقوله في المدونة وغيرها وإنما يقول له القاضي: يجب عليك ذلك، وأنت مطلوب به عاص في تركك إياه إلى غير ذلك، وينظر بعد في تحنيثه، فإن ذكر ما يصدق في مثله صدق وسقط عنه الحنث، والذي يصدق به أن يدعي عادة الرجل المنفق عليه، أو ما يحتمل من المعاذير أنه أراده، ويحلف على ذلك على قاعدة المذهب فيمن قامت عليه بينة يمين يقضي عليه بها وادعى نية محتملة، حسبما ذكره ابن رشد في غير موضع من كتابه في رسم كتب عليه من سماع ابن القاسم من كتاب الأيمان بالطلاق وغيره، فإن نكل عن المين فإن أنفق عليه مقدار عادة المنفق عليه لم يلزمه الحنث، وينظر م ذلك إلى عسر الملتزم ويسهر، فإن قصر عنه فهو حانث ويلزم بالطلاق كما قدمنا في المدونة، وإقراره باليمين هل هو كقيام البينة أو هو كالمستفتي قولان مخرجان ذكرهما ابن رشد، وبالله التوفيق.

فأجاب: الجواب أكرمكم الله تعالى أن الطعام إن كان مضمونا فلا خفاء بفساد الصفقة لجمعها حلالا وحراما أن قبض الثوب ناجزا فلا إشكال أيضا في فساد العقد لجمعها شيئين من المكروه فسخ الدين في الدين ومعين يتأخر قبضه لا سيما إن كان تأخير لمعين بشرط وأما إن كان الطعام معينا وشرطا تأخيره إلى الغد مع أن الدراهم رجعت إلى الغريم الطالب فذلك حرام لأن مال أمرهما إلى فسخ الدين في الدين فيما ينوب الدراهم وإن كان الطعام معينا وعلى هذا أكثر المتأخرين وهو المستحسن عندهم وإن كان آخرون

[123/5]

ذهبوا إلى جواز ذلك إذا وقع تصيير المعين في الدين إذا قبض ذلك المعين بمقربة من العقد، ومن أراد الوقوف على هذا فلينظر كتاب ابن يونس والنكت لعبد الحق والتنبيهات لعياض وغيرهم فإنهم نبهوا على ذلك كله.

وأجاب الفقيه أبو الربيع الونشريشي عن مسألة الزبيب التي أجاب عنها الفقيه أبو عبد الله بن أبي الفضل بمانصه: الجواب العقد فاسد لأنه فسخ دين في دين لأن أمرهما آل لما رد إليه الدرهمين إلى أن باع زبيبا بدرهمين في ذمته يقبض ذلك الزبيب منه من الغد وهو عين فسخ دين في دين فيردها أخذ من الزبيب ويرجع بقيمة الثوب ويتقاضا ذلك والله أعلم.

[من اعترف لزوجته بثلث ما يملكه وعليه دين]

وسئل ابن أبي زيد عمن اغتصب أرضا وزرعها وحصدها وبقيت فضلة التبن، هل يجوز رعيه بمنزلة الكلام أم لا؟

فأجاب: إن كان ما لا يرجع إليه فلا بأس برعيه، والفقير به أسعد وأحب إلي من الغني.

قيل: وهذا مثل قول سحنون في السنبل الباقي بعد الحصاد، إن كان ما لا يرجع إليه صاحبه فلا بأس بالتقاطه.

[طريقة غرم من أخذوا بمال]

وسئل عمن يأخذ بغرم على قدر ما لكل واحد منهم فقال: سئل

[150/6]

سحنون عن رفقة من بلد السودان، يؤخذون بمال في الطريق، لا ينفكون عنه، فيتولى ذلك بعضهم، ويأخذ من الباقين. فقال: لا يجد الخلاص إلا بذلك، فهي ضرورة لا بد لهم منها، وأراه جائزا.

وكان الشيخ أبو محمد الشبيبي يختار أنه على عدد الأحمال لا على قيمتها، ويعلل ذلك بأنه يؤدي إلى كشف أحوال الناس، ويخاف على من حمله غال من إجاحته في الطريق وإنه لحسن من الفتوى إذا كان المأخوذ قليلا، وإن كان كثيرا جدا فالأولى أن يصطلحوا على أن يزاد بعض شيء على من عنده رحل غال.

[تولي جمع المغارم ممن فرضت عليه]

وسئل عن السلطان إذا رمى مالا على الرعية، فربما احتسب رجل من أهل الخير فيكتب أسماء الناس بينهم، وما يوظف عليهم ليقتضي ذلك ويدفع إلى السلطان أله ذلك؟

فأجاب: لا ينبغي له ذلك، وليترك غيره يتولاه. فإن فعل ذلك لم يكن عندي بالذي يسقط شهادة متوليه.

[هل يسوغ تخليص النفس مما وظف على الناس؟]

وسئل: هل يسوغ لأحد أن يمنع نفسه من الأداء إذا خلص له بجاه أو نحوه؟

فأجاب: لا ينبغي له خلوص نفسه إلا قبل فرض المال، ليخرج عن الناس في إذاية، أو يحاسبهم السلطان في أدائه.

وأجاب: عنها أبو عمران فقال: الصواب أن يؤدي معهم ويعينهم. ولا يبلغ به مبلغ الإثم إن ترك ذلك وعوفي، ولكن هو الذي ينبغي له أن يفعل.

وأجاب عنها الداودي فقال: نعم، لا يحل له إلا ذلك.

[151/6]

وسئل عن مسجد له أحباس موقوفة عليه لا يعلم أصل تحبيسها, وكانت كسوته وزيته في المستمر قديما في الأحباس المختلطة كأمثاله من المساجد, فلما ضاقت الأحباس منع المشرف على غلتها- عادته- من الكسوة والزيت وأحال له من طلب ذلك منه على فائد الأحباس المذكورة, ثم إن المسجد المذكور كان له مؤذن يخدمه منذ أربعين سنة من داره المعلومة له بقرب المسجد المذكور, فلما توفي طلب غيره فطلب أن تكرى له دار بالقرب منه, أو يصرف عليه كراء دار مستغنى به عن خدمته, فهل يجوز له صرف فائد الأحباس

[127/7] المذكورة على زيته وكسوته وكراء دار للمؤذن كما يصرف في بنائه أم لا ؟

فأجاب: إن كانت الأحباس على المسجد على شيء معين كالبناء والإيقاد ولا يفضل شيء مما عين له, فلا يصرف فيما ذكر أعلاه, فإن فضل شيء أو كانت له أحباس غير معين مصرفها, بل لمصالح المسجد أو جهل المصرف, فيجوز إن شاء الله أن يصرف فيما ذكر, فإن المؤذن من أجل المصارف.

[لمكتري الحبس كل سنة بكذا أن يخرج متى شاء]

وسئل عن موضع وقع تطبيله وهو مشيخة غامرة, فرأى الناظر في الأحباس بالحصن المذكور- بالأمر الكريم والنائب في الأحكام الشرعية- تطبيلة كما جرت به العادة في غراسة الأرض البيضاء المحبسة مدة بغلة الغرس فيها لما رآه من مصلحة إحياء جانب الحبس والانتفاع بفائدة.

فأجاب: مضمن السؤال أن القطعة المذكورة كانت غامرة لا ترد فائدة فالتزمها إنسان على مسألة المدونة قال مالك: من قال لرجل أكري منك أرضك كل سنة بكذا أو كل سنة بكذا فلا يقع الكراء على تعيين, وللمكتري أن يخرج متى شاء ويلزمه فيما عمر حصته من الكراء. ابن يونس وكأنه في ذلك قال له أكريك من حساب السنة بكذا فالمسألة جارية على هذا.

[إن وقع في كراء الحبس غبن أو محاباة فسخ]

وسئل الأستاذ أبوعبدالله الحفار عن مسألة وهي أن أصلا من التوت كان على ثلاثة أفراع من بين ثلاثة أشخاص فاقتسموها فرعا فرعا، فهلك الفرعان بالريح وبقي الواحد، فأراد صاحبا الفرعين اللذين هلكا أن يشتركا معه في الفرع الآخر إذ الأصل واحد، وذلك الفرع تقوى لما هلك الفرعان وعظم حتى صار في العظم مثل ما كان قبل القسمة. فهل تصح تلك القسمة أم لا؟

فأجاب: وقفت على السؤال فوقه. وقسمة الشجرة بين الشركاء فيها إذا اقتسموها بالأفراع إنما يكون قسمة استغلال خاصة، وأما قسمة الملك فلا، بل الشجرة بينهم وما بقي من فروعها فهو بينهم، فما ذهب من أفراعها بينهم وما بقي من فروعها بينهم، ولو بقي فرع واحد فهو بينهم كما كانت الشجرة والسلام على من يقف عليه من محمد الحفار.

[134/8]

[136/8]

صفحة فارغة

[137/8]المزارعة والمغارسة والمساقاة والشركة والقراض

[الاشتراك في الزرع على أن يحرث كل واحد في بلده]

وسئل أبوعلي القوري عن رجلين اشتركا في الزرع في بلد فحرث كل واحد منهما في بلده ويشارك صاحبه في حرثه.

فأجاب: الشركة فاسدة، ولكل واحد منهما ما زرع دون شريكه، وبه أفتى ابن عرفة. قيل ولا يأتي إلا على مذهب سحنون في شركة الخلط وهو أيضا أصله في عدم جواز اجتماع نوع ذلك في القسمة ولو قربت مسافته. وقد يتخرج ذلك على مسألة القسمة.

وأجاب ابن حيدرة بالجواز، وهو ظاهر المدونة من كتاب المساقاة في مساقاة حائطين في بلدين على جزء واحد.

وسئل بعض الفقهاء عمن زرع أرضه ونبت زرعها ثم أخذ شريكا بيده يعمل معه بسهم معين، فخدم معه زمانا ثم فر فأتمها صاحب الأرض بيده أو بإجارة. هل تكون هذه الشركة جائزة وله النصيب وعليه مثل الإجارة؟ أو فاسدة وليس فيها إلا إجارة ما عمل خاصة؟

فأجاب: هذه شركة فاسدة، وله الإجارة فيما عمل، ولا يلزم تمام العمل لفسادها.

[137/8]

[

وسئل بعضهم عمن أسكن زوج ابنته دارها مدة الزوجية من غير كراء يلزمه إذ رأى ذلك لها نظرا وسدادا فلما رشدت الابنة قامت تطلب الزوج بالكراء هل يلزمه؟ وقد ذكر الأب أن فعله نظرا وكيف إن كان الأب معها ضمن الدرك ثم خشي العفو فطلب الانحلال من الضمان؟ وأما الزوج هل له ذلك وهل يلزم الابنة بعد ذلك إسكان الزوج بعقد الأب أم لا؟

فأجاب: فعل الأب في هذا غير صواب، إذ ليس للأب ولا للوصي أن

[138/9] يهب مال محجورة ولا يصنع فيه صنعة بعوض إلا ما ورد به النص، وإن كان قد وقع لابن القاسم في المدونة شيء هو عندي خلاف هذه المسألة.

وأجاب غيره: لم يتبين في سؤال هل شرط الإسكان مشترط في عقد النكاح أو بعد تمامه، فإن وقع الشرط في العقد وعثر عليه قبل البناء نقض، وإن لم يعثر عليه إلا بعد الدخول لم يفسخ وثبت بصداق المثل، وإن كان الأب إنما تبرع بذلك بعد صحة العقد وسلامته فليس له أن يهب مال ابنته على غير عوض إلا في موضع مخصوص على مذهب مالك رحمه الله وهو إذا طلق الزوج قبل البناء البكر فيكون عافيا إذ هو الذي بيده عقدة النكاح على مذهبه، وعلى قول ابن القاسم إذا أعسر الزوج فأراد الأب أن يخفف عنه أو يرجئه بالصداق على وجه النظر لابنته فأجازه ابن القاسم ( )(¬1) وأما إذا سكن الزوج مع زوجته الرشيدة في دار تملكها أو في دار اكترتها فلا كراء على الزوج في ذلك إلا أن تشترط تليه وتبينه له، والله سبحانه ولي التوفيق.

[من تطوع لكنته في كتاب صداق ابنتها بالنفقة والسكنى لمدة خمسة عشر عاما فمات]

كتاب الشيخ ابن منصور إلى ملك تونس ليعزل قاضي القيروان]

وشكا أهل القيروان قاضيهم فرفعوا شكايتهم للشيخ الصالح أبي الحسن ابن منصور ، فكتب للخليفة بما نصه : الحمد لله وحده . أسعدكم الله بإيصال نعمه ، ووفر حظكم من رحمته ، وجعلكم لنعمه من الشاكرين ، وبطاعته من العاملين . وبعد ، فإن جماعة أهل القيروان الواصلين إليكم هم وجوه البلد وشهودها ، وهم قد تأذوا بولاية ابن قيدار عليهم ، ويذكرون أمورا شنيعة لا تليق بأهل الديانة . وقد امتنع بعضهم من رفع الشهادة إليه لأنه عنده ممن لا يجوز الرفع إليه . وقد سمعت من غيرهم من أهل الصدق ممن خالطه بالمدرسة بتونس حرسها الله تعالى أنه ممن لا يجوز أن يلى هذه الخطة لما هو عليه من الصفات المذمومة ، وهم يطلبون من عدلكم الراحة من ولايته ، فقد حصل منهم من العداوة الدينية فيما يقولون ما لا يصلح أن يكون واليا عليهم بحال . وقد عزل عمر رضي الله عنه سعد بن أبي وقاص رضي الله عنهما عن أهل الكوفة لما شكاه أهلها ، وسعد رضي الله عنه ممن لا يشك في عدالته وفضله ، فكيف لا يعزل من الظن به غير هذا ؟ أو إن أشكل أمره عليكم وتوقفتم في حاله فردوا أمره إلى قاضي الحضرة يحكم بما أراه الله فيه ، والله يسددكم في القول والعمل ، ويصلح على أيديكم ما فسد من الأمور ، وإلى الله [115/10] سبحانه المشتكى وبه المستعان ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ، والسلام الأتم على من يقف عليه ورحمة الله وبركاته . وكتبه العبد الفقير إلى الله تعالى علي ابن منصور بن محمد . انتهى .

[تظلم أهل الكوفة من عاملهم إلى المأمون]

إذا رمت العلوم بغير شيخ ... ضللت عن الصراط المستقيم

وتلتبس الأمور عليك حتى ... تصير أضل من توما الحكيم

ولهذا قال العلماء: كان العلم في صدور الرجال، ثم انتقل إلى الكتب ومفاتيحه بأيدي الرجال. ومع أن طريق الصوفية كما وصفه المحتج في هذه

[119/11] المناظرة أشد غموضا من هذه العلوم، وأكثر اصطلاحاتهم غير مصرح بها، بل مذكورة على جهة الرمز أو الكناية أو الخوف فيها كما ذكر أعظم، لأن الخطأ في كثير منها ضلال، وكفر، فكيف يقدر على(¬1) خوض هذا العلم من الكتب بغير شيخ مع ذلك، ولا يقدر على سائر العلوم المصرح فيها بمقاصد أهلها التصريح التام المبينة بأوضح بيان، بضرب المثل، وبيان الحقائق. ما هذا إلا غلط واضح، أو مغالطة قبيحة وقد رام الخصم التفريق بأن التطريق إنما عمدته العمل، ويكفي فيه الوصف، فلما عورض بأن أكثره علم، أجاب بأن ذلك في الكتب.

وأجاب: مرة أخرى بأن ما يأتي به الشيخ إما ما احتوت عليه الكتب، فهي كافية، أو غيره، فهي بدعة وقالوا أيضا: ما استبد به الشيخ إن أمكن عنه التعبير، صح أخذه من الكتب وقالوا: السلوك بدون شيخ إما ممتنع لذلته، أو أمر خارج الخ(¬2) وكل ينقطع بالمعارضة بمثله في سائر العلوم، لكن كتب القوم مشتملة على فنين: أحدهما معرفة المقامات والأحوال، وأخذ النفس باتصاف تلك الصفات، وملاحظة تلك الخواطر ومدافعة ما يعرض في ذلك من العوارض. والفن الآخر، معرفة ما فيه قوام المعاملة وتصفيتها من الشوائب المفسدة، ومعرفة عيوب النفس وكيف مداواة عللها والخوض في هذا الفن الآخر متأكد لا غنى لأحد عنه، والغرر فيه اخف، لأن أكثره أمور بينة، وعللها ظاهرة، فمن وجد شيخا يهديه سبيله، فليلزم ومن لا فلا بد له من هذه الكتب.

المعيار المعرب والجامع المغرب · الجزء ١ · الصفحة ١٤٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

المعيار المعرب والجامع المغربج ١ · ص ١٤٣