ولو تحققت النجاسة في شيء من ذلك, عمل عليها ولو تحققت الطهارة فكذلك لكن الغالب على أهل الكتاب الطهارة إلا بدليل والغالب على المجوس النجاسة إلا بدليل. وهي أيضا مما يصح قياس كاغيدهم على رقهم بجامع غلية ظن طهارته, بل لو قيل بصحة قياس الكاغد على طعامهم بما دلت عليه هذه النصوص المذهبية من أن العلة في إباحة تناول طعامهم وتناول ما تناولوه من غير نفي غلبة ظن الطهارة في ذلك
[100/1] لما أبعد. والذي ضيق علينا مسالك النظر في هذه المسألة إلتزامنا الاستدلال بمقتضى نصوص المذهب المالكي لما فهمته من غرض السائل في هذه المسألة. ولو أطلق لنا العنان بحيث يكون استناط حكمها من الأدلة الشرعية من الكتاب والسنة وعدم التقييد بذهب لكان في ذلك أكثر بيان وأزيد إيضاح للحق, لكني كما قال القائل :
وهل أنا إلا من غزية إن غوت ... غويت وإن ترشد غزية أرشد
مرضاته , وكيف يقتحم بالتشبث ويترامي ويتطارح أو يتسارع من أجله الي
موالاة العداة , وقد قال تعالي : فتري الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم
يقولون نخشي أن تصبنا دائرة الخ .والدائرة في هذه النازلة فوات التمسك
بعقار المال , فوصف بمرض القلب وضعف القين . ولو كان قوي الدين
صحيح اليقين واثقا بالله تعالي معتمدا عليه ومسندا طهره اليه لما أهمل قاعدة
التوكل علي علو رتبتها ونمو ثمرتها وشهادتها بصحة الايمان ورسوخ اليقين .
[131/2]
[132/2]
واذا تقرر هذا فلا رخصة لأحد ممن ذكرت في الرجوع ولا في عدم
الهجرة بوجه ولا حال , وأنه لا يعذر مهما توصل الي ذلك بمشقة فادحة
أو حيلة دقيقة , بل مهما وجد سبيلا الي التخلص من ربقة الكفر . وحيث
لا يجد عشيرة تذب عنه وحماة يحمون عليه ورضي بالمقام بمكان فيه الضيم علي
الدين والمنع من اطهار شعائر المسلمين , فهو مارق من الدين منخرط في سلك
الملحدين . والواجب الفرار من دار غلب عليها أهل الشرك والخسران الي دار
الأمن والأمان . ولذلك قوبلوا في الجواب عند الاعتذار بقوله : ألم تكن أرض
الله واسعة الخ . أي حيثما توجه المهاجر وان كان ضعيفا فانه يجد الأرض
واسعة ومتصلة فلا عذر بوجه لمستطيع وان كان بمشقة في العمل أو في الحيلة
أو في اكتساب الرزق أو ضيق المعيشة الا المستضعف العاجز رأسا الذي
لا يستطيع حيلة ولا يهتدي سبيلا . ومن بادر الي الفرار , وسارع في الانتقال من
دار البوار الي دار الأبرار , فذلك أمارة طاهرة في الحال العاجلة لما يصير اليه
حاله في الاجلة , لأن من يسر له العمل الصالح كان مأمولا له الطفر والفوز ,
ومن تيسر له العمل الخبيث كان مخوفا عليه الهلاك والخسران , جعلنا الله
واياكم ممن يسر لليسري , وانتفع بالذكري .
وما ذكرت عن هؤلاء المهاجرين من قبيح الكلام وسب دار الاسلام ,
وتمني الرجوع الي دار الشرك والاصنام , وغير ذلك من الفواحش المنكرة التي
ودليل آخر سمح به الخاطر بعون الله تعالى ؛ وهو أن الله تعالى قال فيه للنبي صلى الله عليه وسلم : ﴿النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم﴾ . فلو تزوج عليه السلام كافرة ، لكانت أم للمؤمنين ، وذلك محال أن تكون أم المؤمنين بأسرهم كافرة ، ووسع الله على أمته في ذلك ، لأنهم لا يعترضهم شيء مما ذكرنا ، وربما قال قائل : قد كانت أم النبي صلى الله عليه وسلم كافرة ، وهو أفضل من جميع المؤمنين ، قلنا لم نقل نحن يستحيل أن تكون الكافرة أم المؤمنين من جهة الفضل وعدم الفضل ، ولكن من جهة الكثرة والجموع ، كيف تكون أم المؤمنين بأسرهم كافرة ، وأما في الواحد والآحاد فغير ممتنع ، هذا الذي حضرني ، فمن كان عنده وجه أبين من هذا وأضافه إلى هذا فهو مأجور ، وأما ما وسع الله فيه على نبيه وضيق علي الأمة ، فأشياء كثيرة يطول ذكرها ، لكن نشير من ذلك إلى ما حضر الآن ، فمنها أنه صلى الله عليه وسلم له أن يتزوج بغير عدد محصور ، وضيق على أمتته وقصروا على عدد محصور . وله صلى الله عليه وسلم أن يتزوج ويطأ بغير مهر ، ولا يجوز ذلك لأمته . وقيل : كان له أن يتزوج بغير ولي وغير شهود ، وليس ذلك لأمته ، وذها لأن الولي يراد ليختار الأزواج ، ويحتاط إذ لا ينخدع ، والنساء ينخدعن ، ولا أحد خير منه صلى الله عليه وسلم ومن أخذه ولم يخدع ، والشهود إنما هم للتوقف وليس هناك حاجة تدعو إلى التوقف منه صلى الله عليه وسلم وقيل : إنه وسع له أن يتزوج صلى الله عليه وسلم محرما وليس ذلك لأمته ، فإنه تزوج محرما على ما روى ابن عباس رضي الله عنه ، واختلف هل كان له ترك القسم بين نسائه أم لا ؟ فقيل : ليس[105/3]له ذلك كأمته ، بدليل أنه كان يطاف به صلى الله عليه وسلم على نسائه وهو مريض ، ويقول : «هذا قسمي فيما أملك ولا تواخذني بما لا أملك» يعني قلبه .
فأجاب: الأسئلة تحتاج أن تكون مبينة مفصلة، وسؤالكم هذا مجمل من وجوه، منها: أنكم لم تذكروا عدد من شهد عليه بالثلاث والواحدة، ولا هل كذب كل واحد منهم من شهد بخلاف شهادته، بحيث يقول: وأحطت علما بما وقع في المجلس من أوله.. إلخ، أو يقول: غفلت عن بعضهم، وأحكام ذلك مختلفة لا تسعها هذه البطاقة، وقد قدمت لكم مرارا أن زمني لا يتسع للجواب إلا للمسائل الملخصة المخلصة إلى جهة واحدة نبينوا لنا ذلك بيانا شافيا نوقع
[115/4]
[116/4]
الجواب عليها إن شاء الله تعالى، ولا شك في لزوم الواحدة له لإقراره على نفسه بها، ويبقى النظر فيما زاد عليها موقوفا حتى ينظر في شهادة من شهد بالثلاث، والعمل على المشهور من المذهب في لزوم الحنث له إن قصدت تحنيه، وقول أشهب شذوذ، قاله ابن رشد في مقدماته، ولا يجوز التعبد ولا الحكم بالشاذ. انتهى. وقال في موضع آخر: ولا عبرة بالخلاف الشاذ الذي يؤدب من أفتى به، وإن كان مذهبا. انتهى.
[ من قال الأيمان تلزمه أن زوجته لن تكون له أبدا زوجة]
وسئل عمن شاور زوجته فقال لها: الأيمان تلزمه أنها لا تكون له أبدا بزوجة، هل يجوز له أن يكتب له طلقة ممكلة أو خلعية، أو أبرأته من شيء من حقوقها ثم راجعها؟ أم لا يجوز له شيء من ذلك ويقضى عليه بالثلاث؟ بينوا لنا ذلك وما يتعلق به مما جرى عليه كريم علمكم وعظيم فهمكم وجميل نظركم وسديد رأيكم، والله سبحانه يبقى بركاتكم للمسلمين، ويخلد مآثركم السنية إلى يوم الدين.
فأجاب: الجواب والله الموفق للصواب بمنه، أن الحالف المذكور إذا أوقع على زوجته المذكورة طلقة بائنة بخلع أو مباراة أو بتمليك على ما مضى به العمل في الطلقة المملكة أنها بائنة، فقد بر في يمينه، ثم له مراجعتها بعد ذلك بنكاح جديد برضاها وبالله سبحانه التوفيق.
[ من أشهد على نفسه أنه طلق زوجه طلقة صادفت الثلاث وأنه حرمها تحريما مؤبدا]
مما يشهد لما أشارت إليه سيادتكم حكما وتنظيرا غير سالم من الاعتراض وخارج عن الأصول والنقول إن بقي على ظاهره ولفطه إذا قام الرجل بعقد ابتياع من المقوم عليه أو من أبيه قبله وتاريخ الابتياع قبل القيام بعشرين سنة في أملاك هي بيد رجل أو تصيرت له من والده فقال له المقوم عليه لي عشرون سنة أتملك هذه الأملاك وأنت حاضر فلم تقم فقال له لم أجد وثيقة ابتياعي إلا الآن، فالواجب أن ليس هذا من باب الحيازة فينقطع من القائم بذلك ولكن يحلف القائم بالله الذي لا إله إلا هو ما تركت القيام في الأملاك تسليما مني لذلك أيها المتملك لها، ولا رضيت بترك حقي فيها لك، ولا تركت القيام إلا لأني لم أعلم بالعقد ولا وجدته، ويأخذها من يده، وكذلك لو كان أبو القائم هو الذي اشتراها من المقوم عليه يحلف القائم ما علمت بشراء أبي لها إلا في وقت قيامي بعقدي ثم يأخذها، وهو أبين من الأول في قيامه في الأملاك، ولو قال القائم كنت اشتريتها ثم أعمرتك إياها أو اكتريتها منك أو أرفقتك بها ولذلك لم أقم عليك فيها لكان أبين وأوضح في أن له أن يحلف إذا استظهر بعقد ابتياعه ويأخذها، ولو قال المقوم عليه أنا أقلتك فيها بعد أن بعتها منك لكان القول قوله مع يمينه وتبقى بيده الأملاك ولو كانت الأملاك بيد المقوم عليه وادعى ابتياعها لنفعته الحيازة انتهى، ولقد أجاد في الجواب وصادف صوب الصواب في نازلة لبابة بينت يحيى بن عامر التي راجعه فيها القاضي أبو محمد عبد الله بن أحمد بن رشوق رحمه الله فقال فيها ما نصه: وما تضمنه العقد الذي استظهرت به لبابة في تملكها للنصيب الذي تطلب من الملك المذكور من أن جميع الملك المذكور لها ولسائر ورثة أبيها موروثا عن أبيهم ليس بالقوى ولا يقوم مقام ما يلزمها من إثبات ملك أبيها كذلك وتخلفه ميراث عنه ثم قال بعد في أثناء النازلة ولا يجزي منه ما تضمنه العقد الذي استظهرت به لبابة من أنه جميع الموضعين
فأجاب: الجواب أن تبرعات كل مستغرق الذمة بالتبرعات من حبس على بنيه أو ذوي قرابته أو صدقة عليهم، أو وصية لهم بمال أن ذلك كله مردود غير نافذ ولا ماض. وإنما أفتى القاضي ابن رشد بإمضاء ما جعل من ذلك في شيء من مصالح المسلمين مثل ما جعل في المسجد الجامع لأن ذلك ينتفع به المسلمون. وكذلك أفتى بنفوذ العتق لحرمته. قال: ويكون الولاء للمسلمين. وأما تحبيسه على بنيه فلا مصلحة فيه لعامة المسلمين. فإن كان تحبيس الوالي على بنيه بعد أن جبا ما يعلم أنه يتسغرق ماله كله رد تحبيسه، وسواء أمسك عنده ما جباه من ذلك أو دفعه كله ممن ولاه أو لغيره، لأنه بنفس الجباية ضمنه، ولا يبريه منه دفعه إياه لمن ولاه ولا لغيره.
هذا كله نقله ابن حبيب في الواضحة وهو جلي والله أعلم.
[بيع أملاك مستغرق الذمة نافذ]
وسئل سيدي عبد الله الوانغيلي(¬1) عمن بقي واليا سنين ثم مات وخلف لورثته أموالا وأملاكا، فطلبوا بمطلب من جهة المخزن وشدد على الناظر لهم إذ هم محاجير في الطلب وحبس بسبب ذلك، فباع الأملاك المذكورة، وودي من ثمنها ما طلب به محاجيره، هل البيع صحيح أم لا؟ وإذا قلتم بالصحة هل في جميع أملاكه ما تملكه قبل الولاية أو بعدها؟ أم تختص بما ملك بعد الولاية؟ وهل يعتبر قول من يدعي الإكراه أم لا؟ وهل ما عقد الوالي من التحبيس في بعض أملاك نافذ أم لا؟
فأجاب: الوالي المذكور إن كان مستغرق الذمة بالتباعات فبيع، وما بيع من أملاكه على الوجه المذكور نافذ، كان مما اكتسبه قبل الولاية أو بعدها، ولا يعتبر الإكراه في مثل هؤلاء الولاة. وأما دعوى الإكراه في الولاية فليست بدعوى تنفع مدعيها، وإن ثبت الإكراه، إذ لا يعذر أحد بالإكراه على أخذ مال غيره، ويجب عليه غرم ما أخذه للناس، واستكثر به لنفسه، أو على يده لمن أخذه، وإن أكره على ذلك، وما عقده من الحبس على أولاده بعد
[139/6]
فاجاب وقفت على السؤال المذكور فوق هذا, والفقراء في الوقت أحسن أحوالهم- وما فيها حسن ان يكونوا مجتمعين فيأكلون أموال الناس, ويغنون ويرقصون, ويوهمون الجهال أن ما يفعلون من ذلك قربة إلى الله تعالى, وأن ذلك طريق الصالحين والأولياء, فهؤلاء قوم يضلون ويضلون وفي مثلهم قال مالك رحمه الله حين وصفوا له: ما سمعت أن أحدا من أهل الإسلام يفعل هذا. فالإمام الذي صار شيخا عليهم إن كان يسير لسيرتهم, ويزين للعوام طريقتهم, فهو ممن استخلفه الشيطان على إضلال عباد الله, وذلك قادح في إمامته وعدالته, إذ من حق الإمام أن يسلك ما سلك عليه السلف فيما يرجع إلى الدين وإقامة وظائفه, ويتبرأ من كل مبتدع ومضل وينكر عليهم, فإن تغرر على ذلك فهو مأمور ألا يجتمع معهم ولا يوافقهم, فكيف أن يكون شيخهم يمشي طريقتهم. وهذا إنما هو فيمن يكون من الفقراء على ما وصف اولا, وأما من يكون منهم, يقدح في الوظائف الشرعية, وأنواع التكاليف, , ويرتكب الاباحة للمحرمات فليس الكلام في هؤلاء, إذ هؤلاء كفار يجب قتلهم إذا ثبت موجب ذلك عليهم, والكلام في هذه الطائفة وأحوالها وعظم مفاسدها يطول, وهذا القدر كاف في جواب السؤال, والله الموفق والهادي, وقال أيضا واما (من يفعل)(¬1) أفعال فقراء هذا الوقت ويحضر معهم وينتظم في سلوكهم فهم على قسمين: منهم طائفة زنادقة, وزندقتهم مختلفة, فهؤلاء لا مرية في كفرهم كالاباظية منهم, فأمر هؤلاء ظاهر.
وطائفة أخرى (جهلة, أخفها)(¬2) يأكلون أموال الناس بالباطل, وعلتهم ما
[
فأجاب هو وأصبغ بن محمد وابن رشد: لا تكون القسمة فيها إذا تشاح الورثة مع المنفرد إلا على أقل الأنصباء بالقرعة على ما مضى به العمل في القرعة انتهى. وفي أجوبة ابن الحاج في مثلها إلا أنها لا تنقسم على أقل الأنصباء، الحكم القسم على الإشراك الأول حتى يميز للشريك نصيبه ويبقى نصيب الميت لورثته يصيرون إلى ما توجبه السنة. قال وجدتها مكتوبة عن أبي عبدالله محمد بن فرج، قال أخبرنا بها عمر. وفي أجوبة ابن رشد: ما كان للغلة مثل الرحى والحمام لا مقاومة ولا مزايدة، ومن كره الإشاعة باع.
وسئل ابن زرب عمن نحل ابنته دارا لا تنقسم.
فأجاب: دار الخلاف فيها بين الشيوخ. وتفسير ذلك أن ينظر إلى الدار جمعاء، لأن نصيب الزوج هو في جميع الدار.
[123/8]
[124/8] ... [هل يجبر الشريك على بيع ما لا يقبل القسم؟]
وسئل عن دار مشتركة لا تحمل القسم دعا أحدهم إلى البيع صفقة، هل يجبر الثاني على البيع معه فإذا بلغت ثمنا ما كان للذي لم يدع إلى البيع ضمها أم لا؟
فأجاب: للذي لا يرغب في البيع منهما ضمها بذلك الثمن وكان أحق بذلك ممن بلغها وإن لم يزد، فقال له أبوالأصبغ فلو أنفذ البيع فيها من غيره، قال ينفذ البيع ولا يرد ويجبر المشتري على البيع معه، وإنما الشريك أحق بها بما بلغت من الثمن ما لم ينفذ البيع، فإذا نفذ لم يفسخ.
[اقتسم ورثة وبعد أربعين سنة قام بعضهم يدعي أن القسمة لم تكن على البت]
وسئل ابن المكوي عن رجل توفي وترك ابنا ذكرا وبنات فقسم مع أخواته بعد أن أخرجن إلى أزواجهن وملك أربعين سنة. ثم إن الأخوات قمن عليه فقلن نصيبنا في مكان كذا وكذا، ولم نقسم معك قسمة بتل، وإنما كنت أنت قد أخذت ما أردت وأخذنا نحن ما أردنا إلى اليوم، وغرس الأخ وأظهر ويدعى البتل في القسم، فعرفنا بالواجب.
فأجاب: عليه إثبات قسمة البتل وإلا حلف له الأخوات على إنكار ذلك وقسمن معه، ولهن رد اليمين عليه إن شاء.
[
وسئل ابن رشد رحمه الله وهي من مسائل عياض عن رجل توفي وترك زوجة وابنة منها وابن عم وكان المتوفي قد وهب لابنته في صحته وجواز أمره رباعا دارين وثلاث حوانيت وسلط عليها حكم الاعتصار ولم يترك من الربع حاشا دار سكناه وترك ما لا قدر له خارجا عن المدينة وأشهد لابنته المذكورة أن أمها تصدقت على ابنتها المذكورة بمائة مثقال واحدة وأنه اتجر فيها فربح منها ثلاثين مثقالا وأنه اجتمع بيده لها من غلة الربع الذي وهبه لها سبعون مثقالا ثم توفي الرجل بعد سنين ولم يوجد له من المال سوى دار سكناه ومن الناض نحو العشرة مثاقيل ووجد له أثاثا من ثياب ظهره وغيرها لا تبلغ به ما أقر
[
وسئل ابن عرفة عن قاضي عمالة سافر إلى غيرها ، وقد كان المقام أسماه الله حين قلده أذن له في النيابة عنه عمالته بخلل ما يرفع إليها ، فسافر القاضي المذكور ولم يستنب وقد كان أيضا بدأ بالحكم في قضية تدمية بشهادة عدول ولم يكملها ، فرغب بعد سفره المذكور أهل القضية المذكورة في الاستنابة فيها حتى تكمل ، فهل يسوغ له ذلك لكونه كحكمه في غير علمه ؟ وكيف إن سوغتم له الإذن فهل يكتفي بخطه لمن استنابه وعينه لذلك ؟ أم لا بد من الاشهاد عليه بالاستنابة المذكورة بغير عمالته ، فإن استناب على أحد الوجهين وقد كان شهد عنده العدول في التدمية المذكورة ، ومن فصولها أنهم لا يعلمون الميت المذكور بريء من الجرح المذكور إلى أن مات ، فشهد عند النائب شهود استرعاء زكاهم عدول بأن الميت المذكور مات عن صحة بينة ليس من جرح بحال ، فهل يعمل على هذه الثانية لكونها أثبتت غير ما ذكرته الأولى وإن كانت الأولى أعدل فاعمل على الثانية ، هل يلزم المدمي عليه المذكور أدب أم يسرح ؟ وإن حكم بأدبه فهل يكفي ما مضى من سجنه وله اليوم قريب من ثلاثة أشهر مسجون في الحديد أم لا ؟ أفتنا بالجواب في ذلك أعظم الله أجركم ، والسلام عليكم .
[106/10] فأجاب : الاستنابة المذكورة صحيحة عاملة لا يدخلها الخلاف الحاصل مما نقل ابن سهل ، لأن سماع البينة أقرب إلى الحكم من مجرد الاستنابة ويقوم جوازها من مسألة العريش من المدونة ، وثبوت البينة بالصحة المذكورة تسقط أحد الضرب والحبس ، وتقدم حبسه المذكور يسقط استئناف أدبه والله أعلم .
109/11] مع التوبة فإن الكفر وغيره من المعاصي يضمحل برحمة الله تعالى قال الله سبحانه: ﴿قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف﴾ قال العلماء والتوبة من الذنوب أرجى من التوبة من الكفر فلا يجوز أن يعير التائب من الكفر أو من المعصية بما كان عليه قبل إسلامه، وقبل رجوعه عن عصيانه. ولكل واحد ممن أسلم أو تاب من أكبر المعاصي أن يؤم الناس إذا كان في الحال على حالة مرضية، لا سيما، إذا كان عصيان هذا الإنسان مقاتلة، دفع بها المقتول عن نفسه أو ماله. فقد قال رجل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: "أرأيت رجلا يريد أخذ مالي. قال: لا تعطه مالك. قال: فإن قاتلني. قال: فاقتله. قال: فإن قتلته، قال: هو في النار".
[الكتب المعتمدة في الفتوى]
وسئل السرقسطي بما نصه:
يا سيدي أدام الله عافيتكم وأسعدكم بدوام حياتكم، كاتب هذه الحروف إليكم، يسلم عليكم ويسألكم أن تجعلوا له من دعائكم الصالح نصيبا عن ظهر الغيب.
وبعد، فاني كنت أحدث نفسي بالانتقال إلى مجاورتكم، في التماس بركة مجالسكم وإذا بالظهير الأحمر، قد أصدر إلينا من أمير المؤمنين نصره الله بأن عين الجلوس بمدينة بلش، لتعليم الطلبة الطالبين للعلم وقد كنت فيما مضى من الزمان في مكثي ببلش يقصد الناس إلي في الفتيا في أمر دينهم فكنت أفتي لهم في أمر العبادات حيث لا يكون حكم حاكم ولا قاض. والآن إني خشيت على نفسي إذ قلدني الله هذا الأمر الشريف، والمرتبة العليا التي لا يتولاها إلا مثلكم فإن من كمال فضلكم وجلال قدركم وسماحتكم وتواضعكم أن خصكم الله بها دون سائر إخواننا أن تذكر لي في هذه الورقة بمن أفتى بعد قول ابن القاسم إذا لم أجد قوله من أصحاب مالك؟ ثم تقيد لي بأي كتاب يكون اعتمادي عليه في الفتيا منه.