وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل . وقال النبي
صلى الله عليه وسلم : «ارموا واركبوا، وأن ترموا أحب إلي من أن تركبوا، ومن تعلم الرمي ثم نسيه فليس منا.»
والقوة في الحكم بين الناس، ترجع إلى العلم بالعدل الذي دل عليه الكتاب والسنة، وإلى القدرة على تنفيذ الأحكام .»
وبعد أن بين الشيخ رحمه الله تعالى معنى القوة الذي يختلف باختلاف الولايات، نراه يذكر أن اجتماع القوة والأمانة في الناس قليل، وهذا حق بلا ريب؛ ولهذا كان سيدنا عمر بن الخطاب يقول: اللهم إني أشكو إليك جلد الفاجر (أي قوته وعظم احتماله)، وعجز الثقة!
وإذن، ما العمل إذا كان ركنا الولاية هما كما عرفنا القوة والأمانة؟ هنا نرى صاحب «السياسة الشرعية» يقول ما يحسن نقله بنصه: «فالواجب في كل ولاية الأصلح بحسبها، فإذا تعين رجلان أحدهما أعظم أمانة، والآخر أعظم قوة، قدم أنفعهما لتلك الولاية.
فيقدم في ولاية الحروب القوي الشجاع، وإن كان فيه فجور فيها، على الضعيف العاجز وإن كان أمينا. كما سئل الإمام أحمد عن الرجلين يكونان أميرين في الغزو، أحدهما قوي فاجر والآخر صالح ضعيف، مع أيهما يغزى؟ فقال: أما الفاجر القوي فقوته للمسلمين وفجوره على نفسه، وأما الصالح الضعيف فصلاحه لنفسه وضعفه على المسلمين، فيغزى مع القوي الفاجر، وقد قال النبي
صلى الله عليه وسلم : «إن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر».»
6
وضرب بعد هذا مثلا لتولية القوي في الحرب، بتولية الرسول
صلى الله عليه وسلم
سيدنا خالد بن الوليد عليها، وقوله فيه: «إن خالدا سيف سله الله على المشركين»، مع أنه أحيانا كان يعمل ما ينكره عليه، حتى إنه مرة رفع يديه إلى السماء، وقال: «اللهم إني أبرأ إليك مما فعل خالد!» وذلك حين أرسله إلى جذيمة فقتلهم وأخذ أموالهم بنوع شبهة، فوداهم النبي عليه الصلاة السلام، ومع هذا فما زال يقدمه في إمارة الحرب؛ لأنه كان أصلح في هذا الباب من غيره، وقد كان منه ما كان بنوع تأويل.
وإذا كان في الولاية للحروب تكون الحاجة فيها إلى الجلد والقوة أشد وأظهر وألزم، فإنه في ولايات أخرى تكون الأمانة ألزم فيقدم صاحبها وإن كان فيه ضعف. والأمانة ترجع - كما يذكر الإمام - إلى خصال ثلاث: خشية الله، وألا يشتري بآياته ثمنا قليلا، ترك خشية الناس.
وهذه الخصال، التي هي عند الله مناط الحكم على الناس وما يعملون، جمعتها هذه الآية:
فلا تخشوا الناس واخشون ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون .
7
ومن الأعمال التي يقدم فيها الأمين؛ لأن الحاجة فيها إلى الأمانة أشد، ولاية حفظ الأموال ونحوها، وإن كان استخراج الأموال ممن هي عليهم، ثم حفظها كاملة لتنفق في مصالح الأمة، لا بد فيه من قوة وأمانة، وحينئذ، يولى عليها عامل قوي يستخرجها بقوته، وكاتب أمين يحفظها بخبرته وأمانته. «وهكذا في سائر الولايات إذا لم تتم المصلحة برجل واحد، جمع بين عدد، فلا بد من ترجيح الأصلح، أو تعدد المولى إذا لم تقع الكفاية بواحد.»
8
وإذا تركنا ولاية الحرب ثم ولاية أمور المال، إلى ولاية القضاء، نجد أن منصب القضاء يحتاج إلى العلم بالأحكام الشرعية، والورع أو التقوى، ثم إلى الكفاية للقيام به. ولكن ذلك كله لا يتوافر دائما فيمن يصح أن يكون منهم القضاة على حد سواء، فما العمل إذن؟
يقول الشيخ في هذا: «ويقدم في ولاية القضاء الأعلم الأورع الأكفأ، فإن كان أحدهما أعلم والآخر أورع، قدم فيما يظهر حكمه ويخاف فيه الهوى الأورع، وفيما يدق حكمه ويخاف فيه الاشتباه الأعلم ...
ويقدم الأكفأ إن كان القضاء يحتاج إلى قوة وإعانة للقاضي أكثر من حاجته إلى مزيد العلم والورع؛ فإن القاضي المطلق يحتاج إلى أن يكون عالما عادلا قادرا، بل وكذلك كل وال للمسلمين، فأي صفة من هذه الصفات نقصت، ظهر الخلل بسببه، والكفاءة إما بقهر ورهبة، وإما بإحسان ورغبة، وفي الحقيقة لا بد منهما.»