9
المقصود من الولايات
ومما ييسر لولي الأمر معرفة الأصلح لولاية من الولايات، معرفة المقصود منها ليسندها إلى الأقدر على تحقيق هذا المقصود بالطرق المشروعة الحازمة التي تؤدي إليه، فعلى الإمام تعرف تلك المقاصد، وتعرف الوسائل إلى تحقيقها، وأن يختار بعد ذلك لكل ولاية من الكفاة من يرى أنه القادر على تحقيقها ...
ومن الطبعي أن تختلف مقاصد ولاية عن ولاية أخرى، ولكن هناك أمر يعتبر مقصودا عاما من كل الولايات مهما اختلفت أنواعها، وهو إقامة دين الله الذي به صلاح أمورنا في الدنيا والأخرى؛ ولهذا يقول الإمام ابن تيمية: «المقصود الواجب بالولايات إصلاح دين الخلق الذي إذا فاتهم خسروا خسرانا مبينا، ولم ينفعهم ما نعموا به في الدنيا، وإصلاح ما لا يقوم الدين إلا به من أمر دنياهم، وهو نوعان: قسم المال بين مستحقيه، وعقوبات المعتدين، فمن لم يعتد، أصلح له دينه ودنياه.
ولهذا كان عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، يقول: إنما بعثت عمالي إليكم ليعلموكم كتاب ربكم وسنة نبيكم، ويقيموا بينكم دينكم، ويقسموا بينكم فيئكم»، إلى آخر ما قال.
10 (2) في الأموال
وجوب أدائها
إذا كانت الولايات هي النوع الأول من الأمانات التي أمر الله بأدائها بقوله تعالى:
إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها ، فإن الأموال هي النوع الثاني منها، فأداء الأمانات المالية أمر واجب بالكتاب والسنة على الولاة والرعية معا.
فعلى كل منهما - كما يذكر الشيخ الإمام - أن يؤدي إلى آخر ما يجب أداؤه إليه، فعلى ذي السلطان ونوابه في العطاء أن يؤتوا كل ذي حق حقه، وعلى جباة الأموال أن يؤدوا إلى ذي السلطان ما يجب إيتاؤه إليه، وكذلك على الرعية أداء ما يجب عليهم من الحقوق المالية.
وليس للرعية أن يطلبوا من ولاة الأموال ما لا يستحقونه، وإلا كانوا من جنس من قال الله فيهم:
ومنهم من يلمزك في الصدقات فإن أعطوا منها رضوا وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون .
11
ولكن هل للرعية أن يدفعوا للسلطان ما يجب عليهم من الأموال وإن كان ظالما؟ يجيب الشيخ عن هذا بأنه ليس لهم أن يمتنعوا من ذلك، فإن الرسول
صلى الله عليه وسلم
أمر بذلك حين ذكر جور الولاة، فقال: «أدوا إليهم الذي لهم، فإن الله سائلهم عما استرعاهم.»
ومع هذا، فليس لولاة الأموال - كما يذكر الشيخ بعد ذلك - أن يقسموها حسب أهوائهم كما يقسم المالك ملكه، فإنما هم أمناء ونواب ووكلاء، وليسوا ملاكا، وفي ذلك يقول الرسول
صلى الله عليه وسلم : «إني والله لا أعطي أحدا ولا أمنع أحدا، وإنما أنا قاسم أضع حيث أمرت.»
وقد سار الخلفاء الراشدين على هذا النهج النبوي، فهذا رجل يقول لعمر بن الخطاب: يا أمير المؤمنين، لو وسعت على نفسك في النفقة من مال الله تعالى؟ فيجيبه الفاروق بقوله: أتدري مثلي ومثل هؤلاء؟ إنه كمثل قوم كانوا في سفر فجمعوا مالا وسلموه إلى واحد ينفقه عليهم، فهل يحل لذلك الرجل أن يستأثر عنهم بشيء من أموالهم؟!
وحمل إليه، رضي الله عنه، مرة مال عظيم من الخمس فقال: إن قوما أدوا الأمانة في هذا لأمناء، فقال له بعض الحاضرين: إنك أديت الأمانة إلى الله تعالى فأدوا إليك الأمانة، ولو رتعت رتعوا!
الظلم من الولاة والرعية
وبعد أن تناول أصناف الأموال السلطانية، من الغنائم والصدقات والفيء، أخذ في الكلام على الظلم الذي كثيرا ما يقع من الولاة والرعية، أولئك يأخذون ما لا يحل، وهؤلاء يمنعون ما يجب.
كما قد يتظالم الجند والفلاحون، ويكنز الولاة من مال الله ما لا يحل كنزه، وكذلك العقوبات على أداء الأموال، فإنه قد يترك منها ما يباح أو يجب، وقد يفعل ما لا يحل.
والأصل العام الذي يرجع إليه حكم الله في ذلك كله، هو أن من عليه مال يجب أن يؤديه لأنه حق واجب عليه متى كان قادرا على أدائه بالحبس أو الضرب إذا لزم الأمر.