تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

1

وهكذا، يكون إقامة الحاكم الأعلى للأمة أمرا ضروريا لخير المسلمين في الدنيا والأخرى، ويكون العمل على توليته قربة يتقرب بها إلى الله تعالى، ويجب حينئذ حياطته بالنصح إذا لزم الأمر، فإن الرسول

صلى الله عليه وسلم

قال: «الدين النصيحة، الدين النصيحة.» قالوا: لمن يا رسول الله؟ قال: «لله ولكتابه ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم.»

اختيار الولاة

ومن البدهي أن رئيس الدولة لا يستطيع أن يباشر كل أمر بنفسه، فلا بد له ممن يعاونونه في إدارة شئون الأمة من الولاة والعمال الذين يقومون بما يكل إليهم من الأعمال، وحينئذ عليه أن يحسن اختيار هؤلاء، وبمقدار حسن اختيارهم تكون الإدارة صالحة، وتسير الأمور على ما ينبغي؛ لأنه يكون قد وضع كل أمر في يد من يحسنه، وقام بالأمانة التي لديه خير قيام، وفي هذا يقول ابن تيمية:

2

فيجب على ولي الأمر أن يولي على كل عمل من أعمال المسلمين أصلح من يجده لذلك العمل، قال النبي

صلى الله عليه وسلم : «من ولي من أمر المسلمين شيئا، فولى رجلا وهو يجد من هو أصلح منه، فقد خان الله ورسوله.»

وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «من ولي من أمر المسلمين شيئا، فولى رجلا لمودة أو قرابة بينهما، فقد خان الله ورسوله والمسلمين.»

وليس له أن يقدم رجلا لأنه طلب الولاية، أو لأنه سبق غيره في طلبها، بل إن طلبه أحرى أن يكون سببا لمنعه ما طلب، فقد جاء في الصحيحين أن قوما دخلوا على الرسول

صلى الله عليه وسلم

فسألوه ولاية، فقال: «إنا لا نولي أمرنا هذا من طلبه.» وقال لعبد الرحمن بن سمرة: «يا عبد الرحمن، لا تسأل الإمارة؛ فإنك إن أعطيتها من غير مسألة أعنت عليها، وإن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها.»

وقد يعدل ولي الأمر فيتبع هدي الله ورسوله، ويولي كل ولاية الأحق بها والأصلح لها، وقد يجور فيعدل عن الأحق الأصلح لضغن عليه في قلبه، ويولي غير الأصلح؛ لأنه من ذوي قرابته أو لصلة صداقة مثلا بينهما، أو لرشوة أخذها منه، أو لأي سبب آخر.

ولي الأمر هذا، يكون مضيعا للأمانة التي بين يديه، وخائنا لله ولرسوله وللمؤمنين، وداخلا فيما نهى الله عنه بقوله:

يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون .

3

والحكم أمانة في يد ولي الأمر، وكذلك كل الولايات التي تتبعه، وفي هذا يقول الشيخ الأكبر: «وقد دلت سنة رسول الله

صلى الله عليه وسلم

على أن الولاية أمانة يجب أداؤها، في مواضع مثل ما تقدم، ومثل قوله لأبي ذر رضي الله عنه في الإمارة: «إنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة، إلا من أخذها بحقها، وأدى الذي عليه فيها» رواه مسلم.

وروى البخاري في صحيحه، عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي

صلى الله عليه وسلم

قال: «إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة.» قيل: يا رسول الله، وما إضاعتها؟ قال: «إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة».»

4

مقياس الصلاحية

ولكن كيف يعرف ولي الأمر أن هذا هو الأصلح من غيره للولاية؟ تلك حقا مشكلة يجب حلها بوضع مقياس للصلاحية، وهنا نجد ابن تيمية يجري على منهجه العام من الرجوع إلى الكتاب وسنة الرسول

صلى الله عليه وسلم ، وليس على ولي الأمر إلا أن يعمل جهده في الاختيار، فالله يقول:

فاتقوا الله ما استطعتم ، كما يقول الرسول: «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم.»

وبعد ذلك يلاحظ أن الولاة وكلاء عن الأمة وأجراء لها، ثم يقول: إن الولاية لها ركنان: القوة، والأمانة كما قال تعالى:

إن خير من استأجرت القوي الأمين ، وقال صاحب مصر ليوسف عليه السلام:

إنك اليوم لدينا مكين أمين ، وقال تعالى في صفة جبريل:

إنه لقول رسول كريم * ذي قوة عند ذي العرش مكين * مطاع ثم أمين .

5

وهكذا يخلص لابن تيمية المقياس الذي يجب اتخاذه هاديا ومرشدا. على أننا نتساءل: هل القوة في كل عمل بمعنى واحد، أو أنها تختلف في معناها باختلاف أنواع الأعمال؟ ويجيب عن ذلك بقوله بعد ما تقدم: «القوة في كل ولاية بحسبها، فالقوة في إمارة الحرب ترجع إلى شجاعة القلب، وإلى الخبرة بالحروب والمخادعة فيها فإن الحرب خدعة، وإلى القدرة على أنواع القتال ... ونحو ذلك، كما قال تعالى:

ابن تيمية · الصفحة ٨٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ابن تيميةص ٨٤