تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

7

العدل في المعاملة

كل مؤمن بالله ورسوله، محب لدينه ووطنه وأمته، يعمل بلا ريب على أن يقوم المجتمع الذي ينسب إليه على العدل، كما يعمل جهده لكفاح الظلم والظالمين. وكان ابن تيمية من رجال الدين القلائل - حاشا عصر الرسول والصحابة والتابعين - الذين عملوا كل ما يستطيعون ليكون المجتمع مجتمعا عادلا نقيا من الظلم وأعوانه، وقد قدمنا له من ذلك شيئا كثيرا في هذه الناحية.

8

وذكرنا من قبل أيضا بعض فتاويه الفقهية التي تحمل على البعد عن ظلم المرء لنفسه بعدم طاعة الله، وأخرى تحول بينه وبين ظلم غيره، أو المجتمع الذي يعيش فيه، مثل عدم جواز إعطاء الزكاة لمن لا يستعين بها على طاعة الله، وتحريم قبول هدية من أحد ليشفع له في أمر لا يستحقه، وعدم إجازة بيع عصير العنب لمن يقصد إلى جعله خمرا.

9

ولكراهة الشيخ الإمام للظلم، وإحساسه عاقبته البشعة بصفة عامة، سواء كان ظلما لفرد أو ظلما لجماعة، نراه يقول في أول رسالة الحسبة: «إن الناس لم يتنازعوا في أن عاقبة الظلم وخيمة، وعاقبة العدل كريمة؛ ولهذا يروى أن الله ينصر الدولة العادلة وإن كانت كافرة، ولا ينصر الدولة الظالمة وإن كانت مؤمنة» إلى آخر ما قال.

ثم تناول بعد ذلك الكلام على واجبات المحتسب، ومنها أخذ الناس بأداء الأمانات، وترك الخيانة والغش والتدليس فيما يتعاملون فيه، وتسعير عروض التجارة إذا لزم الأمر، وكذلك إلزام أهل الحرف والصناعات بالعمل فيما يحتاجه الناس.

10

وذكر بعد هذا أن النبي

صلى الله عليه وسلم

كان يعنى بمحاسبة العمال على المستخرج والمصرف (ومن المعروف أن للإمام أن يكل ذلك لغيره ممن يثق بهم)، ويروي في هذا حديثا جاء في الصحيحين، وهو أن النبي

صلى الله عليه وسلم

استعمل رجلا من الأزد يقال له «اللتبية» على الصدقات، فلما رجع حاسبه فقال: هذا لكم، وهذا أهدي إلي، فقال النبي

صلى الله عليه وسلم : «ما بال الرجل نستعمله على العمل مما ولانا الله فيقول هذا لكم وهذا أهدي إلي، أفلا قعد في بيت أبيه وأمه فينظر أيهدى إليه أم لا!

والذي نفسي بيده لا نستعمل رجلا على العمل مما ولانا الله فيغل منه شيئا إلا جاء يوم القيامة يحمله على رقبته، إن كان بعيرا له رغاء، وإن كانت بقرة لها خوار، وإن كانت شاة تيعر! ثم رفع يديه إلى السماء وقال: اللهم هل بلغت، اللهم هل بلغت.»

11

وأخيرا، بعد أن ذكر الشيخ رحمه الله واجبات أخرى على الإمام القيام بها بنفسه أو بمن يوليهم أمرها؛ وذلك ضمانا للعدل وإبعادا للظلم عن المجتمع، تكلم عن وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن هذا قد لا يتم على ما ينبغي إلا بالعقوبات الشرعية والمالية التي يعاقب بها الذين يخالفون عن أمر الله ورسوله؛ وبذلك يسير المجتمع على الجادة ويخلص من الظلم والظالمين.

12

الفصل الثاني

| في السياسة

(1) في الولايات

وجوب اتخاذ الإمارة

لا بد للناس من الاجتماع والتعاون والتناصر، لجلب المنافع ودفع المضار؛ ولهذا يقال بحق: إن الإنسان مدني بالطبع، فإذا اجتمعوا فلا بد لهم من أمور يفعلونها لما فيها من المصلحة، وأخرى ينأون عنها لما فيها من المفسدة، ولا بد لهم من ناه عن هذه، وآمر بتلك، وهذا الآمر الناهي هو من يكون أميرا عليهم، أو رئيسا أعلى إليه حكمهم وأمرهم.

وفي ذلك يقول الإمام رحمه الله: «ويجب أن يعرف أن ولاية أمر الناس من أعظم واجبات الدين، بل لا قيام للدين إلا بها، فإن بني آدم لا تتم مصلحتهم إلا بالاجتماع لحاجة بعضهم إلى بعض، ولا بد لهم عند الاجتماع من رأس، حتى قال النبي

صلى الله عليه وسلم : «إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم ...»

فأوجب النبي

صلى الله عليه وسلم

تأمير الواحد في الاجتماع القليل العارض في السفر؛ تنبيها بذلك على سائر أنواع الاجتماع؛ ولأن الله أوجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والعدل، وإقامة الحج، والجمع والأعياد، ونصر المظلوم، وإقامة الحدود، (وكل هذا وما إليه)، لا يتم إلا بالقوة والإمارة»، إلى آخر ما قال.

ابن تيمية · الصفحة ٨٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ابن تيميةص ٨٣