تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

3

ويذكر بعد هذا أنه يكون كافرا مشركا بالله من أثبت وسائط بين الله وعباده من أئمة الدين أو غيرهم كما يكون الحجاب بين الملك ورعيته، فيجب أن يستتاب، فإن تاب وإلا قتل، وهؤلاء مشبهون لله، شبهوا الخالق بالمخلوق، وجعلوا لله أندادا.

وذلك بأن الوسائط بين الملوك وبين الناس يكونون على أحد وجوه ثلاثة: إما لإخبارهم إياهم بما لا يعرفونه من أحوال الناس، ومن قال إن الله لا يعلم أحوال عباده حتى يخبره بها بعض ملائكته أو أنبيائه أو غيرهم فهو كافر بالله العليم السميع البصير.

وإما لأن الملك عاجز عن تدبير رعيته ودفع أعدائه إلا بأعوان وأنصار، والله سبحانه ليس له ظهير ولا ولي من الذل.

وإما لأن الملك لا يرحم رعيته ويحسن إليهم إلا بمحرك يحركه ممن حوله، والله سبحانه هو رب كل شيء ومليكه، وهو أرحم بعباده من الوالدة بولدها، وكل شيء فبمشيئته، فما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن.

وهكذا ينتهي الإمام ابن تيمية إلى نفي الوسائط على النحو الذي ذكرنا، فيجب أن يكون الدين خالصا لله الواحد الأحد الصمد الذي لا يرجى غيره، ولا يجوز أن يقصد سواه.

وقد تناول هذا الموضوع في كثير من فتاويه ورسائله، ومن ذلك رسالته في «زيارة القبور والاستنجاد بالمقبور»

4

التي افتتحها بكلام جيد جدا منه قوله: الذي بعث الله به رسله وأنزل به كتبه، هو عبادة الله وحده لا شريك له، واستعانته والتوكل عليه، ودعاؤه لجلب المنافع ودفع المضار، كما قال تعالى:

تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم * إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق فاعبد الله مخلصا له الدين * ألا لله الدين الخالص والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى إن الله يحكم بينهم في ما هم فيه يختلفون .

وقال تعالى:

وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا ، وقال تعالى:

قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا .

وبعد أن أتى بآيات أخرى منها قوله تعالى:

ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون ، قال: فإذا جعل (أي الله) من اتخذ الملائكة والنبيين أربابا كافرا، فكيف من اتخذ من دونهم من المشايخ وغيرهم أربابا!

5

وهكذا أشار الشيخ رضي الله عنه إلى حكمه على من يستنجد بأحد أصحاب القبور.

ثم أخذ بعد هذا في تفصيل على الكلام عمن يستنجد بميت ولو كان نبيا، فذكر أن من أتى إلى قبر نبي أو صالح يسأله حاجته ويستنجد به، فهذا «شرك صحيح يجب أن يستتاب صاحبه، فإن تاب وإلا قتل، وإن قال أنا أسأله لكونه أقرب إلى الله مني ليشفع لي في هذه الأمور؛ لأني أتوسل إلى الله به كما يتوسل إلى السلطان بخواصه وأعوانه، فهذا من أفعال المشركين والنصارى» ...

وإن قلت: هذا إذا دعا الله أجاب دعاءه أعظم مما يجيبه إذا دعوته، فهذا هو القسم الثاني، وهو ألا تطلب منه الفعل ولا تدعوه، ولكن تطلب منه أن يدعو لك كما تقول للحي: ادع لي، وكما كان الصحابة رضوان الله عليهم يطلبون من النبي صلى الله عليه وآله وسلم الدعاء.

فهذا مشروع في الحي، وأما الميت من الأنبياء والصالحين وغيرهم فلم يشرع لنا أن نقول: ادع لنا، ولا اسأل لنا ربك، ولم يفعل هذا أحد من الصحابة والتابعين، ولا أمر به أحد من الأئمة، ولا ورد فيه حديث.

6

بل الذي ثبت في الصحيح أنهم لما أجدبوا في زمن عمر رضي الله عنه، استسقى بالعباس وقال: اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا، فيسقون.

ولم يجيئوا إلى قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم قائلين: يا رسول الله، ادع الله لنا، واستسق لنا، ونحن نشتكي إليك مما أصابنا، ونحو ذلك، لم يفعل ذلك أحد من الصحابة قط، بل هو بدعة ما أنزل الله بها من سلطان، إلى آخر ما قال.

ابن تيمية · الصفحة ٨٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ابن تيميةص ٨٢