تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

8

وهو في هذا يقول: «فالصواب القول الثاني، وهو أن قوله:

من الجنة والناس

بيان للذي يوسوس، وأنهم نوعان: إنس وجن، فالجني يوسوس في صدور الإنس، والإنسي أيضا يوسوس إلى الإنسي ...

فإن الوسوسة هي الإلقاء الخفي في القلب، وهذا مشترك بين الجن والإنس، وإن كان إلقاء الإنسي ووسوسته إنما هي بواسطة الأذن، والجني لا يحتاج إلى تلك الواسطة؛ لأنه يدخل في ابن آدم ويجري منه مجرى الدم ...

ونظير اشتراكهما في هذه الوسوسة اشتراكهما في الوحي الشيطاني، قال تعالى:

وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا .

9

فالشيطان يوحي إلى الإنسي باطله، ويوحيه الإنسي إلى أنسي مثله. فشياطين الإنس والجن يشتركان في الوحي الشيطاني، ويشتركان في الوسوسة.

وعلى هذا، تزول تلك الإشكالات والتعسفات التي ارتكبها أصحاب القول الأول، وتدل الآية على الاستعاذة من شر نوعي الشياطين: شياطين الإنس وشياطين الجن، وعلى القول الأول إنما تكون الاستعاذة من شر شياطين الجن فقط، فتأمله، فإنه بديع جدا.

فهذا ما من الله به من الكلام على بعض أسرار هاتين السورتين، ولله الحمد والمنة، وعسى الله أن يساعد بتفسير على هذا النمط، فما ذلك على الله بعزيز، والحمد لله رب العالمين.»

10 •••

وبعد ختام تفسير السورتين المعوذتين على هذا النحو الرائع، الذي يظهرنا على مبلغ علم شيخ الإسلام بمعاني القرآن، ومبلغ ما آتاه الله من العقل النافذ والبيان السديد، وأتبعه بقاعدة نافعة فيما يعتصم به العبد من الشيطان، ويستدفع به شره؛ وذلك عشرة أسباب كل منها يعتبر حرزا للإنسان من الشيطان أصل كل بلاء.

وهذه الأسباب مستقاة من القرآن العظيم، وفيها مباحث جدلية وعظات بالغات، فنحيل القارئ إليها، ونحن على ثقة بأنه واجد فيها خيرا كثيرا بإذن الله سبحانه وتعالى.

الباب الثالث

| في الاجتماع والسياسة

ظل ابن تيمية طول حياته المباركة مكافحا في سبيل نصرة الدين والحق، حريصا الحرص كله على أن يكون أبناء دينه مخلصين العبادة لله وحده، وعلى أن يكون المجتمع بريئا من الظلم والظالمين، وأن يكون ولاة الدولة وعمالها نصراء للحق، مؤدين الأمانات إلى أهلها، وأساس هذا أن يكونوا أهلا لأن يسند إليهم شرف خدمة الأمة والقيام بشئونها.

ولذلك كله، كانت له آراؤه في الدعامات التي يقوم عليها المجتمع، ليكون مجتمعا سليما صالحا، وآراؤه في السياسة التي ينبغي أن تقوم عليها الأمة في اختيار ولائها، وفيما يمكن من أداء الأمانات والحقوق إلى أصحابها، وفيما يحمل كلا من أبناء الأمة على القيام بواجباته نحو دينه وأمته ووطنه الذي يعيش فيه.

وسنعرض الآن هذه الآراء في هاتين الناحيتين؛ نعني الناحية الاجتماعية أولا، ثم الناحية السياسية، وسيكون هذا وذاك بإيجاز لأن المقام لا يسع الإطالة.

الفصل الأول

| في الاجتماع

يقول الله تعالى:

وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة ،

1

ويقول:

إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل .

2

ولهذا يرى الإمام ابن تيمية - بحق - أن المجتمع المؤمن السليم يجب أن يقوم على هذين الأساسين: إخلاص الدين لله وحده، والعدل في المعاملة:

إخلاص الدين لله

أجمع كل أصحاب الملل السماوية على أنه لا بد من وسائط بين الله وعباده، وهم الرسل الذين يتلقون عنه وحيه ويبلغونه لمن أرسلوا إليهم، وبدون هذا كان الناس عاجزين عن معرفة ما يحبه الله ويأمر به، وما يكرهه وينهى عنه، إلى غير ذلك مما جاء به القرآن من أصول الدين وفروعه.

وأما أن يقال إن المراد بذلك هو - كما يقول الشيخ رحمه الله: «أنه لا بد من واسطة في جلب المنافع ودفع المضار، مثل أن يكون واسطة في رزق العباد ونصرهم وهداهم يسألونه ذلك ويرجون إليه فيه، فهذا من أعظم الشرك الذي كفر الله به المشركين؛ حيث اتخذوا من دون الله أولياء وشفعاء»، إلى آخر ما قال.

ابن تيمية · الصفحة ٨١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ابن تيميةص ٨١