وابن تيمية يذكر هذين الرأيين اللذين وردا عن المفسرين؛ إذ قال البعض منهم إن «الوسواس» في الآية مصدر لا وصف، وهو «مصدر وصف به على وجه المبالغة، أو يكون على حذف مضاف تقديره: «ذو الوسواس»، والدليل عليه قول الشاعر:
تسمع للحلي وسواسا إذا انصرفت
كما استعان بريح عشرق زجل
3
فهذا مصدر بمعنى الوسوسة سواء.»
ولم يرض المصنف رحمه الله هذا الرأي ورد عليه، واختار أنه وصف للمستعاذ من شره وهو الشيطان، واحتج لهذا الرأي طويلا من وجوه عديدة،
4
وقال في أحد هذه الوجوه: ويدل عليه وجه آخر، وهو أنه (أي الله تعالى)، وصفه بما يستحيل أن يكون مصدرا، بل هو متعين في الوصفية، وهو «الخناس»، ف «الوسواس» و«الخناس» وصفان لموصوف محذوف وهو الشيطان.
وحسن حذف الموصوف ها هنا غلبة الوصف حتى صار كالعلم عليه، والموصوف إنما يقبح حذفه إذا كان الوصف مشتركا فيقع اللبس، كالطويل، والقبيح، والحسن، ونحوه، فيتعين ذكر الموصوف ليعلم أن الصفة له لا لغيره.
فأما إذا غلب الوصف واختص ولم يعرض فيه اشتراك، فإنه يجري مجرى الاسم ويحسن حذف الموصوف، ك «المسلم (أي الرجل المسلم)، والكافر، والبر، والفاجر، والقاصي، والداني، والشاهد، والوالي، ونحو ذلك، فحذف الموصوف هنا أحسن من ذكره.»
وإذا كان «الوسواس» صفة للشيطان، فإن له في هذه السورة صفتين أخريين؛ وهما «الخناس»، و«الذي يوسوس في صدور الناس»، كما يقول ابن تيمية رحمه الله.
وهذه الصفة مأخوذة من فعل خنس يخنس إذا توارى واختفى، وبابه «دخل»، وفي هذا يقول أبو هريرة رضي الله عنه: «لقيني النبي
صلى الله عليه وسلم
في بعض طرق المدينة وأنا جنب، فانخنست منه.»
5
وحقيقة اللفظ - كما يقول شيخ الإسلام - اختفاء بعد ظهور، فليست لمجرد الاختفاء؛ ولهذا وصفت الكواكب في القرآن ب «الخنس»، قال قتادة: هي النجوم تبدو بالليل وتخنس بالنهار فلا ترى.
ثم يقول: «والخناس مأخوذ من هذين المعنيين، فهو من الاختفاء والرجوع والتأخر، فإن العبد إذا غفل عن ذكر الله جثم على قلبه الشيطان وانبسط عليه، وبذر فيه أنواع الوساوس ... فإذا ذكر العبد ربه واستعاذ به انخنس وانقبض»، إلى آخر ما قال.
6
وبعد هاتين الصفتين، يشير الله تعالى إلى الصفة الثالثة بقوله:
الذي يوسوس في صدور الناس ، ومعنى هذا هو أن وسوسة الشيطان محلها صدور الناس، ثم تتسلل منها إلى القلوب.
هكذا يذكر شيخ الإسلام، ولكن الظاهر فيما نرى أن هذه ليست صفة ثالثة للشيطان، بل هي بيان لمحل الوسوسة، وقد عبر الشيخ عن حكمة كون وسوسة الشيطان تكون في الصدر ثم تلج منها إلى القلوب بقوله: وتأمل السر في قوله تعالى:
الذي يوسوس في صدور الناس ، ولم يقل: «في قلوبهم»، إن الصدر هو ساحة القلب وبيته، فمنه تدخل الواردات إليه ... ثم تلج في القلب، فهو بمنزلة الدهليز له.
ومن القلب تخرج الأوامر والإرادات إلى الصدر، ثم تتفرق على الجنود، ومن فهم هذا فهم قوله تعالى: (سورة آل عمران، الآية رقم 154):
وليبتلي الله ما في صدوركم وليمحص ما في قلوبكم .
فالشيطان يدخل إلى ساحة القلب وبيته، فيلقي ما يريد إلقاءه إلى القلب، فهو موسوس في الصدر، ووسوسته واصلة إلى القلب؛ ولهذا قال تعالى (سورة طه، الآية رقم 120):
فوسوس إليه الشيطان ، ولم يقل «فيه»؛ لأن المعنى أنه ألقى إليه ذلك وأوصله إليه، فدخل في قلبه.
7
والوسوسة تكون من شياطين الجن، كما تكون من شياطين الإنس؛ ولذلك ختم الله تعالى السورة بقوله:
من الجنة والناس .
وإذا كان هذا هو رأي ابن تيمية، فقد ذكر أن في تفسير الآية رأيا آخر ذهب إليه بعض من عنوا بمعاني القرآن وتفسيره، وهو أن قوله تعالى:
من الجنة والناس
بيان للموسوس في صدورهم وهم قسمان: إنس وجن، فالشيطان يوسوس للجني كما يوسوس للإنسي.
وبعد أن أبان الشيخ رحمه الله هذا الرأي، بين ضعفه الشديد بوجوه عديدة، وجره هذا إلى الكلام على اشتقاق كلمة «الناس»، وأن «الجنة» لا يطلق عليهم اسم «الناس» لا أصلا ولا اشتقاقا، وبعد ذلك كله أخذ في الكلام على الرأي الصحيح الذي اختاره وأقام الأدلة القاطعة عليه.