8
ثم ذكر بعد ذلك في فصل طويل، أن شر الحاسد يندفع عن المحسود بعشرة أسباب، وهي: الاستعاذة، والتقوى، والصبر، والتوكل على الله، والتخلي عما سواه، والإقبال عليه، والتوبة، والصدقة، والإحسان، والتوحيد.
9
وختم تفسير السورة ببيان الأقوال المختلفة في النفوس الناطقة والجن وتأثيرهما؛ وذلك لأن هذا البيان لا بد منه في رأيه بعد أن انكشف من أن نفوس الحاسدين وأعينهم لها تأثير، وأن الأرواح الشيطانية لها تأثير أيضا بواسطة السحر والحسد، وكان رحمه الله تعالى في بيانه موجزا ودقيقا.
الفصل الثالث
| سورة الناس
في هذه السورة، كما في التي سبقتها، لا بد أيضا من بيان هذه الأمور التي تضمنتها، وهي: الاستعاذة، المستعاذ به، المستعاذ منه. وبيان الاستعاذة قد تقدم في سورة «الفلق».
والمستعاذ به وهو الله الذي ذكر في السورة التي نحن بصدد الكلام على تفسيرها بأنه: رب الناس، ملك الناس، إله الناس.
ولكن، ما تفسير هذه الإضافات الثلاث، وهل بينها وبين الاستعاذة من الشيطان ووسوسته مناسبة؟
وللإجابة عن هذا، يبدأ ابن تيمية بالكلام على معنى كل من هذه الإضافات، ثم على المناسبة التي بين الله موصوفا بها جميعها وبين المستعاذ منه.
1
فهو يذكر أن الإضافة الأولى إضافة ربوبية تتضمن خلق الناس وتدبيرهم وتربيتهم، ورعاية إصلاحهم ومصالحهم، ودفع الشر عنهم وحفظهم مما يفسدهم، كما تضمن أنه هو الذي يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف الكربات عنهم.
والثانية إضافة الملك، فهم مماليكه وعبيده يتصرف فيهم ويدبر أمورهم كما يشاء، وهو ملكهم الحق إليه مفزعهم عند الشدائد، وهو مستغاثهم ومعاذهم وملجؤهم إذا نزل العدو بساحتهم.
والثالثة هي إضافة الألوهية، فهو إلههم الحق الذي لا إله لهم سواه، ومعبودهم الذي لا معبود لهم غيره، فكما أنه وحده ربهم ومليكهم لا يشركه في ربوبيته ولا في ملكه أحد، فكذلك هو وحده إلههم ومعبودهم.
وإذا كان الأمر حقا كذلك، فالناس جميعا جديرون ألا يستعيذوا بغيره، ولا يستنصروا بسواه، فهو كافيهم وحسبهم وناصرهم، هو متولي أمورهم بربوبيتهم وملكه وإلهيته لهم.
وبذلك «ظهرت مناسبة هذه الإضافات الثلاث للاستعاذة من أعدى الأعداء، وأعظمهم عداوة، وأشدهم ضررا، وأبلغهم كيدا!» وكيف لا يلجأ العبد إلى ربه ومالكه وإلهه عند النوازل والشدائد؟!
وهنا أشار شيخ الإسلام بوضوح إلى الحكمة في تقديم صفة الربوبية، وتأخير صفة الإلهية، وتوسط صفة الملك؛ وذلك - كما يقول: «لأن ربوبيته تستلزم ملكه وتقتضيه، وملكه يستلزم إلهيته ويقتضيها، فهو الرب الحق، الملك الحق، الإله الحق، خلقهم بربوبيته، وقهرهم بملكه، واستعبدهم بإلهيته.»
وبعد ذلك، نراه يفرق فرقا لطيفا واضحا بين الشر المستعاذ منه في كل من «المعوذتين»، فسورة الفلق فيها الأمر بالاستعاذة من الشرور التي تأتي الإنسان من خارج، مثل السحر والحسد، على حين أن في سورة الناس الأمر بالاستعاذة من الشر الذي يجيء الإنسان من الداخل، وهو وسوسة الشيطان التي هي سبب الذنوب والمعاصي كلها.
ثم قال: «فالشر الأول (أي جنسه الشامل لأنواعه) لا يدخل تحت التكليف، ولا يطلب منه الكف عنه؛ لأنه ليس من كسبه، والشر الثاني في سورة الناس يدخل تحت التكليف، ويتعلق به النهي.»
2
ثم يجيء الكلام على «الوسواس» والوسوسة، ويبدأ ببيان أن هذه هي الحركة أو الصوت الخفي الذي لا يحس فيحترز منه، والوسواس هو الإلقاء الخفي في النفس، إما بصوت خفي لا يسمعه إلا من ألقي إليه، وإما بغير صوت كما يوسوس الشيطان إلى الإنسان.
وإذا تم بيان المستعاذ به، بقي المستعاذ منه، وهو
شر الوسواس الخناس * الذي يوسوس في صدور الناس * من الجنة والناس .
فهل «الوسواس» مصدر لفعل «وسوس» أو صفة للشيطان المحذوف من الآية لوجود ما يدل عليه دلالة لا تدع لبسا؟