تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إنه بهذا ينزه ربه سبحانه وتعالى عن نسبة الشر إليه في أسمائه وصفاته وأفعاله وإن دخل في أفعال مخلوقاته.

هذا وقد دخل في قوله تعالى:

من شر ما خلق ، الاستعاذة من كل شر أي مخلوق قام به الشر من الإنس أو الجن أو الدواب، أو الريح والصواعق، أو من أي نوع آخر من أنواع البلاء؛ ولذلك كان الرسول يستعيذ من هذا كله كما ورد في الحديث الصحيح. (ب)

شر الغاسق إذا وقب: جاء في كتب التفسير لهذا معاني عديدة، وأكثر المفسرين أن المراد به - والله أعلم - هو الليل إذا أظلم، قال ابن عباس: الليل إذا أقبل بظلمته من المشرق ودخل في كل شيء وأظلم، والغسق الظلمة.

ومن معانيها أيضا كما يقول البعض: الليل إذا برد، والغسق البرد، وربما يستدلون بقوله تعالى:

لا يذوقون فيها بردا ولا شرابا * إلا حميما وغساقا ،

4

فيذكرون أن الغساق هو الزمهرير يحرقهم ببرده كما تحرقهم النار بحرها.

ولكن الشيخ يختار المعنى الأول، ويقول في هذا: «والظلمة في الآية أنسب لمكان الاستعاذة؛ فإن الشر الذي يناسب الظلمة أولى بالاستعاذة من البرد الذي في الليل؛ ولهذا، استعاذ برب الفلق الذي هو الصبح والنور، ومن شر الغاسق الذي هو الظلمة، فناسب الوصف المستعاذ به للمعنى المطلوب بالاستعاذة.»

5

وكان من الطبعي ألا يفوت الشيخ الأكبر بيان وجه الاستعاذة من شر الليل، وهو أن الليل - كما يقول - محل سلطان الأرواح الشريرة الخبيثة، وفيه تنتشر الشياطين ... والليل هو محل الظلام، وفيه تتسلط شياطين الإنس والجن ما لا تتسلط بالنهار؛ فإن النهار نور، والشياطين إنما سلطانهم في الظلمات والمواضع المظلمة، وعلى أهل الظلمة. (ج)

شر النفاثات في العقد: هذا الشر هو السحر، فإن النفاثات هن السواحر اللاتي يعقدن الخيوط وينفثن على كل عقدة حتى ينعقد ما يردن من السحر. والنفث هو النفخ مع ريق خفيف، وبهذا يتم السحر بإذن الله، وفي ذلك يقول الشيخ الأكبر: «فإذا تكيفت نفسه (أي نفث النافث) بالخبث والشر الذي يريده بالمسحور، ويستعين عليه بالأرواح الخبيثة، نفخ في تلك العقد نفخا معه ريق، فيخرج من نفسه الخبيثة نفس ممازج للشر والأذى، مقترن بالريق الممازج لذلك.

وقد يتساعد هو والروح الشيطانية على أذى المسحور فيقع فيه السحر بإذن الله الكوني القدري، لا الأمري الشرعي.»

6 (د)

شر الحاسد إذا حسد: هذا الشر الرابع الأخير من الشرور التي جاء الأمر في سورة الفلق بالاستعاذة منها، يقول ابن تيمية: «وقد دل القرآن والسنة على أن نفس حسد الحاسد يؤذي المحسود، فنفس حسده شر يتصل بالمحسود من نفسه وعينه، وإن لم يؤذه بيده ولا لسانه.»

7

على أن من في طبعه الحسد قد يغفل عن المحسود فلا يصيبه منه شر، ولكن إذا خطر المحسود بباله انبعثت نار الحسد من قلبه إليه، فيكون من ذلك الأذى يقع به إن لم يتعوذ بالله ويتحصن به من شر الحاسد، فقوله تعالى:

إذا حسد

بيان أن شره يتحقق إذا حصل الحسد بالفعل إن لم يعذه الله منه.

ولهذا يقول الشيخ رحمه الله ما نذكره بنصه: «ومعلوم أن عينه لا تؤثر بمجردها؛ إذ لو نظر إليه نظر لاه ساه عنه، كما ينظر إلى الأرض والجبل وغيرهما، لم يؤثر فيه شيئا.

وإنما إذا نظر إليه نظر من قد تكيفت نفسه الخبيثة، واتسمت واحتدت فصارت نفسا غضبية خبيثة حاسدة، أثرت في المحسود تأثيرا بحسب صفة ضعفه وقوة نفس الحاسد، فربما أعطبه وأهلكه ... وربما صرعه وأمرضه، والتجارب عند الخاصة والعامة أكثر من أن تذكر.»

هكذا بين ابن تيمية الحسد وحقيقته وكيف يكون، ثم تأثيره وما ينجم عنه من شر، فإنه لم يكتف بذلك، بل نراه يتكلم في فصول أخرى على مباحث أخرى، مثل الفروق بين الحسد والعين والسحر، واشتمال السحر على عبادة الشيطان، ومراتب الحسد الثلاث، وأن سورة الفلق جاءت بدوائه الناجع.

ابن تيمية · الصفحة ٧٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ابن تيميةص ٧٨