ثم يذكر عن قتادة أنه قال: «لا والله، ما أكره الله عبدا على معصية قط، ولا على ضلالة، ولا رضيها له ولا أمره (أي بها)، ولكن رضي لكم الطاعة فأمركم بها، ونهاكم عن المعصية.»
ولا يرى الشيخ رحمه الله بأسا فيما نقل عن قتادة من أن الله لم يكره أحدا على معصيته، فهذا صحيح؛ وذلك بأن أهل السنة، الذين يثبتون تقدير الله لما كان ويكون، على اتفاق بأنه تعالى لا يكره أحدا على معصيته كما يكره الوالي والقاضي وغيرهما، بالعقوبة والوعيد الإنسان بأن يعمل خلاف ما يريد.
بل إنه سبحانه وتعالى هو الذي يخلق إرادة العبد للعمل، كما يخلق قدرته وعمله، وهو خالق كل شيء.
ومع هذا التأميل الطيب لرأي قتادة وكلمته، فإنه لم يسلم من أن يتهم بالميل إلى آراء المعتزلة؛ ولذلك نجد ابن تيمية نفسه يقول في هذا ما نصه: «وهذا الذي قاله قتادة قد يظن فيه أنه من قول القدرية (أي المعتزلة)، وأنه لسبب مثل هذا اتهم قتادة بالقدر، حتى قيل إن مالكا كره لمعمر أنه يروي عنه التفسير لكونه اتهم بالقدر.»
6
ثم يمضي الشيخ رحمه الله في سيره حتى ينتهي من الكلام على هذه الآية، وبعدها يتناول ما يتلوها حتى ينتهي من السورة كلها، وهو في سيره الطويل يتعرض إلى ما يتصل بسبب إلى الآية التي يفسرها من آيات في سور أخرى، وما أكثر هذه الآيات الأخرى التي تجيء عرضا فيشبع القول فيها أيضا!
ونحن، وإن كان ضيق المقام يحول بيننا وبين تتبعه في طريقه الشاق الطويل، هذا الطريق الذي عرج فيه على مباحث كلامية وفلسفية وإسلامية مختلفة ومتعددة، لا نرى بدا من التعرض بإيجاز إلى تفسيره الآيتين الأخيرتين من السورة، وهما قوله تعالى:
إن هذا لفي الصحف الأولى * صحف إبراهيم وموسى .
المشار إليه في قوله تعالى:
إن هذا لفي الصحف الأولى ، هو ما يقوم عليه الدين من الإيمان والعمل الصالح، وهذان الأصلان يتضمنهما قوله جل ذكره:
قد أفلح من تزكى * وذكر اسم ربه فصلى ، كما يذكر ابن تيمية.
7
ثم أخذ بعد هذا يتكلم عن جمع القرآن بين إبراهيم وموسى عليهما السلام في مواضع منه، وعن حكمة قرن أحدهما بالآخر في هذه المواضع، ومنها هاتان الآيتان الأخيرتان من سورة «الأعلى»، ومنها ما جاء في سورة النجم في قوله تعالى:
أم لم ينبأ بما في صحف موسى * وإبراهيم الذي وفى .
وذلك لأن إبراهيم عليه السلام هو صاحب الملة وإمام الأمة، ولأن موسى عليه السلام هو كليم الله وصاحب الشريعة والكتاب الذي لم ينزل من السماء كتاب أهدى منه ومن القرآن، ثم أرسل الله محمدا
صلى الله عليه وسلم
بملة إبراهيم إلى ذريته وإلى أتباع موسى، فصار بذلك رسولا للعالمين جميعا.
وفي ذلك يقول الشيخ رحمه الله تعالى: «ولما بعث الله نبيه
صلى الله عليه وسلم ، بعثه إلى أهل الأرض، وهم في الأصل صنفان: أميون وكتابيون، والأميون كانوا ينتسبون إلى إبراهيم؛ فإنهم ذريته وخزان بيته (أي الكعبة) وعلى بقايا من شعائره، والكتابيون أصلهم كتاب موسى.
وكلا الطائفتين قد بدلت وغيرت، فأقام ملة إبراهيم بعد اعوجاجها، وجاء بالكتاب المهيمن المصدق لما بين يديه، المبين لما اختلف فيه، وما حرف وكتم من الكتاب الأول»؛
8
أي الذي أنزل على سيدنا موسى عليه السلام.
وبذلك يكون إبراهيم وموسى عليهما السلام قد قاما بأصل الدين، وهو الإقرار بالله وعبادته وحده لا شريك له، ثم جاء محمد عليه الصلاة والسلام فأقام الدين وأكمله، فكان بهذا خاتم الأنبياء والمرسلين.
ثم استطرد الشيخ بمناسبة ذكر إبراهيم عليه السلام إلى مناظرة النمرود بن كنعان ملك بابل، في إثبات الله خالق كل شيء، وقد جاء ذكر هذه المناظرة في سورة البقرة من القرآن، وإلى مناظرته للمشركين الذين يعبدون الأصنام التي لا تسمع ولا تبصر ولا تغني عنهم شيئا، وقد جاء ذكرها في سورتي: مريم والشعراء وغيرهما من القرآن.