3
وهكذا نرى الله قرن تعاليه عن ذلك كله بالتسبيح.
هذا، والأمر بتسبيح الله يستلزم تنزيهه عن كل عيب وسوء كما عرفنا، كما يستلزم أن تكون كل صفة من صفات الكمال له، فإن التسبيح - كما يقول الشيخ رحمه الله - يقتضي إثبات المحامد التي يحمد عليها؛ فيقتضي ذلك تنزيهه وتحميده وتكبيره وتوحيده.
سأل رجل ميمون بن مهران عن «سبحان الله»، فقال: اسم يعظم الله به ويحاشى به عن السوء، وتنزيه الله نفسه عن السوء، كما جاء في هذا الأثر وفي قول لابن عباس وفي حديث مرسل، يقتضي تنزيهه عن فعل السيئات، وعن كل صفة من الصفات المذمومة.
ومضى الشيخ يتم تفسيره للآية الأولى من السورة في فيض ودقة تعودناهما منه، ثم انتقل إلى تفسير الآية الثانية والثالثة مبينا أن الله خلق الخلق وسواه وهداه إلى ما قدر له لحكمة قصدها، وبدأ الكلام عن الآية الأولى بقوله: «قال الله تعالى:
الذي خلق فسوى
فأطلق الخلق والتسوية ولم يخص بذلك الإنسان، كما أطلق قوله بعد:
والذي قدر فهدى
لم يقيده، فكأن هذا المطلق لا يمنع شموله لشيء من المخلوقات، وقد بين موسى عليه السلام شموله في قوله (أي الذي حكاه الله عنه):
ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى .
وقد ذكر المقيد بالإنسان في قوله:
يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم * الذي خلقك فسواك فعدلك (سورة الانفطار 6، 7)، وذكر المطلق والمقيد في أول ما نزل من القرآن، وهو قوله:
اقرأ باسم ربك الذي خلق * خلق الإنسان من علق * اقرأ وربك الأكرم * الذي علم بالقلم * علم الإنسان ما لم يعلم .
ونرى من هذه الآيات أن الله - كما يذكر ابن تيمية - خلق جميع ما خلق لغاية مقصودة، فلا بد أن تهدى جميع المخلوقات إلى تلك الغاية التي خلقت لها؛ إذ لا تتم مصلحتها وما أريدت له إلا بهدايتها إلى غاياتها. وهذا مما يبين أن الله خلق الأشياء لحكمة وغاية تصل إليها، كما قال بذلك السلف وجمهور المسلمين وجمهور العقلاء.»
4
ثم شرع بعد هذا في بيان ما ذهب إليه «الجهمية» من أن الله لم يخلق شيئا لشيء؛ أي لحكمة أرادها، وما ذهب إليه بعض الفلاسفة من إثبات عناية الله وحكمته مع إنكارهم إرادته.
وأتبع هذا بالإشارة الكافية إلى ما استدل به كل من الفريقين، ثم بالرد عليهما، وأطال في ذلك حتى تم له ما أراد من هدم هذه الآراء الضالة، وبيان الحق الذي قال به جمهور المسلمين والعقلاء من إثبات إرادة الله وحكمته في جميع ما خلق.
وأتبع ذلك بالكلام في تفسير الآية الثالثة، وهي قوله تعالى:
والذي قدر فهدى ، بين صورا ومثلا للتقدير والهداية، وتعرض لبعض ما ذكره المفسرون السابقون قبله، وقبل من أقوالهم ما رآه حقا، وبدأ ذلك كله بقوله: «فقوله سبحانه:
والذي قدر فهدى
يتضمن أنه قدر ما سيكون للمخلوقات وهداها إليه. علم ما يحتاج إليه الناس والدواب من الرزق، فخلق ذلك الرزق وسواه، وخلق الحيوان وسواه وهداه إلى ذلك الرزق، وهدى غيره من الأحياء ...
وخلق الأرض وقدر حاجتها من المطر، وقدر السحاب وما يحمله من المطر، وخلق ملائكة هداهم ليسوقوا ذلك السحاب إلى تلك الأرض فيمطر المطر الذي قدره وقدر ما نبت بها من الرزق، وقدر حاجة العباد إلى ذلك الرزق وهداهم إلى ذلك الرزق، وهدى من يسوق ذلك الرزق إليهم.»
5
وإلى هنا لا نجد ابن تيمية يتعرض للإنسان وهل هو خالق لأفعاله ومنها طاعة الله وعصيانه، أم الكل مخلوق لله قدره عليه أزلا؟ ذلك هو محل النزاع بين الفرق الكلامية، وبخاصة أهل السنة والمعتزلة أو القدرية، وهذا ما أخذ ابن تيمية يتكلم فيه حين تعرض لأقوال رجال علم التفسير السابقين.
إنه يقول بعد ما تقدم مباشرة، بأن المفسرين ذكروا أنواعا من تقدير الله وهدايته لخلقه، فهذا ابن جرير الطبري يروي عن قتادة في بيان معنى هذه الآية أن الله قدر الإنسان للشقاوة والسعادة، ومعنى هذا أن الله أراد أفعال الإنسان كلها وقدرها عليه وهداه إليها، وهو في ذلك يمثل آراء أهل السنة الذين يرجعون كل شيء لله.