كما استطرد بمناسبة ذكر موسى عليه السلام، إلى ما كان بينه وبين فرعون ملك مصر؛ إذ جحد ربوبية الله وإرسال موسى إليه وإلى وقومه، وإلى ما كان بينه وبين قومه حين اتخذوا العجل، وذلك كله على ما بينه الله تعالى في كتابه الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
ولما انتهى من هذا وذاك نراه يشير إلى أنه - على هذا النحو أيضا - كان أمر سيدنا محمد
صلى الله عليه وسلم
مع المشركين من العرب، هؤلاء الذين كانوا يعبدون الأصنام وغيرها ويجعلونها أندادا لله وشركاء له، مع أنها لا تخلق شيئا ولا تسمعهم إذ يدعونها، ولا تستطيع لهم ضرا ولا نفعا.
وفي هذا جاء على لسانه قوله تعالى في الشرك، عموما وخصوصا كما يقول الشيخ رحمه الله:
أيشركون ما لا يخلق شيئا وهم يخلقون * ولا يستطيعون لهم نصرا ولا أنفسهم ينصرون * وإن تدعوهم إلى الهدى لا يتبعوكم سواء عليكم أدعوتموهم أم أنتم صامتون * إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم فادعوهم فليستجيبوا لكم إن كنتم صادقين * ألهم أرجل يمشون بها أم لهم أيد يبطشون بها أم لهم أعين يبصرون بها أم لهم آذان يسمعون بها قل ادعوا شركاءكم ثم كيدون فلا تنظرون .
9
وهكذا بين ابن تيمية بحق أن هؤلاء الثلاثة كبار الأنبياء والمرسلين، قاموا ببيان أصول الدين، وأقاموا الأدلة الحاسمة على إثبات وجود الله الخالق لكل شيء، وإثبات أنه واحد أحد لا شريك له، وأنه جل شأنه هو أهل الحمد والعبادة وحده.
واستمر الشيخ رحمه الله يستطرد من بحث إلى آخر حتى بحث مسألة الصفات بين أهل السنة والمعتزلة، وبحث معنى قوله
صلى الله عليه وسلم : «بدأ الإسلام غريبا، وسيعود غريبا كما بدأ، فطوبى للغرباء»،
10
وهكذا حتى أتم تفسير السورة بما لا نراه لغيره من رجال التفسير الذين سبقوه.
الفصل الثاني
| تفسير سورة الفلق
تشتمل هذه السورة و«الناس» التي تليها، وهما المعوذتان، على أصول الاستعاذة، وهي: الاستعاذة، والمستعاذ به، ثم المستعاذ منه. وقد تكلم الشيخ رحمه الله على كل هذه الأصول على حدة، وقدم لذلك ببعض الأحاديث التي وردت في هاتين السورتين، وهذا إذ يقول: روى مسلم في صحيحه أن الرسول
صلى الله عليه وسلم
قال، فيما روى عقبة بن عامر: «ألم تر آيات أنزلت الليلة لم ير مثلهن قط: أعوذ برب الفلق، أعوذ برب الناس.»
وفي لفظ آخر أنه
صلى الله عليه وسلم
قال له: «ألا أخبرك بأفضل ما تعوذ به المتعوذون؟ قلت: بلى. قال: قل أعوذ برب الفلق، وقل أعوذ برب الناس.»
وفي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها: «أن النبي
صلى الله عليه وسلم
كان إذا أوى إلى فراشه نفث في كفيه بقل هو الله أحد والمعوذتين جميعا، ثم يمسح بهما وجهه وما بلغت يداه من جسمه، فلما اشتكى كان يأمرني أن أفعل ذلك به.»
وفي رواية أخرى - وهي التي يرضاها ابن تيمية - أن عائشة رضي الله عنها قالت: «إن النبي
صلى الله عليه وسلم
كان إذا اشتكى يقرأ على نفسه بالمعوذات وينفث، فلما اشتد وجعه كنت أقرأ عليه وأمسح عليه بيده رجاء بركتها.»
وهنا يقول ابن تيمية: «وهذا هو الصواب، أن عائشة كانت تفعل ذلك والنبي
صلى الله عليه وسلم ، لم يأمرها ولم يمنعها، وأما أن يكون استرقى وطلب منها أن ترقيه، فلا.»
1
وبعد هذا، نرى الشيخ الأكبر يبين ما أراده بتفسير هاتين السورتين فيقول: «والمقصود الكلام على هاتين السورتين، وبيان عظيم منفعتهما وشدة الحاجة بل الضرورة إليهما، وأنه لا يستغني عنهما أحد قط، وأن لهما تأثيرا خاصا في دفع السحر والعين وسائر الشرور، وأن حاجة العبد إلى الاستعاذة بهاتين السورتين أعظم من حاجته إلى النفس والطعام والشراب واللباس.»
وهكذا أبان ابن تيمية سبب اهتمامه بتفسير هاتين السورتين في فيض من القول السديد وإطالة، ثم أخذ في الكلام على الاستعاذة لبيان معناها فقال: «حقيقة معناها الهروب من شيء تخافه إلى من يعصمك منه؛ ولهذا يسمى المستعاذ به معاذا كما يسمى ملجأ ووزرا.