تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

23

وفي رأينا أن الحنابلة ومن نحا نحوهم، وبخاصة الإمام ابن تيمية، كانوا موفقين فيما ذهبوا إليه في هذا الموضوع الذي تقوم عليه المعاملات بين الناس، فإن في الرأي الذي قصره ابن تيمية توسيعا كبيرا على الناس، وهو مع هذا يستند إلى أدلة صحيحة تجعله الأحق بالاتباع.

الباب الثاني

| في التفسير

عرفنا من قبل، ونحن نتكلم عن منهج الشيخ رحمه الله في التفسير أنه لم ير ضرورة لأن يفسر كتاب الله كله؛ لأنه رأى أن منه ما هو بين بنفسه، ومنه ما بينه المفسرون في كتب كثيرة، ولكن فيه آيات أشكل تفسيرها على العلماء؛ ولذلك نراه يقول: «فقصدت تفسير تلك الآيات بالدليل لأنه أهم من غيره، وإذا تبين معنى آية تبين معاني نظرائها.»

ولم يصل إلينا كل ما كتبه في التفسير، ولكن لدينا منه تفسير سورة النور، ثم تفسير بعض قصار المفصل، وقد تكلم في تفسيرها بإفاضة، وجاء في أثنائها بآيات كثيرة من غيرها وفسرها، كما تعرض فيها أيضا لكثير من المسائل والعقائد الدينية بأوفى بيان كما هو شأنه دائما؛ ولذلك جعلنا مرجعنا في الكلام عن تفسيره تفسير تلك السور ففيها الكفاية.

الفصل الأول

| سورة الأعلى

ونبدأ بالكلام على تفسيره لسورة «الأعلى»، فنراه يقول: «إن الأعلى على وزن أفعل التفضيل، مثل الأكرم والأكبر والأجل؛ ولهذا لما قال أبو سفيان: «اعل هبل! اعل هبل!» قال النبي

صلى الله عليه وسلم : «ألا تجيبونه؟» قالوا: «وما نقول؟» قال: «قولوا: الله أعلى وأجل».»

ثم يأخذ في بيان ما بين العلو والكبرياء والعظمة من فروق، فيقول: «إن هذه الصفات وإن كانت متقاربة، بل متلازمة، فبينها فروق لطيفة؛ ولهذا قال النبي

صلى الله عليه وسلم ، فيما يروي عن ربه تعالى: «العظمة إزاري، والكبرياء ردائي، فمن نازعني واحدا عذبته»، فجعل الكبرياء بمنزلة الرداء، وهو أعلى من الإزار.

ولهذا كان شعائر الصلاة، والأذان، والأعياد، والأماكن العالية، هو التكبير، وهو أحد الكلمات التي هي أفضل الكلام بعد القرآن، وهذه الكلمات هي: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، كما ثبت ذلك في الصحيح عن النبي

صلى الله عليه وسلم ».

1

وبعد أن أشار إلي مذاهب الفقهاء في أن التسبيح في الركوع والسجود واجب أو مستحب، وإلى اختلافهم في صيغة التسبيح، ذكر أن المشهور عن الإمام أحمد وغيره وجوبه، وعن الإمامين أبي حنيفة والشافعي استحبابه، وأن الأقوى أنه يتعين التسبيح بلفظ «سبحان الله»، أو بلفظ «سبحانك»، ونحو ذلك.

وذلك - كما يقول - بأن القرآن سماها (أي الصلاة) تسبيحا، فدل على وجوب التسبيح فيها، وقد بينت السنة أن محل ذلك الركوع والسجود. كما سماها قياما، وقد بينت السنة أن محل ذلك القيام، وسماها القرآن سجودا وركوعا، وبينت السنة علة ذلك ومحله.

2

ثم بين بعد هذا أن ما نقل عن الإمام مالك من كراهة المداومة على التسبيح في الصلاة، ينبغي أن يصرف إلى المداومة على صيغة معينة منه مثل: «سبحان ربي العظيم»، حتى لا يظن أن الواجب هو صيغة معينة، ودون وجوب جنس التسبيح، فإن أدلة وجوبه في الكتاب والسنة كثيرة جدا، وقد علم أنه

صلى الله عليه وسلم

كان يداوم على التسبيح بألفاظ متنوعة ...

والله هو الأعلى بكل ما لهذه الكلمة الجامعة من معنى ومدلول، كما يذكر الشيخ رحمه الله أن الله علي على كل شيء، بمعنى أنه قادر عليه، قاهر له، متصرف فيه، ويدخل في معنى كونه «الأعلى» أيضا أنه متعال عن كل عيب ونقص، وعن اتخاذه شريكا وولدا له؛ ولهذا يقول جل شأنه للمشركين:

أفأصفاكم ربكم بالبنين واتخذ من الملائكة إناثا إنكم لتقولون قولا عظيما * ولقد صرفنا في هذا القرآن ليذكروا وما يزيدهم إلا نفورا * قل لو كان معه آلهة كما يقولون إذا لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا * سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا ،

ابن تيمية · الصفحة ٧٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ابن تيميةص ٧٣