وبعد أن انتهى الشيخ رحمه الله من بيان القول الثاني في المسألة، وهو القول الذي ذهب إليه الإمام ابن حنبل وقاربه الإمام مالك في الأخذ به، أبان صراحة عن رأيه حيث قال:
وجماع ذلك أن الملك يستفاد به تصرفات متنوعة، فكما جاز بالإجماع استثناء بعض المبيع وجوز أحمد وغيره استثناء بعض منافعه، جوز أيضا استثناء بعض التصرفات.
وعلى هذا فمن قال: هذا الشرط ينافي مقتضى العقد مطلقا، فإن أراد الأول فكل شرط كذلك، وإن أراد الثاني لم يسلم له وإنما المحذور أن ينافي مقصود العقد، كاشتراط الطلاق في (عقد) النكاح، أو اشتراط الفسخ في العقد.
فأما إذا شرط شرطا يقصد بالعقد (كان هذا الشرط) لم يناف مقصوده. وهذا القول هو الصحيح بدلالة الكتاب والسنة والإجماع، والاعتبار (يريد به القياس)، مع الاستصحاب والدليل النافي.
21
ثم أخذ بعد ذلك يفيض في الاستدلال لما ذهب إليه بهذه الأدلة الشرعية كلها، وهذا ما لا نرى ضرورة تتبعه فيه بالتفصيل، ونكتفي بهذه منها:
22 (أ)
أمر الله سبحانه وتعالى في آيات كثيرة من القرآن بالوفاء بالعقود بوجه عام، فيدخل في هذا ما التزمه الإنسان وعقده على نفسه من عقد بالمعنى المعروف، ومن شرط في عقد من العقود.
وكذلك أمرنا برعاية العهد بعامة، وفي بعض الآيات برعاية عهد الله، فيدخل في ذلك أيضا ما عقده المرء على نفسه، فإذا كانت رعاية العهد واجبة، فإن رعايته هي وجوب الوفاء به. (ب)
وورد عن الرسول
صلى الله عليه وسلم
أحاديث كثيرة تأمر بالوفاء بالوعد والعهد، وتنهى عن الغدر وتذم الغادرين ذما شديدا. وإذا كان من المسلم به أن كل من شرط شرطا ثم نقضه فقد غدر، يكون من الواضح أنه «قد جاء الكتاب والسنة بالأمر بالعهود والشروط والمواثيق والعقود، ولو كان الأصل فيها الحظر والفساد إلا ما أباحه الشارع، لم يجز أن يؤمر بها مطلقا ويذم من نقضها وغدر مطلقا.»
ومما جاء عن الرسول في ذلك قوله من حديث له: «والمسلمون على شروطهم، إلا شرط حرم حلالا أو أحل حراما»، وهو حديث حسن صحيح كما قال الترمذي، وكذلك قوله: «الناس على شروطهم ما وافقت الحق.» (ج)
وأما قوله
صلى الله عليه وسلم : «من اشترط شرطا ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط، كتاب الله أحق وشرط الله أوثق»، فإن معناه أن الشرط يكون باطلا إذا خالف كتاب الله بأن يكون المشروط مما حرم الله، فإن كان المشروط ليس مما حرمه الله، فلا يكون مخالفا كتابه.
وبعبارة أخرى، يكون المعنى أن من اشترط أمرا ليس في حكم الله أو في كتابه بواسطة أو بغير واسطة فهو باطل؛ لأنه لا بد أن يكون المشروط مما يباح فعله بدون الشرط حتى يصح اشتراطه، وحينئذ يكون بالشرط واجبا ويلزم الوفاء به.
وأيضا، فإن الشرط الذي دل الإجماع أو القياس على صحته، وإن لم يرد نصا في الكتاب والسنة، يكون قد دل عليه بأحدهما بواسطة؛ لأن الإجماع والقياس لا بد أن يكون لهما سند من كتاب الله أو سنة رسوله. (د)
وبعد ذلك، فإن الأصل في العقود، وما يكون فيها من الشروط هو رضا كل من المتعاقدين بما يوجبه على نفسه بالتعاقد؛ لأن الله يقول في كتابه (سورة النساء الآية رقم 29):
يأيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم .
وإذا كان الله لم يشترط في صحة التجارة (ومعناها كل عقود المعاملات) إلا التراضي، فإن هذا يقتضي صحة ما يتراضى المتعاقدان من عقود وشروط بدلالة القرآن نفسه، إلا أن يكون في ذلك ما حرمه الله فإنه يكون باطلا كالتجارة في الخمر ونحو ذلك.
هذا، ونختم هذا البحث الفقهي الدقيق المقارن للشيخ رحمة الله في هذه المسألة الهامة، مسألة العقود والشروط، بكلمة موجزة محكمة له في وجوب رعاية مقاصد المتعاقدين ما دام ليس فيها ما يخالف الكتاب والسنة، وذلك إذ يقول: «ومقاصد العقلاء إذا دخلت في العقود، وكانت من الصلاح الذي هو المقصود، لم تذهب عفوا ولم تهدر رأسا، كالآجال في الأعواض، ونقود الأثمان المعينة ببعض البلدان، والصفات في المبيعات، والحرفة المشروطة في أحد الزوجين، وقد تفيد الشروط ما لا يفيده الإطلاق، بل ما يخالف الإطلاق.»