تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فذكرت ذلك بريرة لأهلها فأبوا وقالوا: إن شاءت أن تحتسب عليك فلتفعل، ويكون ولاؤك لنا.

قالت (أي السيدة عائشة): فذكرت ذلك لرسول الله

صلى الله عليه وسلم ، فقال لها رسول الله

صلى الله عليه وسلم : ابتاعي فأعتقي، فإنما الولاء لمن أعتق.

ثم قام رسول الله

صلى الله عليه وسلم

فقال: ما بال أناس يشترطون شروطا ليست في كتاب الله؟! من اشترط شرطا ليس في كتاب الله فليس له، وإن اشترط مائة شرط، شرط الله أحق وأوثق.»

وفي رواية أخرى أنه

صلى الله عليه وسلم

قال في حديثه: «ما كان من شرط ليس في كتاب الله فهو باطل، وإن كان مائة شرط، قضاء الله أحق، وشرط الله أوثق، وإنما الولاء لمن أعتق.»

وإذا كان مجرد شرط من الشروط في عقد من العقود يكون باطلا؛ لأنه لم يرد به نص أو لم يثبت جوازه بالإجماع، فبالأولى يكون العقد الذي هذه صفته باطلا ولا يجب الوفاء به.

وبعد أن ذكر الإمام ابن تيمية هذا الحديث الذي يعتمد عليه أولئك المضيقون في العقود والشروط، قال: «ولهم من هذا الحديث حجتان؛ إحداهما: قوله (أي الرسول) ما كان من شرط ليس في كتاب الله فهو باطل، فكل شرط ليس في القرآن ولا في الحديث ولا في الإجماع فليس في كتاب الله، بخلاف ما كان في السنة أو في الإجماع فإنه في كتاب الله بواسطة دلالته على اتباع السنة بالإجماع.

ومن قال بالقياس، وهم الجمهور (أي غير الظاهرية)، إذا دل على صحته (أي صحة الشرط) القياس المدلول عليه بالسنة أو بالإجماع المدلول عليه بكتاب الله، فهو في كتاب الله.

والحجة الثانية: أنهم يقيسون جميع الشروط التي تنافي مقتضى العقد على اشتراط الولاء؛ لأن العلة فيه كونه مخالفا لمقتضى العقد؛ وذلك لأن العقود توجب مقتضياتها بالشرع، فإذن إرادة تغييرها تغيير لما أوجبه الشرع»، إلى آخر ما قال.

20 •••

وهكذا نرى الشيخ رضي الله عنه أمينا كل الأمانة في حكاية آراء الذين ذهبوا إلى القول الأول في المسألة موضوع البحث، وفي بيان ما استدلوا به لمذهبهم.

وبعد ذلك بين أن القول الثاني هو أن الأصل في العقود والشروط هو الحل والصحة، فلا يحرم ويبطل منها إلا ما دل على تحريمه وإبطاله نص من الكتاب أو السنة، أو قياس صحيح عند من يقول بالقياس، ثم قال: «وأصول أحمد رضي الله عنه - المنصوص عنه أكثرها - تجري على هذا القول، ومالك قريب منه، لكن أحمد أكثر تصحيحا للشروط، فليس في الفقهاء الأربعة أكثر تصحيحا للشروط منه.

وعامة ما يصححه أحمد من العقود والشروط فيها تنبيه بدليل خاص من أثر أو قياس، لكنه لا يجعل حجة الأولين مانعا من الصحة، ولا يعارض ذلك بكونه شرطا يخالف مقتضى العقد، أو لم يرد به نص.

وكان قد بلغه ما في العقود والشروط من الآثار ، عن النبي

صلى الله عليه وسلم

والصحابة، ما لم يجده عند غيره من الأئمة فقال بذلك وبما في معناه قياسا عليه، وما اعتمده غيره في إبطال الشروط من نص فقد يضعفه أو يضعف دلالته، وكذلك قد يضعف ما اعتمدوه من قياس، وقد يعتمد طائفة من أصحاب أحمد عمومات الكتاب - التي سنذكرها - في تصحيح الشروط.»

وبناء على هذا الأصل، يجوز الإمام أحمد للبائع - كما يذكر ابن تيمية - أن يستثني بعض منفعة المبيع، كخدمة العبد وسكنى الدار ونحو ذلك، إذا كانت تلك المنفعة مما يجوز استثناؤها في ملك الغير.

كما يجوز أيضا للمعتق أن يستثني خدمة العبد مدة حياته، أو مدة حياة السيد، أو مدة حياة غيرهما، وذلك اتباعا لحديث سفينة لما أعتقته أم سلمة وشرطت عليه خدمة النبي

صلى الله عليه وسلم

ما عاش.

وكذلك يجيز الإمام ابن حنبل أيضا في عقد الزواج عامة الشروط التي للمشترط فيها غرض صحيح، لما في الصحيحين عن النبي

صلى الله عليه وسلم

أنه قال: «إن أحق الشروط أن توافوا به ما استحللتم به الفروج.»

فيجيز للزوجة مثلا أن تشترط ألا تسافر مع زوجها، ولا تنتقل من دارها، أو لا يتزوج عليها، أو أن يشترط كل من الزوجين في الآخر صفة يصح قصدها، كاليسار والجمال ونحو ذلك ويكون له الفسخ بفوات ما اشترطه في العقد. •••

ابن تيمية · الصفحة ٧١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ابن تيميةص ٧١