تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

10

ليس يغني هذا التدليل من الحق شيئا في رأينا، وبخاصة الأحناف الذين يقولون دائما: العبرة بالمعاني لا بالألفاظ والمباني، والله أعلم.

في الهبة

يذكر ابن تيمية، في باب الهبة من كتاب الاختيارات، أنه لا يجوز للإنسان أن يقبل هدية من شخص ليشفع له عند ذي أمر، أو ليرفع عنه ظلما، أو ليوصل إليه حقه، أو يوليه ولاية يستحقها، أو يستخدمه في الجند المقاتلة، وهو مستحق لذلك.

وإذا كان لا يجوز شرعا أن يقبل الإنسان هدايا أو هبات لهذه الأعمال وأمثالها، فإنه يجوز للإنسان أن يبذل ما يتوصل به إلى أخذ حقه أو دفع الظلم عنه، وكل هذا وذاك هو المنقول عن السلف والأئمة الأكابر، وفيه حديث مرفوع رواه أبو داود وغيره.

وقد تعرض الشيخ رحمه الله لهذا الموضوع بتفصيل في فتاويه المصرية، فذكر - بعد أن بين ذلك الرأي الذي اختاره - أنه قد رخص بعض المتأخرين من الفقهاء في قبول الهدية لمثل تلك الأعمال ويكون ذلك من باب «الجعالة»، ثم قال: وهو مخالف للسنة وأقوال الصحابة رضي الله عنهم والأئمة، فهو غلط.

وأفاض في بيان أن هذا الرأي غلط وخطأ من ناحيتين؛ الأولى: أن هذا ليس من باب الجعالة في شيء؛ لأنه في الجعالة يكون النفع للجاعل الباذل، وهنا «إنما المنفعة لعموم الناس، أعني المسلمين، فإنه يجب أن يولى في كل مرتبة أصلح من يقدر عليها ... وهذا واجب على الإمام، وعلى الأئمة أن يعاونوه في ذلك، فمن أخذ جعلا من شخص معين على ذلك أفضى إلى أن تطلب هذه الأمور بالعوض، ونفس طلب الولاية منهي عنه فكيف بالعوض!»

ومن الناحية الثانية، يلزم من إجازة قبول الهدية لمثل ذلك ضرر كبير تام إذا كان الأمر أمر تولية عمل من الأعمال؛ أي ينتهي الحال إلى «تولية الجاهل والفاسق والفاجر، ويترك العالم العادل القادر، وأن يرزق في ديوان المقاتلة الفاسق والجبان العاجز عن القتال، ويترك العدل والشجاع النافع للمسلمين ، وفساد هذا كثير.»

وبعد أن انتهى الشيخ من ذكر ما يجوز وما لا يجوز في هذه المسألة، نراه لا يترك المشكلة دون حل، بل يذكر أن على ذي الجاه أن يساعد المستحق بجاهه بلا عوض، وكذلك المظلوم حتى يصل إلى حقه ويرفع عنه ظلمه، وأن ينصح لأولي الأمر بأن يبين لهم من يستحق الولاية والعطاء ومن لا يستحق، فإن هذا من أعظم ما يجب عليه من ضروب طاعة الله ورسوله.

11 (4) من مفرداته وغرائبه

كان الشيخ رحمه الله تعالى يفتي بما أداه إليه اجتهاده، فتارة يوافق بعض أئمة المذاهب الأربعة، وتارة يخالفهم جميعا أو يخالف المعروف من آرائهم ومذاهبهم، وهذا هو ما يسميه كثير من مؤرخيه بمفرداته وغرائبه في الفقه.

ونذكر هنا جملة من هذه المفردات والغرائب التي حوكم بسبب البعض منها ومنع من الإفتاء بها، راجعين إلى «العقود الدرية» لابن عبد الهادي، و«طبقات ابن رجب»، و«شذرات الذهب» لابن العماد،

12

ومكتفين منها بذكر ما يلي:

القول بقصر الصلاة في كل ما يسمى سفرا، طويلا كان أو قصيرا، كما هو مذهب الظاهرية وقول بعض الصحابة.

القول بأن البكر لا تستبرأ وإن كانت كبيرة، كما هو قول ابن عمر، واختاره البخاري أيضا.

القول بأن من أكل في شهر رمضان معتقدا أنه ليل فبان أنه نهار، لا قضاء عليه كما هو الصحيح عن عمر بن الخطاب، وإليه ذهب بعض التابعين وبعض الفقهاء بعدهم.

القول بأن المتمتع يكفيه سعي واحد بين الصفا والمروة، كما هو في القارن والمفرد، وهو قول ابن عباس رضي الله عنهما.

القول باستبراء المختلعة بحيضة، وكذلك الموطوءة بشبهة، والمطلقة آخر ثلاث تطليقات.

القول بإباحة وطء الوثنيات بملك اليمين؛ أي مثل إماء أهل الكتاب.

القول بجواز التيمم، مع وجود الماء، لمن خاف فوات العيد والجمعة أو وقت صلاة أخرى من الصلوات المكتوبة إذا استعمل الماء.

القول الذي مال إليه أخيرا بتوريث المسلم من الكافر الذمي، وله في ذلك بحث طويل.

ابن تيمية · الصفحة ٦٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ابن تيميةص ٦٧