تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

القول بعدم وقوع الطلاق بالحلف به إذا حنث، وليس على الحالف حينئذ إلا كفارة اليمين، وقد جرى له بسبب هذا الرأي محن وقلاقل معروفة.

القول بأن الطلاق الثلاث بلفظ واحد لا يقع إلا واحدة، ومن الغريب أن هذا هو الحكم الذي كان عليه العمل أيام الرسول، وأبي بكر، وصدرا من خلافة عمر!

القول بأن المرأة إذا لم يمكنها الاغتسال في البيت، أو شق عليها النزول إلى الحمام وتكرره، لها أن تتيمم وتصلي.

القول بأنه لا حد لأقل الحيض ولا لأكثره، ولا لأقل الطهر بين الحيضتين، ولا بسن الإياس من الحيض؛ فإن ذلك يرجع إلى ما تعرفه كل امرأة من نفسها.

القول بأن تارك الصلاة عمدا لا قضاء عليه ولا يشرع له القضاء، بل عليه الإكثار من النوافل رجاء غفران الله له.

القول بأن سجود التلاوة لا يشترط له طهارة، كما هو مذهب ابن عمر واختيار البخاري.

القول بجواز بيع ما يتخذ من الفضة للتحلي وغيره كالخاتم ونحوه بالفضة متفاضلا، وجعل الزيادة في الثمن في مقابل الصنعة.

القول بأن المائع لا ينجس بوقوع النجاسة فيه إلا أن يتغير، قليلا كان أو كثيرا.

تلك طائفة من اجتهادات ابن تيمية رحمه الله تعالى، التي عدت من مفرداته؛ لأنه خالف بها فقهاء المذاهب الأربعة المعروفة، أو خالف على الأقل الأقوال المشهورة المعروفة لهم، وهي تدل على باع طويل في الاجتهاد، وعلى شجاعة في الجهر بما رآه حقا وإن خالف غيره من جلة الفقهاء، وإن حصل له بلاء بسبب ما يجهر به. (5) من دراساته المقارنة

نتناول بالعرض هنا مسألة واحدة من أهم المسائل التي يجب بحثها في زماننا هذا وفي كل زمان، وهي مدى حرية المتعاقدين فيما يعقدان من عقود ويشترطان من شروط، وقد أفاض في بحثها بحثا مقارنا الشيخ ابن تيمية رحمه الله وأجزل ثوابه، وذلك على ما جاء في رسالته عن العقود والشروط التي نشرت في مجموعة فتاويه الكبرى.

ولهذه المسألة أهميتها وخطرها الكبير حقا؛ وذلك لأننا - كما ذكرنا في كتاب ظهر لنا منذ بضع سنين

13 - نعلم أن لإرادة الإنسان التأثير الأول في عقوده التي يعقدها وشروطه التي يشترطها، ونعلم أن الناس يعرفون اليوم من العقود والشروط ما لم يكن يعرفه أسلافهم؛ نظرا للحاجة التي تتجدد بتجدد الزمن.

فهل يكون للإنسان، مع هذا وذاك، أن يعقد ما شاء من عقود، ويشترط ما شاء من الشروط، ويكون ما يعمله جائزا شرعا؟ بمعنى هل يعتبر كل ما يكون من ذلك صحيحا شرعا، ما دام قد أراده والتزمه من نفسه كما أراده والتزمه من يتعاقد معه؟

وللإجابة عن هذا السؤال، نذكر أولا أن الأمر في القانون الوضعي واضح، فإنه لم يراع إلا الإرادة الحرة لكل من المتعاقدين، فكل عقد أو شرط يكون صحيحا متى صدر عن إرادة حرة؛ لهذا نرى الأستاذ الدكتور السنهوري يقول حرفيا ما يلي: «قد لخص «ديموج

Demogue » نظرية سلطان الإرادة في ست؛ أولا: التعاقد وهو حر في حدود النظام العام. ثانيا: الالتزام وهو ما أراده المتعاقدان. ثالثا: العبرة بالإرادة الباطنة لا بالإرادة الظاهرة. رابعا: يفسر القاضي العقد طبقا لنية المتعاقدين الصريحة والضمنية. خامسا: لا يجوز تعديل العقد إلا بإرادة المتعاقدين الصريحة والضمنية. سادسا: لا ينقضي الالتزام إلا بإرادة المتعاقدين.

14

ومعنى هذا أن السلطان الأول والأخير، في إنشاء العقد وآثاره التي تترتب عليه، هو لإرادة المتعاقدين، دون النظر إلى ما قد يكون من عدم تعادل في الغنم والغرم بينهما؛ أي دون نظر إلى ما قد يصيب أحدهما من غبن فاحش.

هذا هو شأن القانون الوضعي، ولكن الفقه الإسلامي الذي يقوم على كتاب الله وسنة رسوله ينظر إلى الأمر نظرة أخرى؛ وذلك بأنه يرى أن إرادة المتعاقدين هي التي تنشئ العقد حقا، ولكن الشريعة تتدخل في ترتيب ما لكل عقد من أحكام وآثار؛ ولهذا يقول الفقهاء بحق بأن العقود أسباب «جعلية شرعية» لأحكامها ومقتضياتها وآثارها.

ابن تيمية · الصفحة ٦٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ابن تيميةص ٦٨