6
ويصدر ابن تيمية رحمه الله في هذا عن أصل له في باب الأطعمة من كتاب «الاختيارات العلمية» السابق ذكره، وذلك إذ يقول: «والأصل فيها (أي في الأطعمة) الحل لمسلم يعمل صالحا؛ لأن الله تعالى إنما أحل الطيبات لمن يستعين بها على طاعته لا في معصيته، لقوله تعالى:
ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات .»
ولهذا لا يجوز أن يعان بالمباح على المعصية، كمن يعطي اللحم والخبز لمن يشرب عليه الخمر ويستعين به على الفواحش، إلى آخر ما قال.
ولعل مما جعل ابن تيمية يتخذ هذا أصلا له، ويبني عليه عدم جواز إعطاء الزكاة لمن لا يستعين بها على طاعة الله (وإن كان لنا في هذا الرأي مقال)، رغبته الشديدة في جعل المجتمع الإسلامي مجتمعا مثاليا لا يخالف فيه أحد عن أمر الله ورسوله في عامة أحواله.
هذا، ومن المعروف أن من عليه الزكاة تبرأ ذمته منها إذا أعطاها بنفسه لأحد مصارفها، أو سلمها له وكيله في دفعها، أو أعطاها للوالي الذي هو بحكم منصبه نائب عن المسلمين جميعا، فهل تبرأ ذمته بإعطائها لولي الأمر عادلا كان أو ظالما؟
هنا نجد ابن تيمية يقول: «ويبدأ بدفع الزكاة إلى ولي الأمر العادل. وإن كان ظالما لا يصرف الزكاة في المصارف الشرعية، فينبغي لصاحبها ألا يدفعها إليه، فإن حصل له ضرر بعدم دفعها إليه، فإنه يجزئ عنه إذا أخذت منه في هذه الحالة عند أكثر العلماء. وهم في هذه الحالة ظلموا مستحقها، كولي اليتيم وناظر الوقف إذا قبضا المال وصرفاه في غير مصارفه الشرعية.»
7
في البيع
المعروف أن العقد يتم إذا اتصل الإيجاب بالقبول وإذا توافرت في كل منهما شروطه الصحيحة شرعا، ولكن قد يتخذ أحد المتعاقدين من العقد سببا غير مشروع، فهل ينعقد العقد حينئذ، ويكون صحيحا شرعا لوجود ركنه وهو مجموع الإيجاب والقبول؟ أو يعتبر غير صحيح لسببه غير المشروع؟
يرى أبو حنيفة والشافعي صحة هذا العقد لأن ركنه وهو الإيجاب والقبول قد تحقق، ونية السبب أو الغرض غير المباح شرعا مستترة فيترك أمره لله وحده.
ولكن الصاحبين وابن حنبل يرون عدم صحة هذا الضرب من العقود، ولا يجعلون للإيجاب والقبول أثرا متى قام الدليل أو القرينة الصحيحة على هذا القصد الآثم، وقد اختار ابن تيمية هذا الرأي.
وعلى ذلك، يكون بيع عصير ممن يتخذه خمرا صحيحا على الرأي الأول، ويكون باطلا على الرأي الثاني الذي اختاره ابن تيمية إذ يقول: «ولا يصح بيع ما قصد به الحرام كعصير يتخذه خمرا إذا علم ذلك، كمذهب أحمد وغيره، أو ظن، وهو أحد القولين، يؤيده أن الأصحاب قالوا لو ظن الآجر أن المستأجر يستأجر الدار لمعصية كبيع الخمر ونحوه لم يجز له أن يؤجره تلك الدار ولم تصح الإجارة، والبيع والإجارة سواء.»
8
وفي بيان هذا الرأي نجد ابن قدامة المقدسي الحنبلي (توفي سنة 620ه) يقول: «إن بيع العصير لمن يعتقد أنه يتخذه خمرا محرم ... إذا ثبت هذا، فإنما يحرم البيع ويبطل إذا علم قصد المشتري بذلك، إما بقوله، وإما بقرائن مختصة به تدل على ذلك، فإن كان محتملا، مثلا أن يشتريه من لا يعلم حاله أو من يعمل الخمر والخل معا، ولم يلفظ بما يدل على إرادة الخمر، فالبيع جائز.
وإذا ثبت التحريم فالبيع باطل، ويحتمل أن يصح وهو مذهب الشافعي»، إلى آخر ما قال، وفيه استدلال جيد لمذهب القائلين بعدم صحة العقد.
9
ونحن نرى أن الرأي الذي اختاره ابن تيمية هو الأولى بالاتباع، فإنه رأي يساعد على تصحيح الأوضاع الفاسدة في المجتمع، ويتفق مع قول الرسول
صلى الله عليه وسلم : «إنما الأعمال بالنيات.» وليس يغني عن اتباع الإمامين أبي حنيفة والشافعي ما ذهبوا إليه لتصحيح الرأي الآخر وترجيحه، ومنهم الطحاوي إذ يقول: «ومن كان له عصير فلا بأس عليه ببيعه، وليس عليه أن يقصد بذلك إلى من يأمنه أن يتخذه خمرا دون من يخاف ذلك عليه؛ لأن العصير حلال فبيعه حلال ، كبيع ما سواه من الأشياء الحلال مما ليس على بائعها الكشف عما يفعله المشتري بها.»