وفي ذلك يقول الإمام الذهبي أيضا عنه في معجم شيوخه: «وفاق الناس في معرفة الفقه، واختلاف المذاهب، وفتاوى الصحابة والتابعين، بحيث إذا أفتى لم يلتزم بمذهب، بل بما يقوم دليله عنده.»
2 (2) أنواع آرائه
إن الذي يتتبع جمهرة آراء الشيخ الأكبر وفتاويه، يرى أنها تتنوع إلى مجموعات، لكل منها طابع خاص أو وصف تدخل تحته، وكان من عوامل هذا التنوع تدرج صاحبها في الزمن والبحث والتعمق فيه، وهذه الأنواع أو المجموعات هي: (أ)
آراء صدر فيها عن مذهب الإمام أحمد بن حنبل. (ب)
آراء اختارها لم يلتزم فيها مذهبا معينا، ولكنها لا تخرج عن أقوال فقهاء المذاهب المعروفة. (ج)
آراء خالف فيها كل هذه المذاهب، أو المشهور من أقوال فقهائها.
وكان من الطبعي أن يكون ترتيب آرائه وفتاويه على هذا النحو، فقد كان أول أمره حنبليا كما عرفنا؛ ومن ثم كان يتقيد غالبا بمذهب إمامه بعد بحث واقتناع بأدلته. ثم انتقل به الزمن والبحث خطوة أخرى، فطوف في محيط المذاهب المعروفة، وحلق في سماواتها، فكان يفتي بما يراه الحق غير متقيد بمذهب واحد منها، وإن كانت فتاويه في هذه الحقبة لا تخرج عن دائرتها جميعا.
وحين صارت دراساته محيطة عميقة كل العمق، واستحصد عقله وتفكيره، كانت له اجتهادات بعقله، في دائرة النصوص ومقاصد الشريعة العامة، خالف فيها هذه المذاهب جميعا، وهذا ما يضعه بعض مؤرخيه تحت عنوان «مفرداته وغرائبه».
ولا نرى ضرورة لأن نتعرض للطائفة الأولى من فتاويه، فهي كثيرة بطبيعة الحال وبخاصة في فتاويه المصرية، وليس له أصالة في استنباط أحكامها التي تدخل في دائرة المذهب الحنبلي، وإن كان له كبير فضل في تحرير هذا الآراء وبيان أدلتها ورجحانها على غيرها ولهذا رأى الأخذ بها.
ولكننا لا نجد بدا من ذكر نماذج لآرائه وفتاويه الأخرى؛ أي التي اختارها من بين المذاهب الفقهية المختلفة أو انفرد بها، وبعدها نعرض لبعض مفرداته التي خالف فيها المذاهب المعروفة، كما نعرض بعدها لبعض المسائل التي يبين فيها بوضوح مقدار عنايته بالفقه المقارن، وهذا كله على النحو التالي: (3) نماذج من اختياراته
إذا كان لابن تيمية آراء كثيرة لم يلتزم في القول أو الإفتاء بها مذهبا فقهيا معينا، ولكنها لا تخرج عن أقوال فقهاء المذاهب الأربعة المعروفة؛ فذلك لأنه يرى أن الحق في عامة مسائل الشريعة لا يخرج عنها، وهو في هذا يقول: «قول القائل: لا أتقيد بأحد هؤلاء الأربعة، إن أراد به أنه لا يتقيد بواحد بعينه دون الباقين، فقد أحسن، بل هو الصواب من القولين، وإن أراد أني لا أتقيد بها كلها بل أخالفها، فهو مخطئ في الغالب قطعا؛ إذ الحق لا يخرج عن هذه الأربعة في عامة الشريعة.
ولكن تنازع الناس: هل يخرج عنها في بعض المسائل؟ على قولين، وقد بسطنا ذلك في موضع آخر.»
3
هذا ونعرض هنا بعض هذه الآراء التي اختارها، وذلك من كتابه «الاختيارات العلمية»،
4
وهي آراء تعالج مسائل اجتماعية سواء ما كان منها في العبادات والمعاملات.
في الزكاة
هل يجوز نقل زكاة أهل بلد إلى فقراء بلد آخر؟ وهل يجوز نقلها من الريف إلى فقراء أهل المصر الجامع؟ في الإجابة عن هذين السؤالين يختلف الفقهاء، وقد تعرض ابن تيمية لذلك إذ يقول: «وإذا نقل الزكاة إلى المستحقين بالمصر الجامع، مثل أن يعطي من بالقاهرة من العشور التي بأرض مصر، فالصحيح جواز ذلك؛ فإن سكان المصر إنما يعانون من مزارعهم (أي مزارع أهل غير المصر)، بخلاف النقل من إقليم مع حاجة أهل الإقليم المنقول عنه.»
5
وهل يجوز إعطاء شيء من الزكاة لمن لا يقوم بما عليه من طاعة الله والعمل بشرائعه؟ يقرر ابن تيمية في ذلك أنه لا ينبغي أن يعطي الزكاة لمن لا يستعين بها على طاعة الله، فإن الله فرضها معونة على طاعته، فمن لا يصلي (مثلا) من أهل الحاجات الذين هم من مصارف الزكاة، لا يعطى شيئا حتى يتوب ويلتزم أداء الصلاة.