47 (أ)
روي عن الرسول
صلى الله عليه وسلم
أنه قال: «لا يحتكر إلا خاطئ»؛ ولهذا - كما يقول ابن القيم - كان لولي الأمر أن يكره المحتكرين على بيع ما عندهم بقيمة المثل عند ضرورة الناس إليه، ومن اضطر إلى طعام - مثلا - عند غيره لا يحتاج إليه، كان له أن يأخذ بقيمة المثل.
ولو امتنع من بيعه له إلا بأكثر من سعره، فأخذه منه بما طلب، لم يجب عليه إلا قيمة مثله؛ وذلك دفعا لضرر المحتاج، وفي الوقت نفسه لا ضرر فيه على المالك. (ب)
وكذلك يرى أن من اضطر إلى الاستدانة من الغير فأبى أن يعطيه إلا بربا أو معاملة ربوية، فأخذه منه بذلك، لم يستحق عليه للدائن إلا مقدار رأس ماله. (ج)
وبعد ذلك تكلم عن التسعير وأن منه ما هو ظلم محرم، ومنه ما هو عدل جائز، ثم قال ممثلا لهذا النوع: «وأما الثاني فمثل أن يمتنع أرباب السلع عن بيعها مع ضرورة الناس إليها إلا بزيادة عن القيمة المعروفة، فهنا يجب عليهم بيعها بقيمة المثل، ولا معنى للتسعير إلا إلزامهم بقيمة المثل، والتسعير ها هنا إلزام بالعدل الذي ألزمهم الله به، وفيه دفع مفسدة عامة وتحقيق مصلحة.» (د)
ومن هذا النوع أيضا - كما يقول - أن يحتاج الناس إلى صناعة طائفة، كالفلاحة والنساجة وغير ذلك، فلولي الأمر أن يلزمهم بذلك بأجرة مثلهم؛ فإنه لا تتم مصلحة الناس إلا بذلك . (ه)
ونذكر أخيرا أنه تكلم عن الاضطرار للسكنى فقال: إذا قدر أن قوما اضطروا إلى السكنى في بيت إنسان لا يجدون سواه، أو النزول في خان مملوك - أي لغيرهم - أو استعارة ثياب يستدفئون بها، أو رحى للطحين، أو دلو لنزع الماء، أو قدر، أو فأس، أو نحو ذلك، وجب على صاحبه بذله بلا نزاع.
لكن هل يجب أن يأخذ عليه أجرا؟ فيه قولان للعلماء، وهما وجهان لأصحاب أحمد، ومن جوز له أخذ الأجرة حرم عليه أن يطلب زيادة على أجرة المثل، قال شيخنا - يريد ابن تيمية: «والصحيح أنه يجب عليه بذل ذلك مجانا، كما دل عليه الكتاب والسنة.» إلى آخر ما قال. •••
لعلنا عرفنا مما تقدم كيف أخذ الصحابة بالمصالح المرسلة، وكيف أخذ بها الإمام ابن حنبل والذين اتبعوا مذهبه ومنهجه في الأخذ بها، فكان ذلك من العوامل التي جعلت فقهه خصبا متفقا مع مقاصد الشريعة التي هي تحقيق المصالح ودرء المفاسد عن الناس، هذه المصالح التي - وإن لم يشهد لاعتبارها دليل شرعي خاص - تتفق وما جاء به الدين، ولا تخالف أصلا من أصوله.
والآن، علينا بعد ذلك أن نعرض لهذه المسائل: ما هي المصلحة المرسلة، وما هو موقف ابن تيمية منها، ولماذا تشكك وتردد فيها، وسنتناول كلا من هاتين المسألتين على هذا الترتيب:
الأولى:
يجد الباحث العليم أن كل أمر تناوله الشارع بحكم من الأحكام لا بد فيه من معنى أو وصف مناسب اقتضى هذا الحكم الشرعي، وهذا المناسب ينقسم باعتبار شهادة الشرع له بالملاءمة والتأثير وعدم ذلك إلى أقسام ثلاثة: ما يعلم أن الشارع اعتبره، وما يعلم أنه ألغاه، وما لا يعلم أنه اعتبره أو ألغاه.
والمصالح المرسلة هي هذا القسم الثالث؛ أي الذي لا يشهد له أصل من أصول الشريعة لا بالاعتبار ولا بالإلغاء، وعلى هذا يراد بها كل مصلحة غير مقيدة بنص من الشارع يدعو إلى اعتبارها أو عدم اعتبارها، ويكون في اعتبارها مع ذلك جلب نفع أو دفع ضرر، وقد يقال: إنها المصالح التي يرجع معناها إلى اعتبار أمر مناسب لا يشهد له أصل من الشارع معين.
وليس صحيحا ما يقوله بعض العلماء من اشتهار الإمام مالك ورجال مذهبه بانفرادهم بالقول بهذا الأصل والأخذ به، فإن الفقهاء - كما يقول الشوكاني - في جميع المذاهب يكتفون بمطلق المناسبة، ولا معنى للمصلحة المرسلة إلا ذلك.
48
وإذن، يكفي أن نقول بأن المالكية هم أكثر الفقهاء أخذا بهذا الأصل المختلف فيه من أصول الأحكام الفقهية.