تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ثم هو يأخذ، عند عدم النص، بفتاوى الصحابة وآرائهم ويختار عند تعددها في المسألة الواحدة أقربها من كتاب الله وسنة رسوله، فهو على كل حال لا يخرج عن رأي من هذه الآراء، حتى إنه - كما يذكر ابن القيم نفسه - كان يتوقف أحيانا عن الفتوى إن لم يجد مرجحا يرضاه لأحد تلك الآراء، كما كان لا يلجأ إلى استعمال القياس إلا للضرورة.

فإذا صح هذا، وهو صحيح، يكون من البدهي أنه كان يأخذ بأصل المصالح المرسلة كما فعل الصحابة رضي الله عنهم في كثير من أحكامهم وآرائهم الفقهية، ونذكر فيها بعض المثل التي تبين ذلك أجلى بيان، وقد تناولناها في كتاب ظهر لنا منذ بضع سنوات،

43

وهي: (أ)

ليس في القرآن ولا في سنة الرسول نص يوجب أو لا يوجب جمع كتاب الله من الصدور والصحف والرقاع التي كان محفوظا فيها، ومع هذا رأى الصحابة أيام الخليفة الصديق كتابته وجمعه رعاية للمصلحة العامة، بعد أن تحرج أبو بكر أول الأمر من هذا العمل وقال: كيف أفعل شيئا لم يفعله رسول الله

صلى الله عليه وسلم ؟ ولكن عمر ظل يراجعه حتى شرح الله صدره له. (ب)

ثم جاء سيدنا عثمان ورأى اختلاف المسلمين، وقد ازداد تفرقهم في البلاد، في قراءة بعض حروف من القرآن، فخشي أن يؤدي الأمر إلى اختلافهم فيه كما اختلف اليهود والنصارى في كتبهم، فأمر بجمع القرآن في مصحف واحد، وفرق منه نسخا في الأقطار المختلفة، ثم أمر بما سواه من الصحف ذات القراءات المخالفة فحرقت. (ج)

منع سيدنا عمر إعطاء «المؤلفة قلوبهم» على الإسلام نصيبا من الصدقات والزكاة مع ما جاء عن ذلك في القرآن وسنة الرسول العملية، وكان من قوله في هذا لعيينة بن حصن والأقرع بن حابس: «إن رسول الله

صلى الله عليه وسلم

كان يتألفكما والإسلام يومئذ قليل، وإن الله قد أغنى الإسلام، اذهبا فاجهدا جهدكما، لا رعى الله عليكما إن رعيتما.»

44 (د)

إبقاؤه رضي الله عنه أرض العراق وغيرها من البلاد التي فتحت في عهده في أيدي أهلها، ووضع الخراج عليهم، بدل توزيع أربعة أخماسها على الفاتحين أصحاب الحق في ذلك كما هو معروف، وكان هذا الصنيع توفيقا من الله ورعاية للمصلحة العامة للمسلمين. (ه)

جواز أن يفرض الإمام العادل على الأغنياء من المال ما لا بد منه لتكثير الجند وإعداد السلاح؛ ليكون ذلك حماية للبلاد.

45 (و)

قضاء الخلفاء الراشدين بتضمين الصناع قيمة ما يضيع عندهم من حاجات الناس وأمتعتهم، مع أنها أمانات عندهم، والأمين لا يضمن، ولكن سيدنا علي بن أبي طالب خاف الخيانة والتقصير، فقال في هذا: لا يصلح الناس إلا ذاك.

والإمام أحمد، كما قلنا، فقيه سلفي بكل معنى الكلمة، فهو بلا ريب يأخذ بفتاوى الصحابة وبمنهاجهم في الاستنباط، وهو لهذا يرى بيقين أن من أصول الفقه مبدأ المصلحة المرسلة لما فيه من تحقيق الصالح العام، ودرء المفسدة العامة أيضا.

ومن ثم، نجد له آراء وفتاوى كثيرة كان مصدرها هذا المبدأ، وبخاصة في باب السياسة الشرعية، ونحن نذكر من ذلك هذه الأمثلة مكتفين بها: (أ)

يرى أن جزاء من شرب الخمر في رمضان، أو أتى شيئا نحو هذا، هو إقامة الحد عليه مع التغليظ فيه، كمثل الذي يقتل في الحرم - أي قتلا خطأ - فعليه دية وثلث. (ب)

يرى وجوب نفي المخنث؛ لأنه لا يقع منه إلا الفساد والتعرض له، وللإمام نفيه إلى بلد يأمن فساد أهله، وإن خاف عليهم حبسه. (ج)

ومما نص عليه أيضا أن من طعن على الصحابة يجب على السلطان عقوبته، وليس له أن يعفو عنه، بل يعاقبه ويستتيبه، فإن تاب وإلا أعاد العقوبة.

46

وبعد الإمام ابن حنبل نجد أصحابه وأتباعه يأخذون بهذا الأصل أيضا على ذلك النحو، ومنهم أخيرا ابن القيم ففي كتبه - مثل: «إعلام الموقعين»، و«زاد المعاد»، و«الطرق الحكمية» - الكثير من الآراء التي بنيت عليه، ونذكر المثل الآتية من كتابه الأخير:

ابن تيمية · الصفحة ٦١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ابن تيميةص ٦١